khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
مقالات
نصائح للحياة في غزة
 

من أراد أن يعيش في غزة، وأقصد بالعيش هنا، أن يسكن وينام ويصحو دون أن يكون لديه جواز سفر لدولة أخرى ولا إقامة، أي أنه "غزاوي نقي" من كل الشبهات، فعليه أن يتبع مجموعة من الخطوط في الحياة، لأن الحياة في غزة لا تشبه الحياة في أي مكان آخر، ولا حتى في دول أفريقيا، والمسألة لا تتعلق بغنى وفقر، بل بنوع جديد من الأنماط الحياتية ربما لم يعرفه العالم من قبل، ولا حتى أثناء الحرب العالمية الثانية.

أولاً: سقف التوقعات:
على من يعيش في غزة أن يخفض سقف توقعاته تجاه كل شيء، المال والطعام والكهرباء والسفر والمشي في الشارع والذهاب إلى البحر، لأن الأزمة الأساسية تحدث من صدمتنا بمخالفة الواقع لما نتوقع، وبالتالي كلما ازداد سقف التوقعات لدينا كلما ازداد إحساسنا بالأزمة، وسقف التوقعات لدينا لا يجب فقط أن يكون منخفضاً، بل يجب أن يكون مبينا من الحديد الصلب، لأن اختراقه يحتاج إلى معجزة، فإن حدثت المعجزة ـ اللهم امنحنا وإياكم طول العمر ـ فإن ذلك يجعل دائرة الشك تحوم حولك أنت بالذات، إذ لماذا تجاوز الواقع سقف توقعاتك؟

ثانياً: المقتنيات:
في غزة، عليك أن تقتني موتور كهرباء، وصفيحتي بنزين احتياطيتين، وبطارية كبيرة قابلة للشحن، لأن امتلاك موتور لا يعني بالضرورة حصولك على الكهرباء، فليس البنزين ترفاً متوفراً دائماً، وبالطبع عليك أن تشتري سماعات أذن كبيرة "هيد فون" كي تستطيع التعامل مع "أوبرا المواتير المحيطة بك"، ومجموعة من الكشافات القابلة للشحن كبيرة الحجم، ومثلها صغيرة الحجم، إضافة إلى كشافات تعمل على البطارية، وكذلك عليك أن تقتني جهاز كومبيوتر ـ يجب أن تكون هناك صفحة فيس بوك مفتوحة على الدوام ـ كي تتصل بالعالم وتدخل إلى وهم أنك تعرف كيف يبدو العالم البعيد، عليك أن تمتلك كماً من المعلبات والسجائر بشكل دائم، لأنك لا تعرف ما الذي يمكن أن يحدث بعد ثلاث ثوان، وعليك أيضاً أن تمتلك كماً كبيراً من الأفلام، أو تملك برنامج لتنزيلها عن الإنترنت.

ثالثاً: الحفاظ على الحياة:
لا تمشِ في شارع فيه سيارات، لأن أي سيارة يمكن أن تتعرض للقصف في أي لحظة في أي وقت من النهار، ولا تمشِ في الشوارع التي تقع فيها مقرات أمنية أو مقرات للشرطة، ولا تجلس على شاطئ البحر، فقد يحدث لك أيضاً ما حدث لعائلة هدى غالية، ولا تسكن في الطابق الأخير من البنايات العالية "فجميعها قصفت في الحرب مثلاً"، ولا تتحدث في جهازك المحمول فقد يحمل عبوة ناسفة "مثلما حدث مع يحيى عياش"، لا تسكن في بيت بنوافذ زجاجية، وكي تحافظ على حياتك أيضاً عليك أن تموت.

رابعاً: العلاقات مع البشر:
لا تُقِم علاقات كثيرة مع الناس، لعدة أسباب، أولها كي لا يتدخلوا في لون ملابسك الداخلية وفي طبخة اليوم في بيتك، وثانيها كي لا يجروك إلى معاقلهم المكونة من مباريات كرة قدم والحديث عن غلاء السيارات وانقطاع البنزين والكهرباء [كأنك لا تعرف]، ومحاولة التدخل في كل ما يخص خصوصيات حضرتك، كما أنهم سيحاولون إقناعك بالحزب الفلاني وأنه أفضل من الحزب العلاني، مع أنك ترى أن الفلاني هو أخو العلاني ولا فرق حتى في التفاصيل الصغيرة، وحين تفتح فمك لتتكلم، يحدث أحد أمرين، إما توصف بالسلبية والانهزامية، أو أن صوتك لا يخرج من الأساس.
أما فيما يخص العلاقات مع النساء، فعليك أن تنسى وجودهن من الأصل، وتجعل علاقاتك محصورة في أختك وزوجتك وأمك وعمتك، ما يطلق عليهن "المحارم"، وليس مهما إن كانت المحارم من النوع الجيد المعطر أو من النوع الجاف العادي، فكله يؤدي نفس الغرض.

خامساً: الصحة:
في غزة عليك أن تحافظ على صحتك بحذر شديد، محاولاً عدم التعرض حتى لنزلة برد، لأن هذا فيه من الرعب أكثر مما تتصور، فإن أسعفك الحظ بمن ينقلك إلى المستشفى، فهل سيسعفك بطبيب جيد؟ وإذا وجدت الطبيب الجيد، هل سيكون مشغولاً أم يملك الوقت لك؟ وإذا ملك الوقت لك، هل سيتمكن من تشخيص حالتك؟ وإذا تمكن من تشخيص حالتك وكتب لك الدواء، هل سيصرف لك الصيدلي نفس الدواء في ورقة الطبيب؟ وهل سيسألك إذا كنت تعاني مثلاً حساسية ضد البنسلين، هذا كله في نزلة برد، أما إذا أردنا التحدث عن عملية جراحية، فأنصحك بالموت كحل وقائي لما يمكن أن يحدث لك.

سادساً: التوازن العقلي والنفسي:
للاحتفاظ بالحد الأدنى من التوازن العقلي والنفسي، لا تسأل عن أسعار السيارات ولا حتى للمعرفة، لا تحاول أن تشرح للبائع أن هذا الجهاز ليس ما تريده، ولا تحاول أن تجادل سائق سيارة عمومية في رأيه، ولا تخبر البائع أنه لا يلزمك كيلو من البامية لأنك تسكن وحدك مع زوجتك وتكفيك أوقية، ولا تكذب البائع حين يقسم لك أن هذا الحذاء هو "بوما" أصلي و"أقوى نوع" مع أنك تعلم أن سعر حذاء "بوما" هو 200 دولار على الأقل، لكن في غزة عليك أن تصدق البائع في قسمه حين يبيعك إياه بخمس دولارات، وكذلك لا تحاول أن تبحث عن شيء ليس مصنوعاً في الصين، فقد رأيت شاباً يمشي في الشارع وهو مصنوع في الصين، وقريباً سنكون جميعاً كذلك، وكي تحتفظ بتوازنك العقلي والنفسي، لا تسأل الشرطي لماذا يفتح الطريق لجهة معينة من التقاطع ويغلقها على الآخرين، ولا تسأل جارك لماذا يقوم في الساعة الثانية صباحاً باستعمال المقدح والصاروخ ليقص شيئاً، فهو ببساطة سيجيبك: ما صدقنا وتيجي الكهربا، وستخرس وتعود إلى بيتك، في غزة كي تحتفظ بتوازنك النفسي والعقلي عليك أن تُجَن.

سابعاً: السفر:
إشترِ أطلساً وابدأ بزيارة العالم من خلاله، وكي لا يصيبك الملل، لا تزر أكثر من دولة في اليوم، بتفاصيلها، كي تتعرف على الأشياء فيها، ولا تصدق من يقول لك إن السفر مختلف، فالبلاد على الخارطة هي البلاد في الواقع، لكن الناس يبالغون حين يسافرون، كي يوهموك بأنهم أفضل منك.

هناك أمور كثيرة أستطيع تقديم النصائح فيها للحياة في غزة، لكن أهمها على الإطلاق كما قلت في البداية، هو خفض سقف التوقعات، وخفض النبض أيضاً، وخفض معدل التنفس والسكر والكوليسترول، لأن الحياة في غزة، يمكنها أن تسير بنبضة واحدة في اليوم، ولن يكون ذلك مدعاة للتساؤل.

التاسع من حزيران 2012

     
عدد التعليقات 1