khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
نصوص
رأيتُ ولم أكُنْ هُناكْ
 
كادَ لا يلمِسُ الأرضَ، لكنَّهُ لا يطيرُ
سألتُهُ بحِكمةِ الشيوخِ: هل هي فكرةُ المكانِ عن الشُّهداء؟
أخْرَجَ قطعَةَ موسيقى من جيبٍ سرِّيَّةٍ في قميصٍ لا يُرى، حفرَ أرضاً صخريَّةً صفراءَ، ومسَّدَ الهواءَ بيدِهِ كساحِرٍ واثِقٍ مما يفعلُ، فجأةً، صارَ الوقتُ أزرق، وخفَّ المكانُ كبالونةٍ بهواءٍ ساخِنٍ، وفيما الموسيقى تشاكسُ كلَّ شيء، طِرْنَا معاً.

وكانت امرأةُ نارٍ بجوارِهِ، خفيفةً إلى حدِّ الخيالْ، تحميهِ من الشمسِ والريحِ والعصافيرِ، وحتى من دقاتِ قلبِها العالية، كأنّني تنازلتُ عن أعضائيَ، وكأنّهما حلمٌ في حُلمْ، يصعدان، وأنا غريبٌ في مشهدٍ لا يستقرُّ على إحساسٍ  مُفرَدٍ، وكانت الطريقُ بلا اتجاهٍ، وكنّا نعرفُ إلى أينَ نذهبُ تماماً، كأنّنا خُلِقنا بهذا مذ كنّا أجنَّةً لا نعي ذواتنا.

وكانَ ضوءٌ على تلَّةٍ من ضوءٍ وطيورٌ من ضوءٍ وسماءٌ من ضوءٍ وكلامٌ من ضوءٍ يسبحُ في ضوءٍ لا ينتهي، كنّا ضوءاً كذلك، واعتدنا الاختلافَ حتى في ضوئيتِنا، تكامَلنا ولم نمتزج، فتحتْ لنا أبوابٌ لم نَرَها، وكانتْ جنَّةٌ خلفَنا لم نقطع حدودَها، كأنها امتدادُ سيرِنا وطيراننا، كلُّ شيءٍ يتحوَّلُ، ونتحوَّلُ، وينمحي الوقتُ والمكانُ، ونصيرُ وقتاً ومكاناً.

رأيتُ ولم أكنْ هناك، أرواحاً تتعثّرُ بالنورِ لفرطِ رقَّتِها، أنبياءَ من كلماتٍ مقدّسةٍ يسيرونَ وحدَهم كما كانوا في الأرضِ، طوابيرَ من منتظرينَ في طريقٍ يحدُّها القُرُنفلُ من جانبيها، ابتساماتٍ توحّدُ الأجواءَ وغناءً يلمُّ موسيقى ذاكرة الأرضِ، موسيقى الطير، موسيقى المياه حين تستقلُّ عن الغيم، موسيقى النايات وحفيف الأشجار، موسيقى الريحِ وكلامها للبحر، كلّ موسيقى كانت هناك، ولم أكن مذهولاً كما ظننتُ.

حينَ استقرَّ أخيراً على البياضِ النائي، سألتُهُ عن قوّةِ الغصنِ التي تحتملُ أكثرَ مما تبدو من بعيد، فقالَ لي إنَّه الحنينُ في الأرضِ حينَ لا يكترث به أحد، يصعدُ، ويصيرُ بياضاً نائياً، يتشكَّلُ غصناً ولا يعودُ إلى الأرضِ أبداً، هو لم يكنْ هناكَ لكنّهُ رأى...
وحينَ رأى
قَتَلَتْهُ الرؤيا.

11/11/11

     
عدد التعليقات 0