khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
مقالات
الفن والمحاكمة الأخلاقية
 

الفن والمحاكمة الأخلاقية

سأدخل في الموضوع من باب الشاعر أمية بن أبي الصلت، ولكي يكون ما أتحدث عنه واضحاً، فدعوني أقدم بعض المعلومات البسيطة عنه، فهذا الرجل كان من ضمن أربعة أسماء يبحثون عن الله قبل نزول الوحي على النبي محمد، أحدهم كان ورقة بن نوفل الذي تنصر، وقد كان أمية يسمع من أهل الكتاب أن هذا زمان نبي، فكان يعتقد أن الوحي سينزل عليه، ولكن عندما ظهر النبي وبدأ خبره بالشيوع، لم يتبعه أمية رغم معرفته أنه على حق كما قال لأبي سفيان في حوار طويل بينهما يختتمه أمية بقوله: لا أقضي عمري أقول لنساء ثقيف أنني نبيها المنتظر، وأتبع غلاماً من بني هاشم.

أمية كان يقول الشعر ويجيده، وفي شعره الكثير من الأوصاف للجنة والحور العين والثواب والعقاب، وكان النبي يحب شعره، لكن أمية أخطأ حين رثى قتلى القليب من قريش في بدر، فقد كانوا أصدقاءه، ورغم أنه رثاهم في قصيدة طويلة، إلا أنه رثاهم كأصدقاء له، ولم يأخذ موقفاً ضد الإسلام مع الكفار، وقد كان النبي يقول عنه: لقد آمن شعره وكفر قلبه، وفي أكثر من رواية عن عبد الله بن مسعود أن الرسول كان يطلب منه أن يروي له ما يحفظ من شعر أمية، حتى أن النبي فرد عباءته لأخت أمية بعد وفاته وطلب منها أن تقرأ عليه ما تحفظ من شعر أخيها.

ولشدة مصداقية النبي، ووعيه الديمقراطي، فقد نهى عن رواية قصيدة أمية التي يرثي فيها أصحاب القليب في بدر، لكنه لم ينه عن بقية شعر أمية، وهذا تفضيل جمالي رائع، لكن من أتوا بعد النبي، سحبوا النهي على شعر أمية كله حتى لم يعد أحد يرويه بين المسلمين، وهذا كان جوهر الفرق بين التقييم الجمالي للشعر والتقييم الأخلاقي له.

ما هو التقييم الجمالي وما هو التقييم الأخلاقي؟
حين نسمع أغنيةً جميلة، بصوت جميل، ونبدي إعجابنا بها، بكلماتها ولحنها، أو حتى إن أبدينا استياءنا من ذلك، فإن هذا يعد تقييماً جمالياً، ولكن حين نقول إن صوت المرأة عورة، وإن المعازف حرام، دون أن ننظر إلى مضمون الأغنية، فهذا تقييم أخلاقي، وقد أسال علماء الإسلام الكثير من الحبر في هذا الموضوع واختلفوا فيه، إلا أن جلهم كان يذهب مع القصد من وراء العمل، أي لم يحرموا الموسيقى في ذاتها أو الفن في ذاته، بل حرموا المقاصد غير الأخلاقية التي يذهب إليها الشعر هنا أو الموسيقى هناك أو الفن بشكل عام.

ففي قضية التصوير مثلاً، التي يعتمد الكثير من العلماء على حديث النبي بتحريمه، من يقرأ السياق التاريخي لهذا التحريم يعرف على الفور أن المقصود بالتصوير هو نحت التماثيل، وهذا لقرب عهد الناس من الجاهلية وخوف الرسول من عودة الناس لعبادة الأصنام، أما الرواية الأهم في هذا الموضوع فيرويها عبد الله بن مسعود عن يوم فتح مكة وبعد تحطيم الأصنام، فقد وقف النبي داخل الكعبة وكان هناك ثلاث صور، صورة لسيدنا آدم وهو عار في الجنة، وصورة للنبي إبراهيم وهو يستقسم بالأزلام، وصورة للسيد المسيح وهو في حضن العذراء، فوضع النبي كمه على صورة العذراء والمسيح وأمر بمحو الصورتين الأخريين، وسبب أمره بمحوهما أنهما تصوران الأنبياء بطريقة لا تليق بالأنبياء، فلا يليق بآدم أن يكون عارياً ولا يليق بإبراهيم أن يستقسم بالأزلام، ولكنه احتفظ بصورة عيسى مع العذراء.

أما في قضية الموسيقى فسأورد مثلا واحدا مذكور في كتب الأثر، وهو أن جعفر بن أبي طالب، كان لا يشتري الجارية إلا إذا كانت تجيد الضرب على العود، وكلنا يعرف أن جعفر شهيد معركة اليمامة التي حدثت في حياة النبي قبل فتح مكة، وبالتالي لو كان سلوك جعفر مرفوضاً لنهاه النبي عنه، لأن الاستدلال يؤخذ إما من فعل أتى به النبي، أو أتى به أحد الصحابة ولم ينه عنه النبي.

إن محاكمة الفن هي محاكمة للإبداع بالضرورة، ومحاكمة الإبداع تعني التعسف والديكتاتورية، فتغطيه أمر ما بقمعه، لا تجعل هذا الأمر غير موجود، فسيبقى موجوداً إلى الأبد لكنه مخفي، والمخفي كما نعلم جميعاً، تشتد الرغبة فيه، حتى أنه يصبح مطلوباً أكثر مما لو كان متاحاً.

في العصور الوسطى حاولت القوى الظلامية في المسيحية الأوروبية أن تقضي على الفن والعلم لاعتقادها أنه يتعارض مع تعاليم الرب، واستمر هذا الصراع ما يقرب من الألف عام، حتى بدأ عصر النهضة في القرن الرابع عشر في أوروبا، وتم تحييد الكنيسة عن الحكم، وإلغاء محاكم التفتيش التي كانت تحرق المبدعين والمفكرين علناً في الساحات العامة، وتعلمت أوروبا الدرس فتقدمت منذ ذلك الحين إلى اليوم.

ولو نظرنا إلى تاريخ الدولة الإسلامية في العالم العربي، لوجدنا دلالات واضحة لا تقبل الشك، على تطور الدولة حين كان هناك تطور للفن، فبغداد وقرطبة وغرناطة ودمشق لم تتطور فقط على المستوى العسكري والديني، بل تطورت على مستوى الفن المعماري والشعر والرسوم والموسيقى والملابس والعادات، وهذا كان يصاحب التطور الديني والفتوحات في كل مكان، كان يصاحب الاجتهادات والفتاوى التي تخدم الدين والدنيا، وتأخذ بيد الدولة الإسلامية إلى العظمة التي جعلتها تتربع على عرش العالم لقرون طويلة.

وعندما جاء الاحتلال التركي، الذي يذكر تاريخه بنفسه، كان حكام تركيا جميعهم دمويين حسب ما يروي  تاريخ الدولة العثمانية العلية بلسان سلاطينها، باستثناء سليمان القانوني الذي اهتم بالأبنية والشعر والموسيقى، وعزلت تركيا العالم العربي عن العالم لمدة أربعة قرون تقريباً، فأدى ذلك إلى تراجع اقتصادي وتخلف أسسته الدولة المركزية في اسطنبول، مما أدى إلى انتشار الشعوذة والترهات، ووصل الحال بالعالم العربي إلى تخلف منقطع النظير حتى على مستوى نسبة الأمية، واستمر ذلك حتى عام 1921 حين أزيح آخر سلاطنة الأتراك.

الفن هو بهجة الروح، وحين نعرف مثلاً أن مقامات الموسيقى العربية كلها مأخوذة من طرق قراءة القرآن وبالأخص عن طريقة حفص عن عاصم، فأي تعارض نجد هنا بين فكرة وفكرة؟ أي إنغلاق قد يصيب الروح حين يغلق الأفق الذي يمكن أن تمتد فيه، ولماذا نأخذ دائماً الأشياء التي نحاول أن نثبت من خلالها أننا فقط المصيبون، وبالتالي نسعى إلى أن نعمل لآخرتنا كأننا نموت غداً، متناسين أن للحديث نص واضح يبدأ بـ"إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً"، ولعل هذا ما نحن بحاجة إليه، أن نفتح أرواحنا، للفن والحياة، لأن القلوب كما جاء في الأثر: إذا كَلَّتْ، عَمِيَتْ.

السابع من حزيران 2012

     
عدد التعليقات 0