khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
مقالات
جوانب لا ترى في الحرب
 

أخطر ما يحدث في الحرب هو ما لا يقال، ما لا يتم تصويره، ما لا يتم الحديث عنه، إنها ليست مجرد قصص تروى هنا وهناك لتثير تعاطف الناس وتستدر دموعهم، بل إنها الجريمة الحقيقية ضد الإنسانية، الجريمة التي لا يتم الالتفات إليها لأن صوت الدم دائماً أعلى، ولكن المأساة في النهاية هي المأساة، والمأساة الكبيرة لا ينبغي أن تلغي إحساسنا بالمأساة الصغيرة، وهذه ليست مقارنة بين ما يحدث في دول متقدمة ديمقراطياً وبين ما يحدث في فلسطين، وفي غزة تحديداً، بل هي محاولة لتوصيل صورة عن معنى أن تعيش ظرف الحرب، حتى وإن لم يقصف بيتك، ولم يقتل أبنك، ولم تجرح زوجتك.
 
أول هذه الأمور التي سأتحدث عنها، صوت الصاروخ بوزنه الخيالي، ما هو تأثير صوت صاروخ طائرة F16، حتى وإن لم يقتل ولم يجرح، الصاروخ الذي يتراوح وزنه بين 250 كيلو جرام في الحد الأدنى، و1000 كيلو جرام فما فوق، ولا يمكن للطائرة من أجل أمانها أن تهبط لمسافة تزيد عن 2700 متر، لهذا لا يمكن سماع صوتها غالباً، ولا صوت الصاروخ وهو يهبط منها، فجأةً، تسمع صوتاً يأتي في الغالب بعد الانفجار لأن سرعة انفجار الصاروخ أعلى كثيراً من سرعة الصوت، والقضية لا تتعلق فقط بالانفجار الذي يعطيك فكرةً عن يوم القيامة، بل بالارتجاجات التي تحدث بعد انفجاره، فإسرائيل تجرب نوعية من الصواريخ من أجل أن تهدم أنفاقاً يفترض وجودها في منطقة القصف، فتسمع صوتاً في البداية يشبه الرعد الثلاثي في بحر مفتوح، وقبله تكون السماء قد أضاءت للحظات، وتأتي الاهتزازات بعدها، وقبل أن تفيق من صدمة الصاروخ، يأتيك الذي يليه، ولا يمكنك أن تبدأ بالعد لتعرف متى ينتهي، لأنهم لا يملكون عدداً محدداً، فقد قصفوا مرة مجمعاً وزارياً مجاوراً لبيتي بثلاثة عشر صاروخاً مثلاً، المهم، أن الصاروخ إذا لم يقتلك، أو يصبك، فتتعلق المسألة بوضعك وقت انفجاره، هل أنت نائم؟ تشرب الشاي؟ تقف على الشباك؟ وأنت وحظ جسدك في رد فعله، أحياناً تسقط أرضاً من دفع الهواء الساخن الذي يحدثه الصاروخ، أو يخرج الشباك من الحائط معلناً انتهاء مقاومته، أو تسقط علب الشاي والسكر من الرفوف إلى الأرض، أو تجد جارك أمام باب بيتك وقد دفعته الارتجاجات خارج بيته، وكل هذا يتعلق فقط بصوت الصاروخ، أما عن فعله، فلا أحد بقي ليخبرنا عما يحدث حين يسقط الصاروخ بجواره.
 
الأمر الثاني، هو مسألة الرعب والانتظار حتى في الحالات التي لا يتم فيها القصف، ففي الحرب، تتغير عيارات الجسد، شكل العينين، حساسية الأعصاب، تزداد حدة السمع، وحاسة الشم تتفوق على حاسة الكلاب، استقبال الجلد للهواء، حتى شكل الوقت يتغير، لا يكمن ذلك التغيير في عامل واحد فقط، بل يتحكم فيه خوف الأطفال، خوفك الشخصي، رائحة الهواء، الأرواح السابحة في الهواء، صمت الأمهات المرعب، قلق الآباء وهم يحاولون إخفاءه، في الحرب نصبح شيئاً آخر بين البشر والآلة...
 
الأمر الثالث هو مسألة الإحساس بالأمان، ففي كل الحروب هناك أطراف، ويمكن لمن ليس طرفاً في الحرب أن يشعر نسبياً بالأمان، أما في غزة، فلا يوجد ترف مثل هذا، فأنت معرض للموت إذا كنت طرفاً في المعركة، وإن كنت جاراً لطرفٍ في المعركة، وإن كنت جاراً لصديق له ابن عم طرف في المعركة، وبالطبع هذا لا يمنع أن يتم قصفك حتى بدون وجود كل هذه العوامل، كما حدث مع أطفال بكر الأربعة تحت أنظار جمع غفير من الصحفيين الأجانب.
 
الأمر الرابع يتعلق بإحساسك بأنك تتحول من ضحية إلى جلاد، فكيف تشعر إذا قصفوا بيتك ورأيته في الأخبار الغربية معروض كبيت لإسرائيلي مسكين فجرته صواريخ قادمة من غزة، إن المأساة الأخرى التي تتعرض لها بعد مأساة قصفك ومأساة قتلك، مأساة سرقتك من نفسك ومنعك من الصراخ، في الحرب كذلك تشعر كم أنت وحيد، لا أحد ولا شيء لك، كل شيء عليك، حتى الأبواب والتلفزيون والهواء والناس والجماهير، على الأخص حين تسمع عبارة مثل: إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها.
 
المسألة الخامسة تتعلق بما بعد قصف البيوت، هذا في حالة أنك نجوت من تحت الصاروخ، فالبيت هو المكان الذي نربي فيه الذكريات، وحين تقصفُ إسرائيل البيوت "بهذا المعنى"، فهي تقتل حياة من يسكن هذا البيت حتى وإن لم يكن هو في داخله، أليست الذكريات التي ربيناها في البيوت التي دُمّرت هي أجزاء منا؟ ألا يعتبر تدمير المكان الذي ربينا فيه هذه الذكريات، هو تدمير جزء منا كما هي أيدينا أو رؤوسنا أو قلوبنا؟
 
المسألة السادسة، هي مسألة الجرحى، فعلى سبيل المثال، في مجزرة عائلة البطش، أصيب خمسون شخصاً في الغارة ذاتها، هذه الإصابات منها إثنان وثلاثون أصيبوا ببتر في الأطراف، ولكن لأن حجم الموت كان كبيراً، فإن هذه الإصابات تصبح في موقع بعيد عن الصدارة، فبعد كل حرب تخرج غزة بآلاف المعاقين لا يذكرون إلا كرقم من أرقام الحرب.
 
المسألة السابعة تتعلق بالعامل النفسي، فكيف يمكن تصور حالة الناس الذين يتعرضون لكل هذا الضغط ولا يمكنهم الصراخ أو البكاء، سواء أولئك الذين صرعهم صوت الصاروخ، أو الذين فقدوا أولادهم أو آباءهم أو أصدقاءهم أو أحد معارفهم أو كلهم، أعرف صديقاً أحرقت قذائف الدبابات مكتبته عام 2008، ورغم أنه مثقف ويعي الحالة جيداً، إلا أنه لم يخرج من الحالة إلى اليوم، وتلمح دمعة في عينيه كلما ذكر الأمر، فماذا سيكون وضع الأطفال إذن؟ هؤلاء الذين لا يفهمون ماذا تعني كلمة إسرائيل، ولا معنى كلمة موت، يعرفون فقط ـ كما قال لي طفل ذات مرة ـ ليش الله بيحبناش.
 
المسألة الثامنة تتعلق بمفهوم يسميه كارل غوستاف يونغ "تخزين الأزمة"، وطبيعة هذا المفهوم تتعلق بآلية دفاع يصممها الجسد في حالات الخطر، خصوصاً أمام أولاده كي لا يصيبهم بالرعب، وبعد أن تنتهي حالة الخطر، يستعيد الجسد كل الخوف والارتباك دفعة واحدة مما يؤدي إلى مصائب لا يعلمها إلا الله، تفرز في الغالب تشوهات لا يعيها حتى صاحبها أحياناً، وأذكر بعد حرب 2012 أن كثيرين قالوا لي: من الغريب أننا لم نكن نشعر بالخوف أثناء الحرب، ولكن بعد أن انتهت نشعر بالرعب، هذا هو بالضبط مفهوم تخزين الأزمة.
 
المسألة التاسعة هي مسألة فقدان الذاكرة الجغرافية للأمكنة، فحيث يوجد مكان نرتبط به، تقصفه إسرائيل وتدمره، وبعد سنوات، لا تستطيع أن تقول لصديق: كنت ألعب هنا، أو كنت أدرس هنا، فـ"هنا" لم يعد موجوداً، هناك  محو للذاكرة الجغرافية للمكان، إسرائيل تحاول محو ارتباطنا بالأمكنة.
 
المسألة العاشرة هي فقدان الأمان والثقة بالأم والأب لعدم قدرتهم على حماية أطفالهم، وهذا يؤدي لاحقاً إلى تشوه العلاقة بين الآباء والأبناء.
 
الحرب قاسية، تشوه معالم الإنسان فينا، مهما كانت لدينا قدرة الصمود، وقبل أن يفكر أي أحد في إعادة ترميم وإعمار غزة بعد الحرب، عليه أن يفكر جدياً في طريقة لترميم أرواح الناس ورتق الفتحات في نفوسهم، لأن هذا في النهاية ما تهدف إليه إسرائيل من وراء ذلك، قتلنا، أو هدم أرواحنا وقدرتنا على الحياة.
 
السابع عشر من تموز 2014

     
عدد التعليقات 0