khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
مقالات
ما يحدث في فلسطين لم يحدث بعد
 

ما الذي يحدث في فلسطين؟ هل هي ثورة على السلطة أم على سلام فياض تحديداً؟ وهل نجح الفلسطينيون في قراءة الوضع العام بشكليه السياسي والاقتصادي، أم ما زالوا ينظرون إلى المشكلة على أنها مشكلة أفراد في مواقع غير مناسبة؟ أو مجرد تجاوزات فردية في هذه المؤسسة أو تلك؟ هل تمكنّا بعد هذا الوقت الطويل من خبرة الأزمات، أن نعرف من أين تؤكل الكتف؟ أم ما زلنا لا نميز بين الكتف والفخذ؟

حين بدأ الشعب الفلسطيني معركته مع الوجود قبل مئة وأربعين قرناً، مرّ بانتصارات وهزائم مقابل كل جيوش العالم تقريباً، لكنّ الفريد في الأمر، أن هذا الشعب كان دائماً بمواجهة قوة واحدة، وبالتالي كانت المعركة واضحة، وليس مهماً نتيجتها، لأن المهزوم كان واضحاً والمنتصر كان واضحاً، وهذا الوضوح يجعل الأمر في النهاية على قدر من التوازن مع حركة التاريخ، أما اليوم، فما الذي يحدث؟

فلسطين أصبحت شبيهة بشركة مساهمة عامة، أعضاء جمعيتها العمومية هم كل الدول في العالم، سلباً وإيجاباً، تُصَدَّر إليها المعارك الكبيرة والصغيرة تحت عدة مسميات، دينية واقتصادية وسياسية، وبالتالي وقع الشعب الفلسطيني أسيراً لهذه المعارك، بل إنه خاض بعضها دون أن يدري لماذا أو كيف، كنا دائماً طرفاً في أية معركة، حتى لو بإيماءة ما، حتى أن معلومة طريفة تقول إن سليمان الحلبي اشترى خنجره الذي طعن به كليبر قائد الحملة الفرنسية من سوق فراس في غزة، وحتى بعد أن تم احتلال فلسطين عام 1948، وقعنا تحت سطوة الحكومات العربية بتجاذباتها السياسية، وخضعنا لموقف هذه الدولة أو تلك، لدرجة أن تصريحين متناقضين حول جبهة البوليساريو جنوب المغرب، صدرا من ممثلين لمنظمة التحرير الفلسطينية في المغرب والجزائر عام 1984، وكل تصريح يناقض التصريح الآخر، هكذا كان الأساس الذي أوصل المشكلة الفلسطينية إلى هذا المكان.

منذ البداية كنّا نلجأ للعامل الأخلاقي نتيجةَ ضعف وترهُّل الحالة الفلسطينية، لكننا على المستوى العملي فقدنا هذا العامل فيما فعلته "الثورة الفلسطينية" تحديداً في الأردن ولبنان، وبعد ذلك في أراضي فلسطين نفسها بعد أوسلو، ومن علاقة الفلسطينيين بالأنظمة العربية أنتقل للحديث عن علاقة الفلسطيني بالفلسطيني، وما حدث بين فتح الانتفاضة وفتح عرفات دليل دامغ على أن الفلسطينيين لم يكونوا يوماً سادة قرارهم تماماً، رغم محاولات ياسر عرفات اليائسة لفعل ذلك، وظهر الحقد في طعنة سكين تلقاها طالب من جامعة النجاح يؤيد فتح الانتفاضة، وفي حاوية من الحديد ألقيت في صحراء اليمن وهي مغلقة وفيها قيادات من فتح المؤيدة لياسر عرفات، إلى هذا الحد وصل الانحدار الأخلاقي.

لكن تطورات دراماتيكية حدثت باشتعال الانتفاضة الأولى، وبدأت التنظيمات الفلسطينية في محاولة لملمة الشمل الفلسطيني تحت قيادة واحدة، نجحت المحاولة لبعض الوقت لتنقسم القيادة الموحدة للانتفاضة بعدها إلى عدد التنظيمات الفلسطينية، وفقدنا أخلاقنا مرة أخرى في الطريقة التي تعامل فيها المناضلون مع الجماهير على الأخص في السنوات الأخيرة للانتفاضة، حيث أصبح السلاح يشكل قوة تهديد لا قوة حماية، وقوة جباية في أحيان كثيرة، وحتى في الطريقة التي تم التعامل فيها مع العملاء كانت تخلو من المنطق والعقلانية، لدرجة أنه لم تكن هناك مقاييس محددة لسلم العقوبات، فأُعدم نتيجة لذلك مئات الأشخاص الذين كانت لهم أخطاء لا تستحق سوى التوبيخ، ونجا أشخاص كانوا يستحقون ما هو أكثر من الإعدام وأصبحت المرحلة شبيهة بالعصور الوسطى الشهيرة بصكوك غفرانها، وكان هناك ثمن لكل شيء، وكنا نظنُّ أن هذا هو آخر المطاف، لكننا أخطأنا كما كنا نخطئ دائما وكما سنخطئ مستقبلاً.

وجاء الانقسام الفلسطيني، وتمركزت سلطتان إحداهما في رام الله وأخرى في غزة، فأخذت المشاكل الاقتصادية تتفاقم في ظل جمود العملية السياسية وغياب الأفق لأي حلٍّ مهما كان متواضعاً، وكل هذا في ظل تراكم الأزمات تباعاً، من الاعتقال السياسي، إلى سياسة منع التجمعات والاحتجاجات، إلى قوننة ما لا قانون له، وظلت هذه الأشياء وشبيهاتها تتراكم إلى أن اقترب الوضع من الانفجار وأقول الانفجار وليس التنفيس، ولكن، هل من الممكن ضمان أي شيء في الوضع الفلسطيني بعد الآن؟

ليس هناك من حلول كثيرة أمام السلطتين في رام الله وغزة، وسيضحك الكثيرون إذا قلت إن عليهما العودة إلى الشارع، والاحتكام للجماهير، فقد أصبح كل شيء بدون طعم، ليس بسبب الاحتلال وحده، فتلك قضية لا نقاش فيها، بل بسبب عدم وضوح الرؤيا حتى النظرية لدى القيادات الفلسطينية جميعها، فماذا تريد حركة حماس وماذا تريد حركة فتح، وماذا تريد السلطة في رام الله وماذا تريد السلطة في غزة؟

لا أحد يعرف، بسبب غياب المشاركة السياسية للناس، بسبب عدم الشفافية، فقد احتمل الناس الجوع ومنع التجول وسقوط الشهداء وهدم البيوت في الانتفاضة الأولى، ليس بسبب أن هذه أعمال تسبب لهم السعادة، بل بسبب انتظارهم للحل بعد مقاومتهم للمحتل، أما وقد أغلق أوسلو الباب أمام ذلك، فقد أصبحت الخيبات تتلو الخيبات، والأمل ينسحب تدريجياً حتى أصبح كل فلسطيني يفكر في نفسه فقط، كما هو الإحساس بسلوك السلطة، وكأن كل وزارة لها استقلاليتها، وكأن رئيس وزرائنا يعمل بمعزل عن الرئيس، وكأن حركة الشارع لا علاقة لها بالسلطة، فلم نعد نعرف من سنقاوم، المحسوبية والرشوة والفساد؟ أم نقاوم التعنت الإسرائيلي وجدار الفصل العنصري، لم نعد نعرف هل نقف مع الثورات، أم نقف ضدها، لم نعد نعرف هل يمكن أن يعود الحلم الفلسطيني إلى أصوله، أم سينتج هذا مزيد من الدمار، ونتحول إلى شعار سيلغيه التاريخ من التاريخ تدريجياً، لم نعد نعرف شيئاً، لا لقلة قدرتنا على المعرفة، بل لأن هناك عملية تحول جذرية تمت في الوعي الفلسطيني، كانت أهم تجلياتها عدم متابعة تقرير غولدستون، وعدم الذهاب بقرار محكمة العدل الدولية بشأن الجدار إلى آخره، ومن قبلها لم يقم ياسر عرفات بإعلان الدولة في الرابع من أيار كما كان يهدد، وبالطبع برزت سلوكيات مضحكة للغاية من قبل السياسيين الفلسطينيين، فما أن تشكو من شيء للسياسي الفلسطيني حتى يشكو لك من عشرة أشياء، وتسأله: لماذا أنت في هذا المنصب إذا كنت ستشكو لي أنا؟ لماذا لا تحترم نفسك وتستقيل، ووقتها يمكنك أن تشكو كما تشاء لمن تشاء؟

في الحقيقة إن الأزمة في أوضح صورها، تكمن في فقدان الثقة بالقيادة الفلسطينية وقدرتها على أن تكون قيادة حقيقية لشعب كان طوال مشواره التاريخي متقدماً على قيادته حتى في أساليب النضال، وحين يسكت الشعب ليعطي القيادات فرصة لأن تفعل ما يتوجب عليها فعله، فإن تفسير القيادات لهذه السلوكيات يأخذ منحى خاطئاً، وهذا بالمناسبة يحدث بشكل متوازن في علاقة الشعب بالسلطة وعلاقة السلطة بالشعب، وفي النهاية نعود إلى دائرة لا يعلم أحد أولها من آخرها، ولا مركزها من محيطها.


فهل نحن بصدد ثورة؟ وإذا كنا كذلك، فضد من ستتوجه هذه الثورة، وبأي شعار ستمضي خطواتها، هل بشعار إزالة السلطة؟ أم بشعار إزالة المحتل ومستوطناته، ما هو سقفها، ومن سيتولى قيادتها وتوجيهها، وما الدور الذي ستلعبه إسرائيل في مساندة أو قمع بعض الاتجاهات سواء في السلطة أو في الشارع حسبما تقتضيه المصلحة، وما هي الضمانات التي يمكن أن تكفل لثورة من هذا النوع أن تنجح في ظل الوضع الفلسطيني المتردي على كافة المستويات، وفي مصلحة من قيام هذه الثورة، وفي مصلحة من انتهاء السلطة؟ كل هذه الأسئلة على أحد ما أن يجيب عنها، لأن الوضع الفلسطيني أصبح بمثابة مسلسل مكرر ومعاد، إلا أنك تفقد الحلقة الأخيرة منه كل مرة تشاهده فيها، أما فلسطين نفسها، أقصد من النهر إلى البحر، فما زالت بعيدة كما لم تكن يوماً.


ملاحظة: بعض فقرات المقال مأخوذة من مقال لي بعنوان: هل فقد الفلسطينيون تفوقهم الأخلاقي
الحادي عشر من أيلول 2012

     
عدد التعليقات 0