khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
مقالات
لولي أبو ضاحي، العمر مقابل قطعة حلوى
 

هذا ليس اسماً للدلال، ففي شهادة ميلادها، هكذا يُكتب اسمُها، لولي، واللولي في العامية الفلسطينية يعني اللؤلؤ، وهكذا كانت لولي المولودة في مخيم الشابورة في الثاني من كانون أول 1984.

مثلما يكبر أي طفل، كبرت، ولا أعرف بم حلمت، ولا كيف كانت تفضل سندويشة الحضانة، لأنها كانت مثل بقية الأطفال، تركض في الشارع مع صديقاتها، وتنتظر اليوم الذي تذهب فيه إلى المدرسة لأول مرة، تُغضِبُ أمها مثل كل البنات في سنّها، غبية أحياناً وذكية أحياناً أخرى، لولي كانت بنتاً تنتظر أن تكبر.

مخيم الشابورة في رفح، كان ـ وربما ما زال ـ أعنف المناطق الفلسطينية في مواجهة الاحتلال، الانتفاضة كانت فعلاً يومياً، فحين لا يكون هناك جيش يكون هناك حديث عنه أو تخطيط له، وفي 25 شباط 1989 كان يوماً عنيفاً كباقي الأيام، وكانت إسرائيل تجرب اختراعها الجديد من الرصاص المطاطي، هل تعرفون الرصاص المطاطي؟ سأقول لكم ما هو لكي تضحكوا قليلاً، أو تبكوا كثيراً لا فرق، فما تدعي إسرائيل أنه رصاص مطاطي، كان عبارة عن كرة مغلفة ببلاستيك بسمك نصف ملليمتر، وفي داخلها كرة من الحديد الصلب الفولاذي، وزنها 25 جرام، قمت بوزنها بنفسي ذات يوم، في حين أن وزن الرصاصة يقل عن ذلك كثيراً، وتطلق البندقية الرصاص المطاطي من عبوة تحمل كمية من الرصاص "المطاطي"، بشكل هرمي، فيتفرق في جميع الجهات، وهو بهذا المعنى أخطر من الرصاصة التي عادة ما تكون مصوبة باتجاه هدف، أما الرصاص المطاطي فيمكن أن يصيب أي شيء في أي مكان.

25 شباط 1989، عادت لولي من المدرسة، بدلت ملابسها وخرجت لتشتري الحلوى، أطلت من الشارع الفرعي على الشارع الكبير في المخيم، وصاحت ابنة الخامسة بالشبان، أهربوا... جيش...، بحروف لم يكتمل نموها بعد، ولم يدعها القناص المحترف كي تكمل جملتها، أطلق شهوته "المطاطية" لتخترق الرصاصة رأس لولي، ويسيل جزء من دماغها على الأرض، هل انتهت الحكاية؟ ليتها انتهت.

ذعر الجنود حين أصيبت الطفلة، وغادروا المكان، فلم يكن أي فيلسوف في العالم بقادر على تبرير فعل مثل هذا، طفلة في الخامسة، وجنود مدججون، ما الحكمة من إطلاق الرصاص؟ لكن مغادرة الجنود أعطت فرصةً لنقل لولي إلى عيادة الأونروا ثم إلى خانيونس ثم إلى غزة وأخيرا إلى مستشفى تل هاشومير، حيث أجريت لها عملية نصح خلالها طبيب روسي بعدم إخراج الرصاصة من رأسها، لكنهم أخرجوها، ففقدت لولي النطق والحركة، تحولت إلى ما يعرف طبيا باسمvegetable case   أي حالة تشبه الشجرة، أو الخضار، تحس، لكن دون حركة، ودون كلمات، ودون رد فعل غير عينين حائرتين بأسئلة لم يعرفها أحد كي يستطيع الإجابة عنها.

بقيت لولي على هذه الحالة، إلى أن جاء يوم ميلادها ذاته، الثاني من كانون أول 1998، بعد عشر سنوات على إصابتها، كانت في الرابعة عشرة يومها، منها عشر سنوات لا تشعر بالعالم حولها، لتموت متخذة من الموت مهرباً وحيداً لحالتها.

لولي أبو ضاحي مجرد طفلة، ما زالت تركض في الشوارع مع صديقاتها لأنها الطفلة الوحيدة التي لم تتعدّ سن الخامسة منذ ذلك الوقت إلى اليوم، لولي أبو ضاحي تحوّلت إلى طائر أخضر بجناحين من حلوى، لم تأكل قطعة الحلوى التي سال لعابها لها في الدكان المجاور لبيتها، وربما ظلت صورة قطعة الحلوى هي الصورة التي تداعب خيالها لعشر سنوات دون أن تتمكن من القول لأمها أنها تموت شوقاً إلى تناولها، لا أحد منا عرف، ولا أحد سيعرف ما كانت تفكر فيه طوال هذه المدة، لكن ما قالته تجربة لولي أبو ضاحي القصيرة مع الحياة، أنك إذا كنت فلسطينياً فعليك أن تنتبه، لأنك من الممكن أن تدفع حياتك ثمناً لقطعة حلوى، حتى ولو كنتَ طفلةً لم تتجاوز الخامسة من عمركَ بعد.

السابع عشر من حزيران 2012

     
عدد التعليقات 0