khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
مقالات
هل غزة جميلة؟
 

أقرأ الكثير من الكتابات القصيرة والطويلة تتكلم عن غزة، عن بشاعة المدينة، عن عدم قابلية المدينة للحياة، عن انقطاع الكهرباء وأزمة الوقود... إلى آخر ما تعاني منه المدن في قطاع غزة، حسناً: لو أن أمي أصابها مرض ما، ودخلت في غيبوبة، هل يحق لي أن أتركها وأذهب للبحث عن أم أخرى؟

أريد أولاً أن أتحدث عن جمال غزة الحقيقي قبل أن أتحدث عن جمالها المعنوي، أريد الكلام عن جمالها الذي لا يمكن أن يحسه إلا من يعشق المدينة، فمن لا يحبها، فلن يرى فيها شيئاً ولو كانت بمواصفات باريس.

بحر غزة الذي يرقد في مكانه منذ مليار سنة، أزرق مليء بالموج الذي يحرك الحياة في العروق اليابسة، برمله الأبيض، لم أشاهد مثله في عشرات المدن الأوروبية حتى تلك التي تقع على البحر المتوسط، أشجار البرتقال في غزة التي تلد الحكايات وتُحمّلها للريح، الأسواق القديمة التي تعبق برائحة العطارة والفاكهة، حقول الورد الممتدة في رفح، وغابات الزنزلخت والأثل شرق غزة، الكينا التي تمتد جذورها مئات الأمتار، كل هذا في غزة، جميل ويستحق الاحساس به، أنواع الورود، الحنون، الصفير، النرجس، غابات الأقحوان، الياسمين وأشجار الفتنة، كل هذا أيضاً في غزة، لكن العين التي لا تريد أن ترى، لن ترى.

غزة فيها من الجمال ما يكفي العين المحبة، وأقول هذا الكلام على مسؤوليتي الشخصية، من لا يستطيع رؤية الجمال في غزة، لن يستطيع رؤيته في أي مكان آخر، فقد قابلت أشخاصاً كثيرين في أوروبا، خرجوا من غزة، وقد كانوا فيها يجلسون في بيوتهم، وهم الآن يجلسون في بيوتهم في البلدان التي يقيمون فيها، لم تكن مأساتهم غزة حين كانوا فيها، بل مأساتهم ذواتهم التي لا يمكنها رؤية الجمال، فماذا يعني مثلاً أن يعيش شخص عشر سنوات في إسبانيا ولا يزور متحفاً للفن وهو يبعد عن بيته نصف كيلومتر؟ وماذا يعني أن يعيش شخص سبع سنوات في فيينا ولا يشاهد حفلاً موسيقياً أو يذهب للأوبرا أو لدار سينما؟ وماذا يعني أن أقابل شخصاً في بلجيكا وأسأله عن حديقة الحيوان ولا يعرفها وهو يقيم هناك منذ خمس سنوات؟.

هناك الكثير من الأمثلة التي يمكنني أن أسوقها للدلالة على ما أقول، وبالطبع هناك أشخاص نجحوا عندما خرجوا من غزة، ولكن المفارقة نفسها تقول أن هؤلاء الأشخاص كانوا يعرفون كيف يرون الجمال في غزة حين كانوا يقيمون فيها، لذلك استطاعوا رؤيته في أوروبا لأن أرواحهم أصلاً إبنة الحياة، فلم تكن لديهم مشكلة في غزة، وبالتالي لم تكن لديهم مشكلة في أوروبا.

أنا مع السفر، لكني لست مع الهجرة إلا إذا كان الشخص يحمل مشروعاً في رأسه، فليست غزة هي من يظلم المقيم فيها، فبالدرجة الأولى هو يظلم نفسه، مهما كانت المبررات التي يسوقها هذا الشخص.

أعرف أن من يعيش في غزة سيكون محاطاً بالموت، بالضيق، بالإحباط أحياناً أو دائماً، هذا يعتمد على قدرة كل شخص على الاحتمال، وعلى قدرة كل روح على رؤية ما يبهجها ويجعلها في حالة فرح، أو البحث عما يخنقها لتبرر انطواءها وتراجعها وقولها: لا فائدة، أعرف كل هذا، وأعيشه كما يعيشه الكثيرون في غزة، لكن طاقة الحياة عليها أن تكون في أعلى مراحلها، على الأخص حين نعيش أوضاعاً صعبة، فليس من المنطق ولا من المقبول أن تربينا المدينة وحين تدخل في حالة من الحالات التي لا تعجبنا، أن نبدأ بالتنكر لها، ومحاولة معالجة الأمر بالهروب منها وكأنها مرض معدٍ، فكما قلت، هذا يشبه أن يترك الإنسان أمه حين يصيبها المرض.

غزة جميلة كانت، غزة جميلة ما زالت، غزة هي الأنثى التي تحتفل بإيقاعات الحياة على كل لون وكل مستوى، غزة تعرف الحياة كما تعرف الحياة نفسها، فمن أراد أن يرى الجمال فيها، فليغير عينيه، لا أن يحاول تغيير المدينة باستبدالها بمدينة أخرى، لا تعرفه، لم تحتضن خطواته صغيراً، وسيكون فيها مجرد عابر لا ينتمي للمكان حتى وإن مشى حافياً على شواطئها، وأصابته رعشة الحنين في شوارعها، فالحنين لا يلمس، لكنه حتماً، سيمسك الروح مثل كماشةٍ صلبة في ليل الاغتراب الطويل، فمن أكل وشرب على مائدة شخص لمرة واحدة، يحفظ جميله إلى الأبد، فكيف يكون الحال مع مدينة تنتمي لها كل خلية في أجسادنا الذاهبة إلى الفناء؟


السابع من تشرين ثاني 2012

     
عدد التعليقات 1