khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
مقالات
غزة: ما الذي يحوّل مدينة إلى قصيدة؟
 

كيف يمكن للغة أن تمتلك جرأة القول؟
كلمةُ أمي، هي مفردة لغوية مثلاً، ولكن، من هذا الذي يمكنه أن يُخرج منها بعضَ ما فيها؟ وأية لغة يمكن لها أن تقطّرَ الدفءَ داخلها وتحوله إلى كلمات؟

في الحارة الصغيرة التي تواجه الشارع العام، بهاء جارتنا "المدنية"، ومعلمة الحضانة ذات اللهجة نصف المصرية، شوارع المخيم التي بالكاد تكفي لمرور شخصين متجاورين، والتي سميناها حسب الأحداث أو الأشخاص، شارع هنية بائعة "النمّورة" مثلاً، أو شارع "الكلب المسعور" الذي لم نكن نجرؤ على دخولِه لنتأكد إن كان فعلاً يسكنه كلب مسعور أم لا، في هذه الحارة نشأ العالم قبل أن يتسع ليشمل مدناً ودولاً وقاراتٍ ومعارف وأصدقاء، في هذه الحارة تشكَّلَت اللغة والدمعةُ الأولى وطعمُ المرارة الأولى، والبيت وهو يذهب إلى العدم، سيظلُّ حجر أساس الذاكرة إلى الأبد، والصغار المنصاعون للأوامر كما يبدون للوهلة الأولى، وهم يذهبون محمّلين بالدعوات إلى صفوفهم، هل هذا ما يجعل من المخيم البائس وردة الذاكرة التي لا تُرَدُّ؟ لستُ أعرف.

غزّة مفردة لغوية أيضاً، قاطرةٌ من حمل المعنى، خطُّ سكّتِها يدورُ حولَ المجرّةِ ولا ينتهي، فتتكبَّرُ على المفردةِ وعلى المعنى، فحينَ نقولُها، فليس الحنينُ وحدَهُ من يرسم ظلَّها في القلب، وليست الذكرياتُ من تعطيها اللون المتألِّق الذي يخرج عن دائرة اللونِ ويدخلُ في نوايا المستحيل.

لماذا يدخلنا البؤسُ كعنقودِ عنبٍ شهيٍّ حين يبتعدُ بنا الوقتُ عن شوكةٍ في القدم؟ كيف تتحول يدٌ مكسورةٌ في جبيرةٍ بائسةٍ إثر لعبة كرة قدم إلى هذا الكم من اللهفة؟ وكيف يصير الأصدقاء السفلة ملائكةً في الذاكرة؟ ولماذا يحضرُ قلمُ رصاصٍ مكسور بكل هذه القوة حين ننظر إلى علبةِ أقلامنا الفاخرة؟ ما الذي يحوّلُ أشياء تافهة إلى مصنع من الحنين؟

لا أعرف، فهي مجرد أسئلة، ولعلها ليست مجرد أسئلة، حين يجتاحنا المكان، حين نتذكر تفاصيل الحكايات التي لم تعنِ لنا شيئاً وقت حدوثها، حين يصير العمر شجرة برتقالٍ في قمة موسمها، نمتطيها كفرسٍ تخبُّ بنا إلى ما نسميه الحياة، الحياة بكل إيقاعاتها، منذ دبّت أقدامنا الصغيرة على الرمل غير المروّض، الحياة التي كنا نحلم بها خلف الخط الأخير للبحر ونحن نلعب الغميضة مع الموج، يا الله كم كان مشهد البحر مرعباً حين لمحته للمرة الأولى، هل كل هذا ماء حقيقي؟ فقال لي البحر: أنا لست ماءً أنا ذاكرة، ومنذ ذلك اليوم أرى كلَّ ماءٍ ذاكرة، الماء في البحر والماء في البرتقالة والماء في العين والماء في السحاب، ذاكرة تجر ذاكرة تجر ذاكرة إلى نهايات النهاية.

ما الذي يجعلُ مكاناً خارجاً عن قدرةِ اللغة؟ ما الذي يحوّلُ مكاناً هو في علمِ الجغرافيا أقلّ من أن يظهر على خارطة، إلى كونٍ بكاملِ تفاصيله؟ ما الذي يجعل مفردةً واحدةً تنثر في داخلنا كلّ هذه الورود والأشواك والشهداء والأحياء والبيوت والأشجار ومياه البحر والأصدقاء والطرقات والذكريات والغضب والابتسامات والفوضى؟ ما الذي يحوّلُ مدينةً إلى قصيدة؟

الثاني من آذار 2014

     
عدد التعليقات 0