khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
نصوص
تحتَ نافذةٍ مُغلقةْ
 
خمسونَ قرناً، أجلسُ تحتَ نافذةٍ مُغلقةٍ، في يدي نايٌ ومَحبرةٌ في مخلاةٍ على كتِفي، وبَرْدِيَّاتٌ تملأُ الرّملَ، وبوصةٌ فائضةٌ، وقصَّةٌ لا تبدأُ ولا تنتهي، دونَ فَرَسٍ، دونَ سيفٍ، دونَ طبلِ حربٍ، تخذلني الفصولُ، وتنأى عني الأشجارُ، وأغازلُ طيفاً حزيناً خلفَ الزُّجاجِ، تسقطُ مني حضارتان، وأنتبهُ في ليليَ الغزيرِ إلى موتيَ الذي تشكَّلَ طبقاتٍ على فرشةِ الوقتِ، فأغنِّيهِ، تخرجُ غزالةٌ من الأغنيةِ، جميلةٌ بعينينِ توقفانِ الحربَ حين تمرّانْ، أصفِّفُ القرونَ كلعبةِ أطفالٍ وأعصُرُها لأنظِّفها من الدَّمِ والمؤامرةْ، أخلو إلى جنونِ الليل، وأركبُ فكرةً سريعةً إلى بلادِ المعجزاتِ، ولا ريحَ تُشرِقُ من الغيمِ، والأولادُ الذينَ سيحرِّرونَ التاريخَ من لغتهِ، ما زالوا نائمين في طينٍ مؤجَّلٍ وبعيدْ.

[في مقهىً للإنترنتْ، نافذتان مغلقتانِ على الحاسوبِ المحمولِ، ونافذتان مفتوحتانِ في البناية المقابلة، أولادٌ يلعبونَ، وكتُبُ تاريخٍ مكوّمةٌ بأغلفةٍ جديدةٍ على الرّصيفِ، وتصرُخُ امرأةٌ بالصُّدفةِ في وجهِ البحرِ: لم ينظِّفوا الشارعَ منذ خمسين قرناً، فانتبه من نومِكَ أيُّها البحرُ]

خمسونَ قرناً، أرى الحزنَ بلاداً، والنّهرُ دمعاً، حيثُ يسري العشبُ في روحِ الرّملِ كحيوانٍ أليفْ، وتغزوني قبائلُ من غجرٍ وليلْ، تسرِقُ حبرَ الكلامِ عن يدَيَّ، تبكي أصابعي حِبراً وخيباتٍ عنيدةً، أفيضُ جسوراً بينَ فكرتينِ يائستين مفعمتينِ بالرِّماحِ، أغزلُ خوفي نسيجَ بَرقٍ بينَ عالمين لا يلتقيانْ، تتركُ الفكرتانِ المعركةَ وتنشغلانِ بي، أصيرُ ألفَ قطعةٍ من حنينْ، وأتوزَّعُ على نصالٍ مكسورةٍ، أنبضُ وأجتمعُ حِقبةً حِقبةً في حقلٍ تينٍ بعيدٍ، ويلمُّني عصفورٌ بمنقارٍ قمحةً قمحةً ليُكمِلَني فأكتملْ، ويَرِنُّ جَرَسُ الخُلخَالِ في قدمِ أميرةٍ دونَ موكبٍ مرَّتْ في نسغِ المكانِ فصارَ عالَمَاً بتفاصيلَ مُبْهمةٍ فَضِعْتُ، وأكَلَني الانتظارُ كلُقمَةِ إفطارٍ سَريعةٍ وهشَّةٍ، كَسَرتُ ظلِّي كي أعودَ للحياةِ، هكذا تَرَبَّيتُ.

[تنقطعُ الكهرباءُ كلّما تعكّرَ مِزاجُ الْحَمامْ، تنقطعُ الموسيقى، تنقطعُ الآفاقُ ويسكتُ القديمُ عن الحديثِ ويعمى الحديثُ عن القديمِ، أساطيلُ بكاملِ التكوينِ تغزو شُبّاكَنا الوحيدْ، وطابورُ نملٍ يمشي مستقيماً مهما كانَ ظرفُ الطريق]

خمسونَ قَرناً، يقفُ شيطانٌ على طَرَفِ الصّحراءِ، يُبْعَثُ نبيٌّ فيقتُلُهُ، تنزُّ شجرةٌ فيَقطَعُها، يسيلُ قمرٌ فيُطْفِئُهُ، ويحَرِّرُ البلادَ من أخلاقِها، وأمرُّ مجروحاً كقِطعةِ نومٍ بلا أحلامْ، واهِماً بالآتي، فيخذلني الصقيعُ المتمدِّدُ على مشاعِرِ الأصدقاءِ الثَّمِلينَ في ركنٍ مسائيٍّ من سعفِ النّخلِ المغروسِ كحدودٍ بين حَقلِ زَنبَقٍ وعُرسِ حَصَادٍ مُبكِّرٍ، وقرنُ ثَوْرٍ لا يَمَلُّ ينطحُ الأفقَ بنيَّةِ إسقاطِ السماءِ على الأرضِ، وما زالَ يحاولُ لاهياً عمّن يغادرُ ومن يأتي.

[تأتيني النوافذُ في الحلمِ، مكسورةَ الزجاجِ، مكسورةَ الإطلالةِ، مكسورةَ المشاهدينَ، تلعَبُ الريحُ معَ الريحِ في أمِّ الطقوسِ، ولمرَّةٍ وحيدةٍ أرى نافذةً تبكي، وريحاً بالصُّدفةِ تسألُ أين يمكِنُها الذهابْ]

خمسونَ قرناً، أجلسُ تحتَ نافذةٍ مُغلقةٍ، وامرأةُ خائفةٌ تحبسُ خوفَها خلفَ النافذة، وحينَ حرَّكَت يدَها لتفرزَ الضوءَ عن العتمةِ، كان الوقتُ الذي مرَّ من بين حاجبيها دونَ تعمُّدٍ، قد أخذَ حاسَّةَ الليلِ من الليلِ، وزرَعَ يقظتَهُ في عِرقِ نَخلةٍ وحيدةٍ، وتفرَّعَ إلى أنهارٍ زائدةٍ عن احتمالِ الأرضِ، ومضى يضحكُ ويرمي قُرونَ الزمَنِ دونَ ترتيبٍ على الحضاراتْ.

[ما عدتُ تحتَ النافذة، وما عادت امرأةٌ وراءَ الزجاجِ، أما النافذةُ فما زالت مغلقةً]

الثالث عشر من كانون أول 2011

     
عدد التعليقات 0