khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
مقالات
في حارات رفح، شخصيات لا تُنسى
 

كما تطبعُ المدنُ ذكرياتِها في قلوبِ أبنائها بشجرةٍ ما، أو بزاوية من شارع، كذلك تطبع هذه الذكريات عن طريق شخصياتٍ تأخذُ وضعاً في السلّم الاجتماعي للمدينة، سواء فيما يخصّ نخبتها العالية، أو ما يقابلها تماماً في أدنى السلم الاجتماعي، وفي رفح، تلك المدينة العصية على الفهم، كانت تعيش مجموعة من الشخصيات، لكل منها نمط خاص لا يشبه أي نمط آخر، ولا أعرف لماذا خطر لي أن أتحدث عنهم.

الشيخ محمد
الشيخ محمد، طويل القامة، بجلبابه البني الذي اشتهر به، كتبت عنه مقالاً بعنوان "الشيخ محمد الهبيلة"، استشهد الشيخ محمد في 18 كانون أول 1988، بطلقة قناص إسرائيلي أصابته في العنق.
الشيخ محمد كان طيباً ولا يؤذي أحداً، وبشكل ما، كان محبوباً من الجميع، عدا بنات الثانوية ربما، فمن المعروف أنه كان يحمل ترسانة أسلحة تحت ثوبه، لم يشهرها يوماً في وجه الجيش، ولكنه كان يسارع لرفع ثوبه عالياً إذا ما طلب منه أحد الشباب الزعران ذلك بعبارة مشهورة كان يفهمها الشيخ محمد فورا وينفذها حين يقولون: صوّر يا شيخ. كنت تجده في حارات رفح جميعها، يمشي حافياً ويقول "آلاب"، يعني يا رب، ولم نكن نفهم ماذا يريد أن يقول، وما هي نيته في الدعاء، وكنا نقول له: شيخ محمد، يا رب يجوزك، فيرد: آلاب، وأحياناً نقول له: يا رب يقطع كارت التموين تبعك، فيرد: إتتا، يعني أنت وليس أنا، الشيخ محمد افتقدته شوارع رفح، وبعيني رأيت شارعاً واحداً على الأقل يبكيه.
 
الشيخ بطاطا
الشيخ بطاطا، ولدٌ قصير، لا أعرف من أين حصل على لقب الشيخ، لكنه كان دائماً يشمر بنطاله إلى ما فوق الركبة، ويمشي مقلداً شخصاً لا نعرفه، ويتكلم بطلاقة دون أن نفهم منه شيئاً، لكنه كان دائماً يبدو واثقاً مما يقول.

نعنوش
نعنوش مصاب بالخنف، نحيل وطويل القامة، مكتمل اللباس، ويبدو لمن لا يعرفه شخصاً عادياً، وهذا ما دعا سائق شاحنة يوماً ليطلب منه أن يكشف له الطريق كي يستطيع الاستدارة بشاحنة الكوكاكولا، وفعلا نفذ له نعنوش ما أراد، إنجع إنجع إنجع، هووووب خشيت في نحيط، يعني إرجع إرجع، هوووب خشيت في الحيط، وكان أن تهدم حائط مبنى المطافي المهجور، ولم ير السائق نعنوش بعد ذلك أبداً، ولكن سمة نعنوش الفريدة، أنه كان دائماً يطلب "زيدارة"، لأنه يريد أن يدخن.

الدكتور زكي
الدكتور زكي حالة فريدة، وأخذ هذا اللقب لأنه يبدو دائماً بمظهر أنيق يشبه الأطباء، ولم يحدث أن تحدث إلى أحد أو سمح لأحد بالتحدث إليه، كان دائماً يسير بجدية في الشارع ويحدث نفسه كأنما يتحدث مع آخر مهم، شارون مثلاً، أنا مش قلتلك ما تدخل على لبنان يا شارون؟ هيك سودت وجهي مع العالم؟ لا لا، أسفك مش مقبول، شو بدي أعمل فيه أسفك بعد ما زعل مني الملك فهد؟ لا خلص انسى، من هان لما أموت لساني مش راح يخاطب لسانك، وطبعا هذا النوع من المحاورات شمل تقريباً كل زعماء العالم العرب والأجانب، فلم يكن مستوى الدكتور زكي يسمح له بالتحدث مع عامة الناس.

شعبان
شعبان أهبل نموذجي، لا خذوا مني ولا أعطوني، مسكين ويمشي في الشوارع على غير هدى.

مصطفى
مصطفى أكثر من تعرض للأذى في المخيم، أصيب مرتين من الجيش الإسرائيلي لأنه كان يخرج في منع التجول، ولم يمت، حالته ترافقه منذ الولادة، لا أمل في أي شيء فيه، ما زال عقله يشبه عقل طفل في الخامسة رغم أنه تجاوز الأربعين الآن.

سليم لم يمت
لم يعرف أحد اسمه الحقيقي، كان يكره الجيش، والبلدية، والمؤسسات الدولية المسؤولة عن حفر خطوط المجاري. فمهنته الأم كانت إنشاء الحفر الامتصاصية. اكتسب اسمه بعد خروجه آمناً على غير المتوقع من معركة غير متكافئة مع الجيش على الحدود المصرية. لم يكن متعلماً، ولكن الظروف فرضت عليه الخطابة يومها، فخرج على الناس بجملتين: "سليم لم يمت، عاشت فلسطين". بعدها بفترة قصيرة أعلن عن استشهاده، وامتلأت الشوارع وبيوت العزاء بشعارات وخطابات تأبين سليم "لم يمت".

حنّوكة والمزروقي
شخصيتان مترابطتان. فحنّوكة أُعلن عن غرقه ذات يوم بطريق الخطأ، وعندما شاهدته أمه حياً انهالت عليه ضرباً لأنه سبب لها العذاب حياً وميتاً. بعد استشهاده، كان صديقه المزروقي يسبق كل جنازة إلى المقبرة متوعداً كل من يقترب من قبره الذي حجزه يجوار حنّوكة. يروى عن المزروقي أنه هاجم كافتيريا نادي الشباب بقنبلة يدوية لأن أحدهم لم يرضَ أن يبيع لحنّوكة قبل استشهاده علبة صودا، كان لا يملك سوى نصف ثمنها فقط. لم يغادر المزروقي يومها المكان إلا بكرتونة صودا قام بصبها فوق قبر صديقه.

الشيخ حسن
الشيخ حسن كان وما زال يعشق اللون الأخضر، أحياناً كان يمزق علم فلسطين الذي يخاطر الشبان بحياتهم لرفعه على شجرة أو عمود كهرباء، ليأخذ اللون الأخضر منه، كان يصلي بطريقة عجيبة ويلبس ملابس الشيوخ، لفة وجبة وقفطان، ويمشي، وحين أقول يمشي فهذا لا يشبه أفعالنا نحن البشر حين نمشي، فذات مرة كنت مع زوج أختي في مدينة اسدود، وهي تبعد حوالي 70 كيلو متر عن مدينة رفح، ورفض عرضنا أن نقله معنا، لقد كان الشيخ حسن يمشي إلى أن يصل تل أبيب وما بعد تل أبيب، وأظن أنه ما زال يمشي إلى الآن رغم أن المساحة المتاحة له أقل بكثير من السابق، الشيخ حسن كان يفتي دائماً في أمور الدين والزواج في حلقات تضم أطفالاً ويافعين، وبالطبع لم يصدق أحد فتواه أبداً.

أبو طلال وعبد الحكم
لا يمكن الحديث عن أبي طلال وعبد الحكم بشكل منفصل، فهما دائماً معاً، ذكيان حين يتعلق الأمر بغداء في عرس أو جنازة، يذهبان للمباركة أو للعزاء، أبو طلال بنظارته السميكة، يقوده عبد الحكم السمين والأكول، أكثر من مرة أجريت نقاشاً مع أبي طلال، وهو فعلاً واسع الاطلاع وعلى ما يبدو أنه قرأ الكثير من الكتب التاريخية والمتعلقة بالسحر، أما عبد الحكم، فكان يدعي أنه يعرف الساعة عن طريق الشمس، فنسأله عن الوقت، فيختلس نظرة إلى ساعة في جيبه ثم ينظر إلى الشمس ويقول: الواحدة ودقيقتان.

ذكريات كثيرة مع هذه الشخصيات، وأظن أن من سيقرأ هذا المقال من أبناء رفح سيضيف إلى القائمة مجموعة من الأسماء، وربما المواقف التي يمكن أن تجعل الأمر أكثر طرافة، أما أنا فأقول إن هذه الأسماء، رغبت أم لم أرغب، شكلت جزءا لا يستهان به من ذاكرة طفولتي

     
عدد التعليقات 0