khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
نصوص
وَرَأَيْتُهَا
 

ورأيتُها، في مغيبٍ لا يوصَفُ، تجدِّلُ حسرَتينِ على ضفَّةٍ ممنوحةٍ للسرابِ، على فخذِها غفا قمرٌ وغابةُ لُغةٍ وأغنياتٌ ناقصةٌ وبضعةُ أجيالٍ من مُحارِبينَ مُتْعَبينْ، تحنُّ إلى يديها القديمتينِ، تُخرِجانِ الشمسَ من محارتِها، تغربلانِ الليلَ من نجومِهِ، تحرسانِ أحلامَ البناتِ من سطوةِ جلاّدٍ مُحترِف، تعِدّانِ الحَبَّ للحَمَامِ الذي يأتي بالصباحِ في ريشِهِ وبالأغاني في مناقيرِهِ التي تصلحُ للغناءِ كذلكَ، رأيتُها، وكانت كلّما بكتْ، غيَّرَ نهرٌ مسارَهُ، وكلما ضحِكَتْ استقالَ شيطانٌ من مِهنته.

ورأيتُها، في مشهدٍ غيرِ ممكنٍ، تُرتِّبُ الحدائقَ في جُزُرٍ من خيالٍ عميقٍ كالخيالِ، تهدّئُ عاصفةً خائفة، وتزيلُ الغموضَ عن الكلام، كأنما خَرَجَتْ من غيمةٍ منذ قليلْ، ترتَدي بَلَداً أزرق ونهراً في معصمِها، وخبرٌ طازجٌ يتدلّى من أذنيها، عشرُ غزالاتٍ يَتْبَعنَها، وزغاليلُ بلونِ فَرَحٍ تهدُلُ حَولَها، في المشهَدِ حُنجُرةٌ خرساءَ، يصلّي لها اليتامى كي يدْعَكَ صوتُها الفراغَ فيهِم، بطقوسٍ غريبةٍ تتغيَّرُ كلَّ مرَّةٍ كيفما اقتضى اتجاهُ الرّيحِ، رأيتُها تصلّي، ويُصَلَّى لها.

ورأيتُها، وكانَ الحظُّ أنثى، وأنا صيدٌ يُعجِزُني الليلُ والخوفُ، نَجَوْتُ صُدْفةً، عندما رأيتُهُا، كانَت تُشبِهُني، في وَحْدَتِها تُشبِهُني، في رُعبِها من الذكرياتِ، تُشبِهُني، في تحطيم المرايا تشبِهُني، شيء واحدٌ كانَ يصنعُ عالماً من الفروقاتِ بيننا، كنتُ دائماً ظلَّ رغبتِها في الحياة.

ورأيتُها، مِثْلَ عاشِقةٍ تفكِّرُ فيمن تُحِبّْ، رأتْ سُمْرَتَها تصيرُ وهجاً لامعاً حينَ تذكُرُ لمسَةَ النايِ على خدِّها فتغلِقُ عينيها اللّوزيَّتين، وتسيلُ من أفكارِها الموسيقى، كحبالِ ضوءٍ على ظهرِ فجرٍ بألوانٍ باردةٍ وصعبةٍ على التذكُّرِ، بدا كلُّ شيءٍ مثلَ اختبارٍ لقدرةِ البشرِ على احتمالِ الجمالِ، وكانَ الوقتُ وحدَهُ يأتي بأحصنةٍ ملوَّنةٍ إلى المشهدِ، ويغيبُ يغيبُ، إلى أن يشكَّ الغيابُ في الحضور.

ورأيتُها، في وادٍ بعمقٍ لا يُرى، تهدهدُ ولداً بحجمٍ لا يُرى، يحملُ حُلُماً لا يُرى، ويحاولُ دائماً أن يصعدَ الحجارةَ الملساءَ للجبلِ العنيدِ، هو يرى النحلَ العملاقَ أعلى الوادي، ويرى قنّاصين وجمهوراً جاهزاً للتصفيق ينتظرُ، قدماه حافيتان وتنزّان دماً، وهو يصعدُ ويقعُ على ظهرِهِ من علوٍّ شاهقٍ، يستندُ إلى ذراعِهِ المخدوشةِ، وإلى ذكرى قديمةٍ لأبوين لا يُريان، ويقومُ ثانيةً، لم يمد له أحد يداً، ولم يفهم لماذا إلى الآن هو وحده في هذا الوادي بعد مرور جيوشٍ من الوقت، وحدَها، كانت تلمُّهُ كلّما تناثرَ في الخطاباتِ، وتعيدُ تركيبَهُ كحصّةِ أناشيدٍ لا تُقاوَمُ، مجرَّدُ قُبلةٍ، ويمتلئُ قلبُهُ بالفرسانِ الجاهزينْ.

ورأيتُها، تعلوْ كَسِربِ خيولٍ خرافيّةٍ خَرَجَتْ مِنْ حكايةٍ خُرافيَّةٍ تشربُ الألوانَ من إناءٍ سَماويٍّ بدأ بِهِ العالمُ، وتنتهي إليهِ الأرواحُ بعد اكتمالِها الدنيويّ، تصيرُ فَرَحاً، تصيرُ غضباً وكلامَ آلهة، تصيرُ ثدياً للحليبِ، وتصيرُ سيفَ قاضٍ لا يُجامِلُ، تصيرُ بِلاداً ومُعجِزَةَ امتلاء، تصيرُ خُبزاً يغيّرُ تاريخَ القمحِ في الميثيولوجيا، تصيرُ مرآةً وتصيرُ خجَلَ الفاتحينَ من المرايا، تصيرُ فولاذاً وتصيرُ قصباً للناياتِ، وفي كلِّ رملةٍ تخطو فوقَها، يحضُرُ عالَمٌ تشتهيهِ الفِضَّةُ فيتزوّجان.

رأيتُها، تمشي في نومي

رأيتُني، أمشي في نومِها

العاشر من نيسان 2012

     
عدد التعليقات 1