khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
 
حسين البرغوثي
حجر الورد
حسين جميل البرغوثي

أتى كنبيٍّ ومضى كنبيٍّ من عالمٍ آخر ومن حُلُمٍ مختلفٍ، علامةً بُعِثت من قِوىً أعلىً "حتى هو لم يكن واعياً بها".
بيننا مرَّ، بعيداً، بعيداً جدّاً، كنجمٍ حزينْ، ولمحْ: كنّا نفعيينَ، وما كانَ قِدِّيساً، ولكنهُ كانَ يرمي وجههُ في يديهِ كبرتقالةٍ في الثلوجِ، ويبدو، في لحظاتٍ كتلكَ بلا حلمٍ، مثلَنا كُلَّنا.
لم يكُ ما يكفي من الأرضِ لخُطْوَةٍ حين جاءْ، ولا ما يكفي من السماءِ لوجهٍ ماطرٍ أو لدعوة، ولم يكُ أيضاً حزيناً، وكأنّهُ شعر بإزاحةٍ من المكانِ، شَعَرَ كمن جاءَ يودِّعُ سكّانَ الأرضِ. وأعرف: تعاليمُهُ كانت بلا فائدةْ، وكنا نحنُ أيضاً متعبين، مياهٌ كثيرةٌ وقمرٌ واحدٌ، أقمارٌ أكثرُ مما يجب، في هذه الصحراءِ الحمراءِ ولم يكُ ماءٌ ولا أمل. وحتى هو كان ينفلتُ أحياناً كسعدانٍ آليٍّ بفيضٍ من كلماتٍ مُتلبِّسةٍ يُشْعَرُ بها كتشابيهَ نحاسٍ في ذاكرةِ دميةٍ من الخشب.
أنتظرُ شجراً عارياً في الضَّباب لكي يبدأ بالرنينِ كالجرس،
أنتظرُ عصافير المطر عند النهرِ لكي تشربَ سوادَ عينيهِ،

ويا إلهي كم كان متكبِّراً ! كان يهتمّْ، يهتمُّ بكلِّ شيءٍ في هذه البراري التي هجَرَتْها الآلهة والتي ندعوها بوطننا، وفي لحظةِ إيحاءٍ مفاجئةٍ، كومضةِ برقٍ في شتاءِ الأوديةِ، شعَرَ بالحاجةِ لأن يمضي، شعَرَ وفعلْ. ونظرَ إلى الخلفِ، بدا كشفقٍ، ولم يهتمّْ أحدْ، حَزِنَ، قالَ بأنَّ ما حدثَ كانَ حظّاً، أو جنونـاً إلهياً، أو قدراً، أو ميلاً، إن شيئاً، قالَ، حلَّ بهذه البلاد. وكان من الكبرياءِ بحيثُ لا يبقى، ومن القوّةِ بحيثُ لا يُصلبُ. ومضى عيونُهُ واسعةٌ كقارّاتٍ، وفي قلبهِ كلُّ أنواعِ النهورِ ودعوات الأدغالات.

لم أرَهْ. كان غامضاً كحدسْ، ولم يكُ يرى قربَ النهرِ في صباحٍ ماطرٍ لكنهُ كان يتخلَّلُ الفضاءَ الأزرقَ الغامضَ كموسيقىً حالمةٍ وتأتي من أعلى، بعضنا قالَ جاء من المستقبلْ، آخرونْ، بأنهُ من يعيشُ للمستقبلْ. ولكن فعلنا كلَّ ما بوُسْعِنا كي نُشعِرُهُ بوحدتِهِ أكثرَ من ذي قبلْ،وجهُهُ كان مصنوعاً من كلماتٍ ومخطوطاتٍ قديمةٍ، ويتحرَّكُ كقطةْ. ويستمعُ، فقط، يستمعُ لنا، كطفلٍ، ثم يدفنُ وجههُ في يديهِ كما في عشِّ موسيقىً عن مدينةٍ تجذبُهُ للأسفـلِ

حتى تمتصَّ منهُ الحُلُمَْ، ولم يكُ ضحيّةً، أو مبتــذلاً، أو انتحاريّاً، ولكن فعَلنا كلَّ شيءٍ كي يكونَ كذلكَ، لا لشيءٍ إلا لأننا نحبُّ المرايا في هذه
"البلد القديمةْ
لمصابيحِ الزيتِ والحزنْ
بلدِ الصهاريجِ العميقةْ
بلدِ موتٍ بلا عيونْ،
وسهامْ"
كتبَ أغنياتٍ عن العزلةِ والنشوةِ، لقطعانِ ضباعٍ سودٍ، مِثلنا، ولنا، نحنُ الذينَ علينا لا تصحُّ قواعدُ اللغةْ. وفكّرَ بأنّهم ـ أي نحنُ قديماً، فلم نعدْ بعدهُ مثلما كنّا عليهِ قبلهُ ـ فهِموا، وقالوا نتهيّأُ للمسِ الزنبقةِ الأخرى للروحِ، سننضُجُ، قالوا، أما الآن فلا نستطيعُ الغناء على العتبةْ. ربما بدأوا بالتهامِ الأرانبِ والزهورِ، وكان عليهِ بأن ينتظرَ “أنصافَ النباتاتِ وأنصافَ الأشباحِ هؤلاء“ لكي ينتقلوا إلى أكلِ العشبِ فقط، وعندها قد يبدأونَ بفهمِ الرسمِ، ولكن ذا كان سيستغرقُ قروناً سحيقة. وكذا ابتسمَ، فقط إبتسمَ، ونظرَ إلى جهةِ البحرِ، وسمعتُهُ يغنّي:

في الأبيضِ والأزرقِ كنتُ            بقربِ نارٍ شتائيّـــــــَةْ
وكنتُ أخضَـرَ بُنِّيَّـــاً             بجمالٍ ودفءٍ في الرغبة 

 خذي قلبيَ كالعصفــورِ
  واتركي لي هذه الوردة الزهريَّةْ

"كلما اتّسعت الرؤيا ضاقت العبارةُ "، قال النِفَّريّْ. ورأيتُهُ يدخلُ الصحراء" غريباً كوحشِ اللهِ في الجبل "، بين عروةِ بنُ الوردِ يحسو قُراحَ الماءِ، والماءُ بارِدٌ، وبين وقفات النِفَّريّْ.
جاءِ إلينا منحدراً من الكهفِ، بعد أن نامَ سبعَ قرونٍ، وكلبهُ باسطٌ ذراعيهِ بالوصيدْ. كان غريبَ الزيِّ واللغةْ، وعِملتُهُ من مملكةٍ قديمةٍ، قلبُها تجارُ السوقِ والحراسُ والجباةُ، ما لهذا النبيِّ يمشي ويأكلُ في الأسواقْ؟ قالوا. فقالَ بأنَّ الشِّعرَ منضبطٌ، والروحُ تشطحُ، والقلبُ والقالبُ مفصولانِ بحرفِ الألفِ الذي يرعى العشبَ كالثيرانِ، ويشربُ الماءَ من بحيرةٍ منعزلةٍ خلفَ غاباتٍ مقمرةِ الإتِّساعْ.
كان المسافةَ بين الوردةِ والفيضـــانِ، بين الفوضى والتحنيط، حوارَ الهندسةِ مع الماءِ، وجهاً نصفُهُ الأولُ من رخامٍ والآخرُ من نارٍ ورقصٍ جنونيّْ، وكان العتمَ الكامنَ في روحِهِ يحاولُ ذبحَ النارِ بلونِهِ، فتهدأَ ريحْ.كنا نرتادُ مقهى النردِ في سوقِ تدمرَ القديمةِ، أيّامَها، كي نستريحَ منَ التجارةِ في بخارى. وكانت جمالُنا تَعْلِكُ الوردَ عندَ البوابةِ الشرقيةِ، ونسخرُ من مشاغلِهِ بحرفٍ أو بجملةٍ. لِمَ؟ قلنا. وعرضنا عليه الخزَّ والخبزَ، قال بأن إبداعَهُ جفَّ، وواد عبقرَ خالٍ، وعرافةُ القمرِ التي دلتهُ أرتهُ محيطاً، أو محيطينِ منحوتينِ من حجرٍ، والموجُ المنحوتُ من حجرٍ يوحي بوهمِ الحركةِ الزرقاءَ. وكذا كانت جمالُنا تَعْلِكُ الوردَ، فبكى، مختلفاً عنا. لم يكُ يبحثُ عما يتشابه في ملامِحِنا من تضاريسْ. قالَ: نصفُ القمرِ أسودٌ، والنصفُ أصفرٌ، وسـأل عن هذا الصوفيِّ الذي وقعَ في حبِّ بحيرةٍ. وتحدَّثَ عن مخطوطاتٍ في معبدٍ صينيٍّ، ربما تشاو-لين. وكما قلتُ لكْ، كان غريبَ الزيِّ واللُّغةْ. كنا نلتفُّ عليهِ كزنزانةٍ، فينبسطُ كبحرٍ وينسرحُ، ومحيطاتٌ أخرى فيه ظلتْ خارجَ العِبارةْ.

وكنا نخافُ منه أيضاً، لأن نساءنا انجذبنَ إليه، حتى أن جاريةً رزينةً مشتْ في نومِها، والهواءُ يطيِّرُ ثوبَها الأزرقَ الشفافَ، كمن داختْ من القمرِ والنظرةِ في النيران المُمَغْنَطةِ، مشتْ نحو تمثالِ إلهٍ عند البوابةِ الشــــرقيةِ، ونزلَ
التمثالُ ببطءٍ كي يدخُلَها، قلنا جُنَّتْ ‍‍! فقالت إنّهُ هو الذي لا مناصَ منه، الخيطُ الممتدُّ في الحُلُمِ، هو، الذي لا ينسى. وأُزحْنا من بين أفخاذ نسائِنا، مِنهُنَّ أُزِحنَا وبسبَبِهِ. وكنا نسمعُ ضِحكَتَهُ في قاعاتٍ مغلقةٍ لعرضِ اللوحاتِ، ومن خلفِ البواباتِ الحديدِ نُحسُّ بحريةِ الصوتِ فيهِ، ونحزنْ. سافرَ نرجسُهُ في مرايا ظلامنا !
لم تعدْ الأنهارُ هيَ هيَ، وبواباتُ طيبةَ لم تَعُدْ هيَ هِيَ، عندما مرَّ، كأنّ شيئاً ما حدثْ. عيونُنا كانت تشذُّ فنعيدُها إلى السويّ، كما أعدنا جِمالَنا إلى بخارى. بعضُنا قالَ الإستثناءُ هو الإستثناءُ، وآخرونَ بأنَّهُ مُتَلَبِّسٌ وجُنونٌ، قلتُ شاذّاً عنهُ، وقلتُ فذّاً، وخِفْنا منه. لم يعدْ يذكُرُهُ أحدٌ من جيلِنا، لا يبكي عاديٌّ على استثناء. أخرجناهُ إلى الهامشِ، كان "التطرُّفَ" كنا لسنا "التطرُّفَ" أعني احتجناهُ لكي نُعَرِّفَ من نَحنُ، وسَامَ، خرجَ من الصفحةِ والهامشِ إلى شيءٍ أبيضٍ، وعيٍ أبيضٍ ربما، وسمِعنا بأنه غادر.
صار صامتاً، يتأرجحُ عندَ البوابةِ الشرقيّةِ في أُرجوحةِ قشٍّ مُعلَّقةٍ بين شجرتينِ، كتلكَ المستخدمةِ في الأمازون، وكنا هناك نزوِّجُ أبناءنا لبناتِنا، نعزفُ النايَ ونحتفلُ، ويبقى صامتاً، ويهزُّ رأسَهُ كقط.

لِمَ لا يفرحُ؟ قلنا. ليست هذه نشوةً، قالَ، فخطوتُنا لا تذوِّبُ الثلجَ في زُرقَةِ السماءِ، ولا الظلَّ في الضوءِ، ولا الروحَ فيها، وكان حزيناً لأن نشوَتَهُ أعمقُ من فرحِنا، ربما لم نَكُ آلهةً، بل تُجّاراً، نسهرُ بينَ الجواري اللواتي يعزفنَ العودَ، ووجوهُهنَّ محمرَّةٌ كالشفقِ عند البوابةِ الشرقية.
وكأنه لم يكُ يعي حدودهُ، كنهرٍ يفيضُ، وكان فناناً في التجَنُّبِ حتى أن زوجتي “سكارلت” بطلة “ذَهَبَ مع الريح“، حاولت مرّةً إغراءهُ، فحدَّثتْهُ عن الملَلِ، وعن لوحةٍ فيها رجلٌ يصوِّبُ بندقيتهُ إلى رأسِ ظلهِ الساقطِ على الحائطِ في ساحةِ الظهيرة، ولم يفهمْ. لِمَ؟ قالت، فقال كلماتُها أجراسُ زجاجٍ تتلاطمُ كنجومٍ معلّقةٍ بسلاسلَ من ذهبٍ في فضاءٍ خالٍ، وقالَ بأنه سَمِعَ أبعدَ مما يجب، وبأن الصوتَ سوطٌ، والكلماتِ كتلُ جليدٍ أو حجر. وهكذا نامت معي لوحدِها، إنفصَلَتْ عنّي ولم تتَّحِدْ بِهِ، وحَمَّلَتْهُ الإنهيار.  ورأيتُهُ ينظرُ للخلفِ، نحو البوابةِ الشرقيةِ التي تُغْلَقُ بقِفلٍ مفتاحُهُ المساومات، لا ! ليس حلاًّ  وسطاً. كان هو ليس حلاًّ وسطاً، لا ذاكَ ولا هذا، وكان يبدو بلا حلٍّ أبداً. وكان يهزأُ بالإرتياحِ، ويفضِّلُ المغامرةَ على السعادةِ، والعقلَ الأوَّلَ عندَ الفارابي على المعقولِ عندنا في طنجة، ويتنقل بحثاً عن امرأةٍ قال بأنها عَرَفَتْهُ في حيـــاتِهِ السابقة، ولا يتورَّعُ في البحثِ عنها في الماخوراتِ في الدارِ البيضاء، وقال الأشياءُ فَشِلَتْ في العيشِ حسب مفهومِها، مفهوم الأشياءِ ما يقصدُ، فَشِلَتْ، وقال الظلُّ لا يكفي للقاءِ الأصلِ. وعندما يعودُ الحصانُ الأصفرُ إلى سفح الجبلِ يبدو منتشياً بالعودةِ من الخارج.
حاولتُ أفلقَهُ كحبّةِ جَوْزٍ كي أفضحَ داخِلَهُ، لا داخلَ فيهِ، أو هكذا شعرتُ. وكان واضحاً، ووضوحُهُ يُخيفُنا، فنلتفُّ بعباءةِ السرِّ وننفضحُ نحنُ، وكنا نحبُّ الغموضَ، وكان واضحاً، وهذا ما كان غامضاً فيه، حتى أن عاهرةً مقدسةً، من أوغاريت، على ما أعتقدُ، إتَّهَمَتْهُ بأنه لا يغسلُ ملابسَهُ الداخليّةَ، وجرحَتْهُ. ربما كانت على حقّ، ولكنني رأيتُهُ يسبحُ في الزبدِ المُشمسِ كلَّ صباحْ، ولم يتكلمْ عن الرّملِ الذي فينا. وفي احتفالاتِ الربيعِ قالت له مالكةُ عبيدٍ بأنها تشعرُ بالذّنبِ لأنها تستعبِدُ غيرها وتودُّ تسريحَ عبيدِها، قال لها الأدنى يخيفُ، وقال بأن جمهرةً من أرواحٍ عبدةٍ تسكنُ في روحِها هي، ونَصَحَهَا بالخروجِ، وقال غامضاً.
كان استثناءً، لذا ركّزنا على عمامتِهِ الخضراءِ، وكان يلبسُ زنّاراً من حريرٍ مطرّزٍ، وحذاؤه قوقعتيّْ سلحفاتينِ مرصّعتينِ باللؤلؤِ، وكنــا نتوشوَشُ سرّاً عنهُ،  وأخيراً في طنجةَ لَبِسَ كاهِلَها وصارَ من بيننا، قلنا تنازل، لكنه لا يجدُ جدوىً في الصراعِ على اخضرارِ عمامة، وتجنب، وكان فناناً في التجنب، وأعتقدنا بأنه صار عادياً، وكذا صارَ، ولكن هذه من أغربِ خطواتِهِ: أعني عاديّتهُ.
وفقدنا الكثيرَ حين فَضَّلَ الصمتَ و العزلةَ في بيت تخفقُ الريحُ فيه، وكنا نرى مصباحَهُ مضيئاً بحمرةٍ شاحبةٍ، حتى ساعاتٍ متأخرةٍ، ورأيناهُ يرقصُ منفرداً على موسيقى للهنودِ الحمرِ، وازددنا حيرةً، فهو لم يرقصْ لنا ولم يرقصْ له، بيتُهُ كان يطلُّ على البحرِ من الجبلِ، وعلى البوابةِ الشرقيةِ من الغربِ، من حيث كنا نمرُّ عليه في احتفالاتِ ديونيسيوس، حامليَن عضواً ذكرياً ملقىً كالحبلِ على أكتافِنا، قلنا لِمَ لا يفرحُ؟ قال فرحتُنا نمطْ، وضحِكَ بعمقٍ، مطلاًّ من شباكِهِ، كمن وجدَنَا ثانيةً بعد سفرِ قُرونٍ، مستغرباً وبمرحْ، ورأيتهُ ليلتَها يحاول إغراءَ ابنةِ تاجرٍ من أصفهان تحملُ إكليلَ غارٍ وتلبسُ الأبيضَ في الإحتفالاتِ، وتحملُ سلّةً فيها سعفُ نَخْلٍ، لكنها فضّلَتْ غيرَهُ، ولم يكُ عاهراً [ إلا حينما يميلُ النخلُ في معبدِ القمر كي يوحي للعرافاتِ بوحيٍ قديمْ ]، و لا قدّيساً، بل أشبهَ بنايٍ تُصَفِّرُ الريحُ فيهِ، أغانيهِ ليست منهُ، ولم نلُمْهُ، وأدرَكْ، وكان يتعرّى ويمســـحُ جسمَهُ بالزيـتِ في الإحتفالاتِ، فأُعْجِبَــــتْ بجســــدِهِ سكارلتْ، زوجتي، بطلـةُ "ذَهَبَ مع الريح"، قالت تتمنّى الخضوعَ لقوّتِهِ، قال لا قوّةَ فيهِ على إخضاعِ أحدْ، وقال اللذَّةُ أعمقُ من الممنوعِ، وهي اللذّةُ تحتَ الممنوعِ كالماءِ تحتَ العشبِ، وكنا عُشباً ممنوعاً نتأرجحُ كمشنقةٍ في غروبِ الأشيـاءِ، قال خيرُ تعاليمي وجودي هنا، وهناك مسافةٌ من وعيٍ بين اللهِ وبين المؤمنِ به، قال، وازددنا حيرةً.وأكثرُ ما حيَّرَنا فيهِ أنّه لم يكن امرأةً، ولا رجلاً. كلُّنا نعرفُ، كان رجلاً، بمعاييرِنا،وحَسَبَ عرافةِ طنجة كان أنثىً، بمعاييرها، وسألناهُ، قال الأُنوثةُ و الرجولةُ ضفّتانِ لنهرٍ واحدٍ وهوَ اختفاءُ النهرْ عندَ لقاءِ الضفتين، بِلُغَتِنَا. لكنه كان أبعدَ مما يجبُ، لا ذاكَ ولا هذا، غامضاً، وراءَ اللغةِ، ورَمَتْهُ سكارلت بإناءِ زهورٍ عندما تحدَّثَ

عن منطقةٍ كهذه، بمعاييرها، فتجنَّبْ، وكان فناناً في التجنب، قال عن زوجتي "وعيُها طبقة"، وقال، لاحقاً، بأنه تجوَّلَ حول ضواحي الجنونِ، وعاشرَ سكانَ هذي البلد، وتوقفَ بين المألوفِ والجنون زَمَنَاً، لا يرجع من حيث جاءَ، ولا يوغِلُ في حيثُ يتجهُ، سأَلَتْهُ إن كان هناك لم يـزلْ، قال التردُّدُ بين المألوفِ والجنونِ طبقة، وهو قبيلةٌ جديدةٌ من أستراليا، والقاراتُ بيتَهُ، والإمبراطوريةُ محدودةٌ، ولم نَفْهَمْ.

وانتظرتْهُ سكارلت، زوجتي، وكانت كمن تزرعُ البصلَ والثومَ في الشمالِ، لكي تفهم عودَتَهُ بين القراصنةِ القُدامى، كذكرىً بلا عاطفة، قال الذاكرة متحفٌ ميِّتٌ، والجليدُ مهمٌّ، قعرُ الجحيمِ عند دانتي من جليدٍ، وهكذا كنت أَنْشَعِبُ ولا يوحِّدُني بي.
وأريدُ أن أُحدِّثَكَ عن تلك الحفلةِ في قصرِنا في أصفهانْ،
سوف أحدثكَ أنا، تايريزياس، الذي رأى كلَّ هذا، عنه،
وعن الوجعِ الذي لا بحرَ ولا إيقاعَ له،
الوجعِ المحشورِ كالنمرِ البِنغاليّ في قفصِ الصدرِ،
الحزنِ الذي في الروحِ يسري كأفعى الماءِ،
وعنها،
تلك الخارجةُ من الرواياتِ لكي تَئِنَّ تحتَهُ وتتأوَّه،
وأنا، تايريزياس، في الغرفةِ المجاورةِ،
أنا الذي يمزجُ الحزنَ باللصوصيةِ،
ويمنعُني الإفتعالُ عن الإنفعالِ، والكبرياءُ عن الشكوى،
أنا، من ينكرُ حين يرى،
حين كانت تئنُّ تحتهُ كذئبةِ اللَّذَّةِ، راميةً رأسها للخلفِ،
مع ذلكَ البرنزيّ الذي لفحتهُ شمسُ الصحراءِ الحمراءِ،
وقالت، بين التأوُّهِ والإستثارةِ، عني،
أنني آمنٌ مثل بيتِ اللهِ الحرامِ، ويوثقُ بي،
ومعي لا تشعرُ بعد فِعْلَتِها بالضياعِ،
ولكن اللذَّةَ معهُ،
ذلك الطفلُ القادمُ من الصحراءِ وقبيلةِ التوريغ،
مثيرةٌ بجنونٍ وبِدئية،
وكنتُ واقفاً، بحواجبٍ الشيبُ سرى فجأةً فيها،
في الغرفةِ الأخرى، بين القططِ، والكتبِ، والإضاءاتِ الخافتةِ، أرى كلَّ هذا،
أنا الذي حاصرتني مَرّةً أخرى العادةُ،
وفيَّ تحدو قوافلُ غروبٍ شاملٍ في أفقٍ من رملٍ،
ووجهي يحتملُ أقنعةً عِدّة،
تايريزياس، العرّافُ الأعمى،
حيث الرؤيا لا تجدي في وطنٍ فيه الجريمةُ أفضلُ الخياراتِ، وأفضلُ الخياراتِ جريمةٌ،
والموهبةُ لا تجدي بين الإمتيازاتِ،
وطنِ المجاعةِ والفراغِ، حين المعرفةُ فارَقَتْها دفقةُ الحياةِ،
أنا الذي سيحدِّثُكَ عنه !
كان يبدو تحتَ السطحِ، كامناً، حتى لحظةِ النظرِ إلى الداخلِ، حين يسري في الروح كأفعى النهـرِ، وما كان فظاً، كنتُ أحتاجُهُ مولاي، ما كان فظاً، فأراني كهفاً فارغاً مقمراً في أعلى جبلِ الروحِ وقالْ: هنا أتعبَّدْ، والصمتُ كلامي فانظرْ فيهْ، أغناءُ الروحِ حاجتُكَ الجوهرةُ المنقوشةُ على شكلِ فارسٍ من البرونزِ والتأمُّلْ، لما يتعمَّقُ وعيُكَ ويحتاجُ الفيضانُ هذه المدنَ لن يبقى من هذهِ المدنِ إلا الريحُ التي عَبَرَتْها الخيانةُ في الروحِ نفضٌ لغبارِ المللِ، الملذاتُ كَثْرَةٌ، وكذا التضاريسُ كثرةٌ، قالَ، أرى البوابةَ الشرقيةَ مَعْتَمَةً من حديدٍ، والسيرُ في الطرقاتِ التي تفوحُ برائحةِ الحلاقينَ والجندِ ملذاتٌ مألوفةٌ يا عبدُ، قالْ. وفي تلك الليلةِ المغلقةِ بندمٍ وبنفسجٍ في قصرِنا في أصفهانَ المدعوَّاتُ معطراتٌ والمدعوّونَ معطرونَ الأيادي شموعٌ تشــعُّ في صـــالاتٍ مفروشةٍ بالفروِ الأبيضِ الناعمِ، المرايا كَثْرَةٌ، وعبيدٌ عراةٌ وعبداتٌ عارياتٌ في أياديهنَّ سعفُ نخيلٍ يروِّحْنَ عن الضيوفْ، وفي الطابقِ العُلويِّ، قبلَ الكشفِ، حيثُ لما أنّتْ تحتهُ قالت تُثيرُ، لهُ قالتْ، يا إلهي تُثيرُ، ورأسُها ذاتَ الشمالِ وذاتَ اليمينِ يروحُ كطيرٍ شدّتهُ اللذَّةُ للأرضِ، قالت ما يخرجُ منكَ جميلٌ، واللغةُ الممنوعةُ تطفحُ باللذاتِ المحزونةِ بعدما فرضَ الأمنُ المشبوهُ الكتمَ على الأحرفْ
توحَّدْ عندما تفكَّكُ الأشياءُ، يا عبدُ، قالْ
كانت واقفةً في الشبّاكِ الخلفيِّ كاشفةً نهديها للغروبِ كإقوحانٍ في إناءٍ، وأما هو ففي إيماءاتِ ضوءٍ أمْيَلِ للإخضرارِ، نصفُهُ في اللونِ ونصفُهُ خارجَ عتبةِ غرفةِ النومِ، بدا كقدرْ، لم تَرَني ولم يَرَني، لا يرى غيرُ المرغوبِ فيه، أحياناً. ورأيتُ بأن سكارلت تتقنُ الإنسحابَ إلى الداخلِ، كالأقباطِ خارجَ مصرْ، تتقوقعُ كسلحفاةٍ، وتمشي بزاويةِ 45، كسرطانٍ بحريٍّ، وهناك تختفي هويَّتُها حيثُ لا أصلُ، وأوهمْتُها بأن قلبي يَصِلْ. مَنْ قالَ هذا:
"تركتُ الحبيبةَ - لم أنْسَها - في غروبِ الشجرْ...
توهَّمْتُ أن السمواتِ أبعدَ من يدِها عن جبيني
وأوْهَمْتُها أن قلبي يَصِلْ"؟
وبعدها غادرْ. راقَبَتْهُ سكارلت من شُبَّاكِنا الخلفيِّ، مددتُ يديَّ إلى قبابِ نهديها النحاسيةِ تحتِ الغروبِ قالت البحرُ هاديءٌ وبأنها سترحلُ إلى بحرِ إيجةَ، وتَبِعَتْها قِطَّتُها السياميةُ التي لم تكن تحبُّ أحداً،
وجلَسَتْ على حقائبِ الجلدِ الأحمرِ الكالحِ بانتظارِ شعوبِ البحارِ. وتجوَّلتُ وحيداً في رَدَهاتِ القصرِ، فتحتُ قناني النبيذ ونصَّ اللآليء.
"حتى من أجلِ شربِ الخمرِ، احتجتُ إلى النصحِ..
أنها نهايةُ الزهُوِّ..
وفي النهايةِ كلُّ شيءٍ باطلْ.
فدخل مولايَ وجلسَ بقربي في المكتبةِ، وكان خفيّاً كشبحٍ، فأثارَ غبارَ المخطوطاتِ عليَّ وحـوليَ، وبكيتُ، فقالَ يا عبدُ، جُزْ هذه المنطقةَ، أحياناً نعمى حين نرى.
جاءَ من الشرقِ ليلاً، ووقفَ تحتَ شُبَّاكِها، لم تَكُنْ تعرفُهْ، في قدميهِ غبارُ سفرٍ من أتيكا، وفي شعرِهِ ورقُ صنوبرٍ من بلادٍ غامضةْ، بيتُها كان كَذِباً يمتدُّ ثلاثةَ آلاف سنةٍ للوراءِ، قبلَ بناءِ الهكسـوسِ للخليلِ، وقبل مقتلِ الإله بَعْلٍ في غابـــاتِ الأرزِ في لبنانَ كي يبزغَ من دمِهِ قطيعُ الأقحوانِ، كان بيتُها كذباً، والشريطُ الأصفرُ الذي يضمُّ شعرَها المجدَّلَ ذيلَ فرسٍ كان حديثاً مُلَفَّقاً عثرَتْ عليهِ على الدرجِ ملفوفاً على ضمَّةِ وردْ، ولما وقفَ في شارعٍ خفتتْ الإضاءةُ فيهِ عَرَفَتْ بأنه هو، وحتى كلبَها الأبيضَ الكبيرَ كوعلٍ في عنقِهِ زردٌ لم يحرُسْها من وقعِ خطواتِهِ في حديقةِ قصرِنا في أصفهانْ. جاءَ من قبلِ ثلاثةِ آلافِ سنةٍ يفتعلُ العاديَّةَ حتى تألفَ سنَّهُ الذهبَ الذي يبينُ إن ضحِكَ بعد عزلةٍ كهذه. طقوسُهُ مختلفةْ، يختفي عندما يتَّضِـــحُ، ويصمتُ عندما يلفِظُ، وقبل قدومِهِ عَرَفَتْ بأنه سيأتي.
جاءَ من جهة البحرِ الأحمرِ يمشي مع القمرِ والموجِ، بعدَ أن انحسرَ الجليدُ عن ملامِحِهِ تاركاً إمكانيّةَ الغاباتِ والينابيعِ المعدنيةِ الساخنةِ، وكانت تنتظرهُ عاريةً في شُبَّاكِنا الخلفيّْ، وعندما لَسَعَ البردُ حلمتَيْها انقبضتْ، ولفَّتْ الغروبَ كالشَّالِ عليها، فجاءَ في حُلْمِها، ووقفَ قربَ مِخَدَّتِها يحملُ كأساً من نحاسٍ فيه نبيذٌ أحمرٌ للقرابيْن، جاءَ متسلِّلاً بين الحُلُمِ واليقظةِ، مازجاً في ملامِحِهِ المطرَ بالوحلِ، والعشبَ بالخرابِ، واللّذَّةَ بالممنوعْ، متأبِّطاً خرائطَ الأناشيدِ وشـــراً لم تعرِفْهُِ، فأستيقظَتْ سكارلت، عَرِقَةً، تهــذي من كوابيسِها فحشرْتُها بين يديَّ، قالتْ: بأنها رأتْهُ واقفاً خلفَ البوابةِ، شاحباً كالليمونِ، وفي عينيهِ جفافُ التلفزيونِ الأبيضِ والأسودْ، وكانَ يُنْشِدُ
"ليسَ للنّارِ ظلٌّ
وليس لمن تمتاز نارٌ بالحصولِ عليهِ وجودٌ،
قبلهُ أو بعدهُ ولهُ
أن يستحلَّ من الأرضِ ما يستحلُّ
كان وجهُهُ بين الأصفرِ والأخضر، في مزجةٍ واحدةٍ، ويبدو كلوحةٍ، لما فَتَحَتْ لهُ البوابةَ الحديدَ التي بقيَتْ وَرَقَةٌ منها مغلقةً بينما الأخرى مُنسَرِحةْ. وقفَ متردِّداً، وسألَ عن أبي الفرجِ الأصفهانيِّ، قلتُ ماتَ ولا يسكنُ هنا، فدخلَ مُتفرِّساً في الحديقةِ: قِردٌ عجوزٌ لهُ لحيةٌ طويلةٌ بيضاءُ، وحاجبهُ كثٌّ، كان على حافةِ البئرِ يُدلي بدلوهِ في الجفافْ، وكان القمرُ بين الصنوبرِ والرخامِ، وطواويسٌ كنتُ جَمَعْتُها من رَحَلاتِ ابنِ بطّوطة تتمشّى بخيلاءٍ مُنْعزِلةْ. “كان جدّيَ ملاَّكَ خيولٍ عربية “ قلتُ“ وبنى القصرَ على مُنْحَدَرِ الوادي“ هزَّ رأسهُ كنرجسةٍ، وكانت يداهُ بيضاءَ صغيرةْ، كيدِ ملكِ إمارةٍ مُصطنعةٍ شرقيّ النهرْ، أو هكذا شَعَرْتُ.

نظرَ إلى جهةِ جبالِ زاغروسَ، واقفاً على دَرَجِ القصرِ. زاغروسُ، قالَ، حنينٌ إلى الأُصولْ، سؤالٌ للسائلِ عن كيفَ بزغتِ الأسئلةْ، زاغروسُ، تلك الجبالُ الجرداءُ التي شهِدَتْ ولادةَ الزمنِ واكتشافَ الزراعةِ، لم تزل نفقاً في الوعيِ وأسئلةْ. والتاريخُ كذلكْ: نفقٌ في الوعيِ وأسئلةْ.
وأدركتُ لاحقاً بأنهُ يرى العالمَ بطريقةٍ مختلفةْ، فيرى العالمَ متزامناً، ما حدثَ قبلَ عشرِ آلافِ سنةْ، ربما في زاغروسَ، موجودٌ في ذاكرتِهِ كغُرْزَةِ تطريزٍ بقُربِ غُرزةِ تطريزٍ أخرى هي ما يحدثُ عندنا الآنَ في أصفهانْ، فالأزمنةُ متجاورةٌ وليست متتابعةْ. التاريخُ تطريزٌ ومفهومُ الزمنِ نافعٌ، قالْ، الماضي مساحةٌ كالغابةِ، قالْ، والآنَ مساحةْ، قالْ، وأنا مسَّاحٌ، أردفَ، ولا يهُمُّني الزمنُ المتتابعُ، بل انفتاحُ المساحاتِ كتطريزٍ متجاورٍ لا أسبقيةَ فيهِ لغرزةٍ على أخرى، ولا تَتَابُعَ. وبالتالي كان يرى الجرةَ كصفحةِ نهرِ الفراتِ، مستقيــمة، ممدَّدة، مطرَّزةً بالموجِ الأحمر، ربما من الدَّمِ الذي سَفَكَهُ المغولُ في احتلالِ بغدادْ، ومن الحبرِ المتحلِّلِ، والجريمةُ مساحةٌ، قالْ، وصَعَدَ الدَّرَجْ.
جاءَ كقطعةِ خشبٍ من قاربٍ محطَّمٍ ساقها الموجُ إلى ضفافٍ غريبةٍ، ووصلَ إلى ساحةٍ ليست لهْ. وعندما فتَحتْ لهُ، فيما بعد، غانيـــةٌ طاقةً مُسَيَّجَةً
بقضبانِ حديدٍ في بوابَتِها، خائفةً منهُ، كعادةِ أهلِ بغدادَ أيامها، بينما أرادَ فقط أن يُسَلِّمَها رسالةً بعثَها لها تاجرٌ يحبُّها، لم تدعُهُ للدخولِ، وأساءت فهمَ نيّاته فأخذتْ الرسالةَ وتركَتْهُ وراءَ البوابةِ يحدّقُ في الحديدِ الباردِ كوجهٍ مغلقْ، وعندما التقتْهُ ثانيةً في تلك الحفلةِ في قصرنا في أصفهانَ اعتذرتْ: "أوه ! كنتُ وقحةً.. تدري.. متأسفةٌ جداً". فقال ببساطةٍ، أدري، كنتِ وقحةً، كالعالمِ، فارتبكَتْ فواصلَ شربَ الخمرةِ محدّقاً فيها كما في شهابٍ من سماءٍ ساقطةٍ لا يمتُّ لها بصـلةٍ، وتوتّرَ الجوُّ. كُنْ معتدلاً، قالتْ، الإعتدالُ وبالٌ و لا يكونُ مع الإعتدالِ إلا دوامُ الحالِ، قال. إذَنْ كُنْ لطيفاً، قالَ، أنا لطيفٌ بالطبيعةِ فهذا حقُّ نفسي عليّْ، وقالَ، لما سأَلَتْهُ سكارلتُ إن كان يفكّرُ هكذا فينا جميعاً، "عادتي" وأشار إلى شمعةٍ خضراءَ تشتعلُ وتسفو الريحُ شعلتَها، وقالَ الشعلةُ تقليدٌ باهتٌ لروحيَ، الفَهْمُ سيفُ ذهبٍ فاستعمليهِ. عمن تبحث فينا؟ "عن السيدة الغائبة"، ومن هي؟ "تعرّفتُ عليها في حياتي السابقةْ" وإن لم تجدها على الأرض؟ "في حياتيَ الحاضرةِ أحيا لأعرفَ، وفي حياتيَ المستقبليةِ سوف أمشي على الأرضِ طفلاً نبياً" من أينَ جئتَ؟ "من وطني". وأين هو؟

"لن تعرفيهِ إلا أذا غادرتِ وطنكِ". تبدو لي أحياناً، كبابٍ، وكمرآةٍ أحياناً، وكرجلٍ، من أنتْ؟. "أصيرُ كما تحتاجيني أن أكــونَ. ولا أقفز من فرعِ شجرةِ جوزٍ إلى فرعٍ آخر كالسّعادين" تفسِّرُ نفْسَكَ ببلاغةٍ، قالتْ.
"من ليس جديراً بالسرِّ وافِهِ بالتفسيرْ"، قالْ. من أنت؟ "كُلُّنا غرباءُ في أرضٍ غربيةٍ تدعى الحياةْ".
وخَرَجَ وهو يشرِقُ بالضّحِكْ حتى دَمَعَتْ عيناه. وأما سكارلت فبَقِيَتْ واقفةً في مكانِها لساعاتٍ، ولما عانَقْتُها وَجَدْتُ في يديَّ ثيابَها فقط، هي اختفتْ، أو تحوّلتْ إلى فضاءٍ مفتوح. لا أدري، كان غريباً وضرورياً لنا كلنا كالدموعِ والكتبِ المقدَّسةِ، تذكَّرْ: الحالمونَ يحتاجونَ لِمُثُلٍ، حسبتُهُ مِثالاً فاختفى كناقة. كان يَتَنَقَّلُ بين الأصفرِ والأخضرِ والورديّْ، وكلماتٌ تُلِحُّ عليه لتخرُجَ منه، وكان محجوزاً، ويحيا في قارّةٍ من التوتّرِ حيثُ يربّي الكنغارو والحيواناتِ الغامضةَ، رافعاً رأسَهُ للأعلى، عقربةْ صفراءُ سمـــائيَ، قالْ. ومــالَ نحو الضربِ في الأرضِ تلحقُهُ بحارٌ تفيضُ لتلتَهِمَ ما تبقّى من خُطاهُ حتى تاجَرَ بالعاجِ في أفريقيا، وأحزَنَتْهُ كفُّ قردٍ مقطوعةٍ في سلّةِ قشٍّ لكي تصدَّرَ إلى مصانعِ العطورِ في أوروبا، كفٌّ تبيعُها عبدةٌ سوداءُ للبيض، وأحْزَنَهُ دخـــــان أبيضُ في وسطِ الأدغالِ قريباً من المحيطِ الأزرقِ يتموَّجُ. وكان ينتظرُ السُّفُنَ لتنقلَهُ إلى جُزُرِ التروبْرِييانْدَرْزْ، ويحدِّقُ في اتســـاعِ المحيطِ في انتظارِ السفنِ، لم نكنْ نحنُ، كما قلتُ لكَ، نفهمُهْ.
وحينَ التقيناهُ في حفلة الكوكتيل في قصرنا في أصفهان جذب نساءنا، لم ندرِ كيف أتى ومن دعـاه، وفي عباءتيَ الخزُّ المقصّبُ حيث على صدريَ تتأرجحُ بوصلةٌ كنت أشتريتُها من بخارى، وأنا فخورٌ  بوقع حذائي الجلد [ الذي رُسِمَتْ عليه صورةُ نفرتيتي وكتاباتٌ بالهيروغليفيةِ ] على البلاطِ، سألتُهُ إن كـــان مهتماً بالتجارةِ. "أنا فقيرٌ في الخارجِ"  قالْ. وقهقهنا، نحنُ التجارُ الملتفّينَ حولَهُ، وسألناهُ عن أصلِهِ. "أصولي عِدّةٌ، هناك شجرٌ رأيتهُ في الأمازون ينقلُ جذورهُ من تربةٍ لتربةٍ وأحياناً ينبُتُ في زرقةِ السماءْ. خطواتي جذوري، قالَ مهيارُ الدمشقيُّ، "قالْ" لستُ منفيّاً لأحِنَّ، ولا مهاجراً لأتكيّفَ،" أردفْ، قلنا بأننا لا نعرفُ عن شجرٍ كلما تخلّعتْ جذورُهُ سَمَقَ وذهبَ في السماءِ، ونعرفُ عن شجرٍ يفترسُ من يرتاح في ظلهِ وبالأخصِّ في مدارِ السرطانِ، على ما نعتقدْ. "تتكلمونَ لغةً واحدةْ كالسعادين"، قالْ. فشتمتُهُ بعباءتيَ القصبِ، فتجنَّبْ، وكان فنــــــّاناً في التجنُّبْ وأخذ يُنَقِّلُ بيادقَ شطرنجٍ منحوتةً في العاجِ ويضعُها في جيبِهِ، قلتُ: أعِدْها ! قالَ، "ألا تلعبُ إلا لعبةً اعتدتَ قواعدَها؟ غامِرْ ! وجذبَ نساءنا اللواتي ذهبنَ مع الريحِ، وكان يحب التفافَ النساءِ عليه، ويبقى قصيّاً كمغارةٍ تَفْتَحُ أعماقُها على بحرٍ آخر، وخِفْنا منه.
لم يكن يملك سكّراً، أو سُفُناً، أو عباءةَ جوخٍ، إن أعطيتَني لا أمانعُ، قالَ، ولما مَنَحْتُهُ سفيـــنةً، قالَ: "لا مانعَ"، ونسيَها في الميناءِ، قالَ لا وقتَ عندهُ، وأحبَّ السفينةَ جداً، رَسَمَها على ورقِ البُردى، وكان لها رأسٌ من فينيقيا، وحبالٌ من صيدا، وبحارةٌ شتى رَسَمَهُمْ كلَّهم، وكأنَّهُ كان يكتفي بالشجرِ المسجَّى فوقَ ظلِّ الظلِّ من شجرِ الخُزامِ في مستقبلٍ آخر، دسَّ ورقةَ البردى في سترتِهِ الجـلدِ، ومشى، تاركاً التمرَ والسفينةَ، وما تبقّى، قلتُ بأنه عدوُّ إمبراطوريةٍ، ولكن لا أدري كان غريباً، ولا يُعقَلُ أن يعادي إمبراطوريةً كاملة.
كان يدركُ بأن الأشياءَ تزولُ، فزالَ معها بفرحٍ، من ذاكرتي، ويدركُ بأن الأشياءَ تتكرَّرُ، فرجَعَ معها، ولذا تكلمَ عن حياتِهِ التـاليةِ، وعن أين كان في حياتِهِ السابقةِ، وبدا كعالَمٍ ينهضُ من أنقاضِ عالَمٍ، كان كشعرةٍ تصلُ بين العبقريةِ والجنونِ، وكأنّهُ يتمرّنُ على التفكيرِ بشكلٍ مختلفْ، قال بأن أهرامَ خوفو، مثلاً، محضُ خيالٍ، ولما سألتُ عن لماذا اختارَ الفراعنةُ خيالاً حجرياً ضخماً، قال "حُبّاً في الثباتِ، أو إرادةً لتصوُّرِ الوجودِ، أو تحضيراً للخلودِ في العالمِ السفليّْ، كانوا على كل حالٍ يحبّونَ كسرَ مقاومةِ الكتلة". وسألتُ وأنتْ؟ ماذا تحبُّ؟ فقالَ: هناكَ لوحةٌ عند عَبَدَةِ النارِ في فارسَ ، النارُ مرسومةٌ على جدارِ الليلِ حتى لتحسِبَها حِبْراً أحمراً، ثباتٌ مخيفٌ في الحبرِ يوحي بحركةٍ مخيفةٍ في النار. قلتُ وما دخلُ هذا بي؟ قالَ، لا أدري، ولا أدري ما صلةُ هذا بالنقاشِ، ولا أدري حتى إذا ما كانت لوحةٌ كهذه موجودةً أصلاً، الإختلافُ، ربما، هو طريقةُ الآلهةِ في صياغةِ الهويةِ. أمن أجل التوضيح، اختلقْتَ وجودَ لوحةِ النارِ في فارسَ؟ قلتُ، فقالَ الروحُ التي تجهلُ الفرقَ بين الخلقِ والإختلاقِ، منافقةٌ، أنت منافقٌ، يا عبدُ، قالْ. وأردتُ أكسرَ فكَّهُ بتمثالِ برونزٍ كنتُ أعبثُ بهِ، فحجزتُ ما نويتُ وسألتُ ما النفاقُ؟ فقالَ: سؤالكَ هذا نفاق! تنوي على فعلٍ وتفعلُ غيرهُ، الأعمالُ بالنيَّاتِ، يا عبدُ، وهل يخْفَى على الضوءِ الأزرقِ القطُّ الأســودُ الكامنُ بين الورد، النيةُ سكّةُ القلبِ والفعلُ سكّةٌ أخرى لِمَ تمشي كالمشنوقِ بين السكّتين، فقلتُ ولكن يا مولايَ ولكن قلتُ أنا تجربتي، قال إحْذَرْ يا عبدُ أنا في أولِ الصبحِ أميّزُ بين الخطين الأبيضِ والأسودِ، إسألْ بَدَلَ أن تغضبْ، وافهمْ بدلَ أن تحتَدّْ، وتركني وخرجَ.
وسألتُهُ، لاحقاً لما وجدتُهُ جالساً في الظلِّ على درجِ القصرِ في أصفهانَ إن كان يحبُّ الأقنعةَ، قالَ عبورُ الحدِّ بين العوالمِ صعبٌ بدونِ طقوسٍ، الأقنعةُ من طقوسِ العبورِ، وأشعلَ عودَ بخّورٍ وقدّمَ لحماً مشوياً لقطةِ سكارلت الساميّةِ، قلتُ القطةُ ليست من الآلهةِ، قالَ القطةُ عالمٌ، مثلَ زيوس، والشواءُ قربانُ الدخــولِ، قلتُ لم أفهمْ، قالَ في وطنِهِ لا يحتاجُ لأقنعةٍ، قلتُ وهُنا؟ خذ وطنَنَا وطناً ! قالَ: هنا لا تحتاجونَ لوجوهْ ! وسألتُهُ عن وطنِهِ فتكلمَ عن نخيلٍ على شواطيءٍ مقمرة، نساءٍ سامرياتٍ، وسفنٍ غير آمنةٍ ورعاةِ نرجسٍ وأوزٍّ، وقالَ: إسمعْ ! إن أردتَ الوصولَ إلى وطني صِرْ قطّةً. سألتُ كيفَ؟ فقال: تقنَّعْ وانظر إليكَ بعينيها، ولا تنسَ، قدِّم البخورَ لهُبَلْ، الإلهِ القمريِّ القديمْ، وماذا إ ذا لم يكن الإنسانُ معيارَ أيِّ شــيءْ؟ القططُ رفاقٌ لنا في البلادِ الغريبةِ، قلتُ وما تلكَ الأرضُ الغريبةُ، قالَ: "الحياة".

النهرُ كان يكفُّ عن كونِهِ نهراً عندما مرَّ، وكأنَّ الماءَ يخرجُ من مائيتِهِ، فأحدق في نهر آخر كلُّ موجةٍ فيه أكبرُ من فكرتي عن الموجةِ، قلتُ كيفَ يكونُ النَّهرُ آخرَ، جنوناً ما؟ قالَ لكلِّ بلادٍ عِمْلَتَهَا، أعطِ مالَ قيصرٍ لقيصرَ، فدفعتُ إليهِ برزمةٍ من دنانيرَ ذهبيةٍ من أيامِ العباسيينَ فقالَ افهمني، لستُ قيصرَ، قالَ، وليست هذه عِمْلةٌ، قالَ، الذهبُ يختلفُ كالنهرِ حين تصيرُ قطةً، بالمناسبةِ، أنت سجينُ كونِكَ رجُلاً أو ذكراً، صِرْ قطةً وليسَ قطاً، وضحِكَ، وغمزَنِي، قائلاً عباءةُ الخزِّ جميلةٌ، رأيتُ مثلَها في بخارى. ما أغرب ما مرَّ عليكَ؟ سألتُهُ، قالَ، كثيراً ما طوّفْتُ وأغربُ ما أبصرتُ هو العاديُّ، قلتُ القطة ليست عاديةً، قال طبيعتُها تلك، وما يجعلُها عاديّةً، مثلاً في عينيكَ، يُذْهِلُني، أنتم الغرباءُ عنّي وما زلتُ أستألِفُ عالَمَكُمْ. فدفعتُ له بثمنِ قناعٍ كي يدخلَ عالَمَنَا فضحِكَ وقالَ: طقوسيَ من خلقيَ وحْدي.
جاءَ من الجهةِ الأُخرى، عبر نهرِ الإنفصالِ، وأعطاني صندوقاً من الصدفِ الملوّنِ فيه منحوتاتٌ من العاجِ نُقِشَتْ عليها أحرف بالخطِّ الكوفيِّ ورموزٌ صينيةٌ، تشبهُ النردَ، قال، بهذهِ أو بمثلِها يلعبُ القدرُ كلُّنا صدفةٌ، ورمياتُ نردٍ، إخترْ لغتَكْ. وافترقْنا لزمنْ.

كان شيءٌ يتشقّقُ فيه مثل جبالٍ من جليدٍ على وشك... تهيلُ في محيطٍ على وشكِ التصدّعِ... في روحه فتْح.
مرةً قالَ سورُ الصينِ وعيُ الإمبراطوريةِ بمحدوديّتِها، كان السورُ حجارةً تحتاجُ إلى خيالٍ مستديـــرٍ، كانقفالِ الأساورِ على الزندِ، قبلَ أن تصيرَ سوراً، أي فصلاً حجرياً بين الداخلِ والخارجِ  بين المنغلقِ على ذاتِهِ والمنفتحِ على سواه، والقطّةُ خارجَ السورِ، تَقَنَّعْ وصِرْ خارجَكْ ! تجاوَزْ، قالَ، ولا تنسَ تقدِّم البخورَ لهُبَلْ، الإلهِ القمريّ القديمْ.
وبعد رحيلِهِ كان يحتاجُ إلى قَتْلٍ مستمرٍّ، هذا الذي يسكنني مثل مملكةٍ ماطرةٍ مسيجةٍ بالحمامِ، ويتبعُني كذاكرةٍ، وله سطحٌ عميقٌ وبُعْدٌ واحدٌ، ويدفعني للبحثِ عن نظرياتٍ تفسّرهُ، وسألتُهُ مرةً كيفَ أبدو لهُ، قالَ: تشبِهُ طُرُقاً على بابي.
ولما رَجَعَ وصعدَ الدرجَ فتحتُ له البوابةَ، قالْ: جئتُ إلى بيتكَ الخالي على حافّةِ الليلِ، مدعوّاً بأعينِ ثعالبٍ صفراءِ، وبشمعةٍ تذوبُ، ولم تأتِ لي أبداً فأنتَ تتقنُ فنَّ الإنصرافِ، فتكوّمْتُ على بابِكَ كضمّةِ نرجسٍ تحتَ القمر، قلتُ لهُ يا سيّدُ أنا الشــاطيءُ اليابسُ الثـــابتُ الرملِ، وأشعرُ بكَ محيطاً هائجـــاً

متعكّـراً، والموجُ هو الموجُ ما يأتي إلى الشاطيءِ أنا مقيدٌ بالرملِ يا سيّدُ لا تحسدنَّ الشاطيءَ اليابسَ المقيدَ بالرملِ إنه يعجزُ عن المشيِ، وأنه العجزُ الجافُّ على حدِّ الزرقةِ، والحركةِ، المحيطُ يا سيدُ، قلتْ. قالْ: قالَ الشيخُ بن عربي "كلُّ سفينةٍ لا تجيئُها ريحُها منها فهي فقيرة"، نفخ اللهُ من روحِهِ فيكَ فروحُكَ من ريْحِهِ، أنفخ من روحِكَ في روحِكَ يا عبدُ، قالْ. "خَرْقُ العادةِ إن لم يصبحْ عادةً لا يعوَّلُ عليه"، قالَ، قالَ الشيخُ بن عربي. يا عبد أنت أسيرُ ما اعتدتَ عليه، أخرقْ ! قال، يا عبدُ تتكرّرُ في فمِ الزبدِ البحريِّ كلازمَةِ الأغنيةِ، قالْ، تكرارُك يا عبدُ لزومُ ما لا يلزمُ، غَنِّ، كُنْ عصفوراً من اللؤلؤِ، من يرث الصوتَ لا يحصدْ به عِنَباً ومن يرث الشوكَ لا يغتني يا عبدُ قالْ، إن لم تكن صدىً لا تُكرِّرْ ما قالَهُ غيرُك، يا عبدُ، قالْ
وتجلّى لي مولاي في أرضٍ  بين الصبحِ والحلمِ، بعباءةٍ مطرزةٍ بزهورِ النرجسِ، قالْ: يا عبدُ، هناكَ مرايا تستطيع أن تلفَّها على عنقِكَ كمنديلٍ أزرقْ.
وأنهارٌ تستطيعُ أن تحمِلَها في كفّيكَ كقلائِدٍ من خَزَفْ،
هناك من إن التقطوا حصاةً صارت فراشةً من خشبْ،
ومن إن التقطوا خشبةً صارتْ أغنيةْ،
يا عبدُ ما وطنكَ من وطنْ، هناك مساحاتٌ من الأرضِ هي مخطوطةٌ كتبَها اللهُ بحبرٍ سريٍّ والشمسُ والعشبُ والماءُ حبرٌ فاقرأ ! ولا تقلْ لي ما أنا بقاريءْ ! يا عبدُ ميِّزْ بين الموجِ والطميِ، بين الأفعى والإقحوانْ.
ينغلق الصوت كبابٍ من جليدٍ وينقفلُ كبيتِ شعرٍ أو مغارةٍ، بجملةٍ موسيقيةٍ أو بحجرْ، بورك الحبيبْ.
قَلِّبْ كلماتي تدرِكُ أين تقيمُ الأفعى،
عندما تغتربُ تتساقطُ يا عبدُ، وعندما تتساقطُ تتحوّلُ، والعزلةُ زنبقةٌ بيضاءُ ماطرةٌ للبعضِ، وللبعضِ لعنةٌ، بورك الحبيبْ.
من يُحَبُّ ويحبُّ ينجو من الغرقْ، يا عبدُ، قال.
وحدثَ لسكارلت ما حدثَ عندما غادرْ. وَقَفَتْ في شبّاكنا البحريِّ تغزلُ الغروبَ بإبرةٍ، وصلابةُ نهديها للريح، وامتدادٌ لمساحاتٍ أخرْ، في تلكَ اللحظةِ التي تيأسُ الروحُ فيها من ارتقاءِ القممِ فتكتفي بالتقاطِ الحُفَرْ.
وكانت تغني:
هو كان يبدو مثلَ سطحِ بحيرةْ
حين يصفعُها المطرْ
تركَ الوردَ على درجِ البيتِ ومرَّ مرورُ الخطرْ
أشعلتْ في موقدِ الحبِّ عشرينَ شمعةْ
وانتظرتْ حتى يجيءْ
لكنه لم يعدْ هذا الشتاءْ
ومرَّ المساءُ عليها كقطٍّ بريءْ
بقيَ الخونَةُ !
لكنها انتظرتْهُ
وحدَهُ،
كان يبدو مثل سطح بحيرةْ
حين يصفعها المطرْ
كان يأتي إلى شباكِها، كالقمرْ
وحدَهُ، حتى تنامْ.
خِفْيةً كان يمشي في حديقتِها
ثم يحرُسُها من حقيقةِ عالمِها وحقيقتِها،
وحدهُ،
كان أجملَ من سطحِ بحيرةْ
حين يغمُرُها الغمامْ.
كان يأخذُها كي ترى لحظةَ الشمسِ بين الصنوبرِ
أو في اخضرارِ الحمامْ
عرِفَتْ معدَنَهُ جيّداً
جيداً عرفت معدنه
بقي الخونةْ !
بقي التافهونَ المبتذلونَ  الخونةْ !
اللاقطونَ لبعضِ فتاتِ الموائدِ حتى يجيء السلامْ.
أشعلتْ في غرفةِ النومِ عشرينَ شمعةً
عصرتْ نهديها باليدينْ
عرِقتْ قبّةُ الحَلَمَةْ
من عصرةٍ أو عصرتينْ

قرأتْ شعراً من كتابِ النُّحاسِ،
فنَزَّتْ من العيِن دمعةْ
عندما ظهرِ الخونةْ
من مقطعٍ أو مقطعينْ.
بقي الخونة !
لكنها انتظرته وحدَهُ
كان أجملَ من مِجرَّةْ
في حُلمٍ
تختفي من غمزةِ عينْ
من قال هذا؟
أميراً كان في جهتينْ
للوردِ والحنّاءْ.
فتركتُها واقفةً في غروبِ الغناءِ لهُ وخَرَجْتُ.
أيامها كان الحصانُ الأصفرُ يرجعُ إلى سفحِ جبلٍ من ذكرياتٍ سحيقةٍ وبلاهاتٍ ريفيّةٍ إلى سفحِ الأفاعي الآمنةِ والينابيع البريّةِ، حيثُ تسبحُ نساءٌ عارياتٌ في ماءٍ باردٍ وصافٍ كالضّحكاتِ، ووجوههنَّ مرشوشةٌ بمساحيقٍ خضراءِ من الأحلامِ تنفعُ في تحنيطِ الفراعنةِ، يرجعُ إلى جبلِ القمرِ الذي تتعبدُ فيه أمهاتٌ مغلقاتٌ كقناني العطورِ بأحلامٍ مُنْكَرَةٍ ومكتومةٍ، يتضرَّعْنَ للهِ بقبضاتٍ منكسرةٍ كبرعمِ وردْ.
ومرة تبعني الحصانُ الأصفرُ بعصبةٍ حمراءِ مربوطةٍ حول جبينِهِ كَحِرْز. يلوِّحُ بسكينةٍ ـ فضةٍ طويلةٍ كريشةِ النسرِ التي وَرِثَهَا عن جَدّهِ الهنديِّ الأحمرِ لكي يستخدمَها في رسمِ دائرةٍ من الطباشير يجلسُ في مركزِهـا، كي تحرسَهُ، وفي استحضارِ أرواحِ محاربي القبائلِ القدماء. "هذه السكينةُ هي كلُّ ما تحتاجه في الغابةِ"
قالَ، "قالَ جدّي وقالَ بها أستطيعُ بناءَ كوخٍ من فروعِ الشجرِ والقصبِ للعزلةِ، وبحدِّها أستطيعُ أن أرسمَ دائرةً من طباشيرٍ سحريةٍ تحرسُ من يجلسُ في داخِلِها، وبها أقدرُ أن أقتلَ أيضاً، وأما حضارةُ الرجلِ الأبيضِ فزائدةٌ عن الحاجةِ".
والتقيتُ بهِ، ثانيةً، في مدينةِ سينسناتي، في شوارعٍ خاليةٍ مضاءةٍ جيداً تجتاحُها الريحُ بين ناطحاتِ سحابٍ جامدةِ الهندسةِ، وتبعني بسكينتهِ الفضةِ، متمايلاً من جهةٍ إلى جهةٍ، كقنديلٍ أخضر تلوح به يَدُ راهبٍ ليليّْ.
وقفتُ وحدّقتُ في عينيهِ، مباشرةً، فتوقّفَتْ الخطواتُ الصفراءُ، عيناهُ من الأخضرِ الداكنِ، حولهما من كلِّ ناحيةٍ صحارى تشبهُ صحارى البحرِ الميِّتِ بتلالٍ مغسولةٍ بالأبيضِ الصينيّْ، كقنواتٍ من زبدٍ مقمرٍ تنحدرُ نحو أوديةٍ من رماد ! ورأيتُ صغارَ البدوِ يتسلّلونَ إلى داخلِ كهوفٍ خارج الذاكرةِ لكي يبزغوا منها بمخطوطاتِ البحرِ الميّتِ للبرهنةِ على شيءٍ كالأبادةِ والحكاياتِ الشعبيةِ. كانت للأرصفةِ رائحةُ الجريمةِ، ودكاكينُ الألعابِ الكهربائيةِ تبيعُ جنساً وتخيلات. ناديتُ عليه "يا أيها الأصفرُ - الحصانُ فابتعدَ عني وهو يقولُ بصهيلٍ كالضواحي المهجورةِ" أرواحُ البحيراتِ هاجرتْ من عيني وعيناي مطاردتانِ من قِبَلِ جغرافيينَ في خدمةِ إمبراطورياتِ عصرِ الجليد.
جلسْتُ على الرصيفِ في إنتظارِ الفيضانِ أو الحمائمِ، عندما جاءَ هوَ، يضحكُ بعمقٍ على نكتةٍ ترويها عاهرةٌ مصبوغةٌ بالأزرقِ والأحمرِ، لكي تتجنّبَ شوارعاً مشبوهةً أخرى. "كيف حال سكارلت؟" سأَلَني وهزَّ يدي بعنف.

تركتُها في شباكنا البحريِّ عند الغروبِ، تحلمُ بأن يدخلَها ممثّلونَ إغريقيونَ قدماءُ لهم أقنعةٌ ذاتُ تعبيرٍ واحدٍ وأحذيةٌ ذاتُ كعوبٍ عاليةٍ كي نراهُمُ عن بعدِ قرونٍ، وهم ينتظرونَ بدءَ احتفالاتِ ديونيسيوس. ضحكَ وقال، "أذن هكذا يطفو سريرُك ليلاً على بحرِ الزمنِ، وأما هي فانْجَرَفَتْ نحو عصرٍ آخر؟" قلت أُخَمِّنُ ذلك. "أعتقد بأنني رأيتُها في جزيرةِ ليسبوس، أو كريتْ، قبل أيامٍ، وهي تنوي الذهابَ إلى مصرَ، حتى تحاورَ كبيرَ الكهنةِ هناك عن الخصوبةِ، وتشاهدَ مسرحيّةَ حورس بن إيزيس".
طبعاً ! أجبتُهُ، الأخُ يتزوجُ أختهُ في مصرِهَا هذه، هل هي تبحثُ عن أرضٍ من اللّذَّةِ أقدم من جزرِ الممنوعاتِ ونظام القرابةِ؟ ضَحِكَ وقال: "سكارلت في وجهها أمومةٌ وعاهرةٌ محاطةٌ بخيولٍ ليبية، ما قصدتُ الإهانةَ، هل أنت عاجز؟ "ورفع رأسه كرأسِ غزالٍ أحمرٍ، للأعلى"، وأكملَ: "إنها معتقلة في متاهةِ شعوبِ البحارِ التي تسكنُ المتوسطَ والسفُنَ، وتنتظرُ ضعفَ الفراعنةِ لكي تستوطنَ على ساحل غزة". قلتُ: وضعتَ دعواتِ الأدغالِ والنهورِ في قلبها، كيف سأجدُها ثانية؟

لستُ مخلّصاً قالَ، ولا مبشِّراً، ولماذا تسافرُ من هونغ كونغ إلى أصفهان فكيب تاون يا مستر كرتز؟ لستُ قزماً،قالَ، ولا مستوطناً ولا داعيةً لإمبراطوريةٍ جديدةٍ، جئتُ أستشرفُ الأرضَ وأعرفُ، هل هذا جديد عليكَ يا بائعَ الحريرِ والدُّمى القطنيّةِ؟ أنقِذْها من العمق، ناديتُ عليهِ، فضحك "لا يوجدُ عمقٌ فيكَ ولا فيها، الإنسانُ كتلة"، قال. هذا مجرَّدُ تعبير أنقِذْها !
"اللغة مهمّة ٌ، لا يوجدُ عمقٌ، أنتَ كتلةْ". هل تعلِّمني؟ "تتعلمُ منّي ومن الأرضِ، ولكن كإمبراطوريةٍ عبرَ الفِتَنِ والثوراتِ والتوسُّعِ  والجريمةِ والعنصريةِ والغزواتِ العسكريةِ والسيطرةِ على مساحات ليست لك والله أعلمُ ماذا أيضاً. الحكمةُ والمأساةُ في وطنِكَ توأمان" وأنتْ؟ "علومي فرحَة". صفّقتْ لهُ العاهرةُ المصبوغةَ بالأزرقِ والأحمرِ، قائلةً لهُ: فلنذهبْ إلى المعبدِ الأبيض. " فلنذهب "، قال، فقالت لهْ: أنتَ إلهُ المطرِ. ورأيتهُ يبتعدُ ويهتزُّ تحتَ الريحِ والأضواءِ في الشارعِ كزيتونةٍ لاهي شرقيةٌ ولا غربيةٌ بعد أن صافحني بحرارةٍ، قائلاً، "بالمناسبةِ، ألم تلاحظ بأننا تعارفنا؟" وأحببتهُ جداً عندها، لِمَ تعرّفتَ عليّْ؟ سألتُهُ، فأجابَ ضاحكاً " كلُّ ما يستحقُّ الحياةَ يستحقُّ المعرفة حتى أنتَ ! "قلتُ لهُ بأنني قابلتُ الحصانَ الأصفرَ، فقالَ  "ياعبدُ آتيكَ بأشكالٍ شتّى". فذُهِلْتْ.
لم أُطِقْ أن أُهْجَرَ مثلَ موسيقىً حزينةً في ليلٍ حزينٍ بتطرفٍ فتبعتُهُ، وكانت موسيقىً كهذه تأتي من تحتِ أرضيةِ المعبدِ الأبيضِ وكأنما من عالمٍ سفليٍّ فيه سجناءُ للآلهةِ مقيَّدونَ بسلاسلٍ من ذكرياتٍ من العصرِ الحجريِّ في غرفٍ لها رائحةُ كهفٍ مضغوظةٍ من رياحٍ ذهنيةٍ خامدة.
وشعرتُ بأن مسيحاً مصلوباً فقطْ يمكنُه فهمُ موسبيقىً كهذه. "اللهُ يسكنُ في قلعة ٍمن جليدْ" قالَ، فقلتُ له وللهِ وجهٌ برتقاليٌّ، فقهقهَ حتى دمَعَتْ عيناه. جميلٌ منكَ، جميلٌ أن تتعلّمَ الفرحةَ والإرتجالَ عندما تخلقْ. ودخلنا إلى دهليزٍ منحوتٍ في الحجرِ، فيه ترتعشُ شعلةٌ حمراءُ باهتةٌ، ويسيلُ شعاعُها على جدرانِهِ كالعرقِ فيبدو كرحمٍ من ورقٍ في نصٍّ ما بعد حداثيّْ، يفضي إلى قاعةٍ فارغةٍ فيها لوحةٌ لأُنثى ذاتِ شفاهٍ شهوانيةٍ حمراء مسيطرةٍ على الوجهِ، غليظةٍ، ومغلقةٍ بقفلٍ من جديةٍ قديمةٍ، كرنينِ جرسٍ على شاطيءِ بحرٍ ليليٍّ من لذّاتِ أُميّةٍ ممنوعةٍ أن تَقرأ أو تُقرأ.

شعرُها كان طويلاً، أسوداً، مثل شلالٍ جَمّدَهُ القمرُ، وعيناها واسعتانِ، فيهما مسافةٌ من الإصفرارِ والأخضرارِ، تمتدُّ في حِدّةِ النظرةِ المركّزةْ. كانت اللوحةُ منجذبةً إليهِ، وتتابعهُ أينما ذهبَ، أو هكذا شعرتُ، فقال تعرفتُ عليها في حياةٍ سابقةٍ، تشبهُ مفهوماً أفلاطونياً، نساءُ الأرضِ ظلٌّ لها أو ظلٌّ لظلِّها.
لا أدري، كان غريباً مجهولَ الأصلِ، كما قلتُ لكْ، وقالَ بأنه من زاغروسَ، وعندما تقصّيتُ أكثرَ قال من الجبالِ، وتجنّبْ.جاءَ عابراً أوغندة، عبرَ قبائلِ الوجوهِ الماطرةِ التي ترسمُ بالحبرِ سماءً ماطرةً وتحفرُ وجوهاً مقنّعةً على ظهرِ أيدي رجالِها الذين يغنّونَ حتى لا تحزنَ روحُ الغابةِ، جاءَ في نهرِ الكلامِ كبحارٍ صعيديّ، وكسائحٍ وقفَ أمامَ معبدِ الكرنكِ في الظهيرةِ والصحراءْ بحثاً عن بوابة الصمت.
أيامَها كانت الأشياءُ أكبرَ منا، والسدودُ لا تمنعُ الفيضانَ، ولاحظتُ أنه جاءَ منحنياً كقوسِ قُـــزحْ، وقد لَوَتْهُ الجاذبيةُ، ومرّ متخفياً تحت شباكنا المضيءْ، وعندما خرجَتْ سكارلت لحديقةِ القصرِ بحثاً عنهُ وجدَتْهُ معلّقاً في الجوِّ مثل مواءِ القطط. وأحياناً كان يبدو على الدرجِ كقطٍّ أسودٍ بعينين حادّتين، منفيٍّ ممنوعٍ من الكلمةِ، متوتّرٍ كـــروحٍ مائيةٍ مسّتْها الكهرباءُ. وفي الآبارِ المهجورةِ والدورِ المسكونةِ في أصفهانَ، حين يمرقُ الملهِمُ، وذاك قمرٌ بأربعةِ ألوانٍ، رُبْعُهُ أحمرٌ كالشفقِ، وربعهُ أسودٌ كحجرٍ، وربعهُ أبيضٌ، والأخيرُ أصفرُ، كنا نسمعُ صوتاً يتلو آياتٍ من مخطوطاتٍ قديمةٍ، بلُغةٍ مسماريةٍ ربما، وكانت سكارلت تتعرّى، وتلتفُّ بثوبٍ بأربعةِ ألوانٍ، الأحمرُ يدلُّ على المجوسِ، والأصفرُ على اليهودِ، والأسودُ على حجرٍ، والأبيضُ على الملهِمِ، وتخرجُ بحثاً عنهُ كما يبحثُ المُسْلمُ عن كعبتِهِ، وكانت هذه بدايةُ الإشراقِ والمتاهة.
وسرعان ما أدركْتُ ضرورةَ مغادرةِ أصفهانَ، فقد أصبَحَتْ تضاريسَها لا تُحْتَمَلُ، والهواءُ كان دافئاً والبحرُ ساجياً، ومناسباً للسفر، قالت سكارلتْ "الرغبةُ في تغييرِ الجذورِ ملقاةٌ الآنَ في قواربِ فينيقيـــا، لا تنظرْ إلى الوراءِ، فالموجُ مناسبٌ، وما تبقّى هُراء".
 وسمعتُ، منحدراً إلى الشواطيءِ، بين مغائرٍ تلمعُ فيها عيونُ الدراويشِ، مخلوطةً بقناديلٍ وشموعٍ مرتجفةٍ، عن أميرةٍ مسحورةٍ إلى طائرٍ في غابةٍ زرقاء، قلتُ لعلها طائرُ الفينيقِ، وتيمّنتُ بكونيَ منحدراً نحوَ قواربِ فينيقيا.

كان الشاطيءُ حروفاً مكتوبةً للتجارةِ بها، ولم اكن أملكُ لغةً أخرى، "فإن الأرض توَرَّثُ كاللُّغة!"وأحزنني السّمَكْ، كان القمرُ أميلَ للإزرقاقِ الكالحِ الذي يقتربُ بعد غسلهِ من الفضّةِ الباهتةِ، ولا صوتَ هناك، سوى صوتُ ريحٍ ذهنيةٍ، ولا موسيقىً ولانحتْ، وكان الشاطيءُ يشبهُ أرضاً من الأرابسك، ساجيةً كمرآةِ رخامٍ، مزينةٍ بكتاباتٍ عربيةٍ كوفيةٍ وغيرِها، وبوردٍ في غايةِ الصفرةِ، وهندساتٍ زرقاءِ وخضراءِ، كأنّني أدخلُ بدايةَ اللهِ، وأما البحرُ فعاديُّ البحريةِ.أكان هو يدافعُ عن نبعٍ أم عن رخامْ؟ وفي وسطِ البحرِ جزيرةٌ مشمسةٌ بعد مطرٍ ناعمٍ، فيها صنوبرُ العزلةِ وسنجابٌ بنيٌّ طويلُ الذيلِ مذهولٌ بالفيءِ يأكلُ ما أنبتتهُ الأرضُ، هل كان هذا السنجابُ قلبي، أم مجردُ وهمٍ يشيرُ إلى لذّة؟ لا أدري، فكمـا قلتُ لك، كانت الإشارات عن قدومِهِ تكذبُ حيناً وتصدقُ حيناً، والقمرُ بأربعةِ ألوانْ.وفجأةً من الأفقِ رأيتُ رجوع الأساطيلِ القديمةِ، ونساءً بصنادلِ جلدٍ لها أحزمةٌ كالحةٌ تلتفُّ على أفخاذهنَّ، يلبسنَ بياضاً يُظهرُ أكثرَ مما يخفي، محارباتٍ ربما، بأقواسٍ وجُعَبِ سهامٍ ومشاعلٍ وسعفِ نخلٍ، ورأيتُ خلفهنَّ رجالاً مفتوليْ العضلاتِ، لفحتهُمُ شمسُ الذكريات المختفيةِ، نزلوا يتنادونَ كأمبراطوريةٍ واسعةِ الأرجاءِ تخفي مطامعها بحبِّ الإستطلاعْ.
ورأيتُهُ هو بينهم، الوحيدُ الذي يلبسُ لِبْساً عادياً، بمعطفٍ وقورٍ وقديمٍ، ويدخّنُ الغليونَ، أهلاً، قالَ لي ، منحنياً نحو جهة الإفتراقِ، سألتُ هل انفصلتَ عن القطيعِ؟ قال بأن حرفَ النونِ في وسطِ "أنا" هو بدايةُ ونهايةُ "نحن"، وهو يفضلُ الحاءَ التي تشبهُ الطوطمَ. ولم يكُ يدري بوجودِ دياناتٍ توحيديةٍ، ما عدا ديانةِ أخناتون، فقال بأنه.. وضحك. وقالَ جاء "من بلدٍ تتاجرُ ببضاعةٍ غريبةٍ: بتوابيتٍ فيها حروف" قلتُ في ساحلِ فينيقيا تجارةٌ أسوأُ بحروفٍ فيها توابيتْ، فضحكَ، غاسلاً وجههُ بالهواءِ والبحرِ تطهّراً واستغفاراً، قالَ "القناعُ الأوّلُ، هذا زمنُ القناعِ الأول". ولم أفهمْ، ربما كان يتحدث عن رقصاتٍ طوطميةٍ، فيها الهنديُّ الأحمرُ والأخضرُ يؤمنُ بأن جدّتهُ سلحفاةٌ وأمهُ قوقعةٌ. قلت تبدو غربيّاً، تتكلّمُها بطلاقةٍ، وحدثته عن جمالِ اللغةِ في القرآنِ، قال "ربما بنفس المعنى الذي يتحدثُ الله لكم فيه بالعربية، هل اللهُ عربيّْ؟"
واعتبرتُ هذا إلحاداً، فنفى أن يكون مؤمناً، أو ملحداً، أو مثقفاً أو إلهاً، لكنه علّقَ بأن تجارتنا نحن العرب، قديمة، وسألني من أيةِ قبيلةٍ كنتُ، قلتُ من بني تميمٍ، فضحكَ، ربما عليّْ. وسجد على الرمل وقبَّلهُ. "الرملُ كَوْن"، قال.
ونَحتَ طوطماً دهَنَهُ بالأحمرِ والأزرقِ، له عيونٌ خشبيةٌ، واعتذرَ لأنه لا يستطيعُ نحتَ العينِ ذاتِ الجفونِ المعدنيةِ، وزرعَ الطوطمَ في الرملِ وقالَ "هذا ينفعُ في بني تميم" ولحقَ النساءَ وتركني في حيرةٍ. ولما ذهبَ بدأ الطوطمُ يتحركُ، ويصفِّرُ في الريحِ، ويغمزُني، خفتُ من العزلةِ ومنهُ، ومن البحرِ والقمرِ، وتمنيتُ لو أستطيعُ أن أرى الخشبَ خشباً، وهذه ليست عادةُ عَبَدَةِ الطواطمِ. فتعرّيتُ تماماً، معتقداً بأن ثيابي ملـــوثةٌ، وغرزتُ قدميَّ في الرملِ، معتقداً بأن جذوري راسخةٌ في روحي، وقبضتُ على سيفيَ الخشبِ، وفتحتُ عينيَّ بحذرٍ، حتى لا يفاجئني شيءٌ. وعندما كنتُ واثقاً من نفسي بالضبطِ بدوتُ كطوطمٍ آخر فقط، حتى أنني كنتُ الطوطمَ الوحيدَ في هذه الشواطيءِ الخاليةِ من المعنى، "ليتني أرى الخشبَ خشباً"، قلتُ. "عندما ترى الخشبَ خشباً تراني في وطني"، قالَ، وصوتُهُ كان صفيراً في الريحِ، ومرّتْ رؤيـــا في ذهني: رأيتُ سكارلتْ، زوجتي، تدورُ في غرفةِ النومِ، ليلاً، حاملةً قنديلاً، وشعرُها في هواءِ النافذةِ، بحثاً عن شيءٍ، ورأيتُ أنها تحتاجُ لكتفٍ تُريحُ عليه رأسَها لو لساعتين على الأقلِّ. الحياةُ مجموعةُ أشياءٍ صغيرةٍ وبسيطةٍ، ورؤياي صغيرةٌ وبسيطةٌ، وخَجِلتْ.
ورأيتُ قاراتٍ تسحبُها قواربٌ من ورقِ البُردى نحوَ الغروبِ في الهاويةِ، قاراتٍ مسكونةٍ بشاماناتٍ وغاباتٍ، ورماةِ سهامٍ، وعائدين من حربِ طروادةَ، وتجار نُخّاسٍ، ولا أرى إلا قاماتهم الغامضةَ تعبرُ في مدى الشفقِ كتشابيه شعريةْ. وتداعى الشعرُ كقاراتٍ، وتأخَّرتْ قواربُ فينيقيا، وكذلك الكلماتُ. "خيالٌ شرقيٌّ"  وقال "إفتحْ يا سمسم ! خيالُك مغلقٌ كالبابِ إفتحْهُ!". قالَ هناك "منطقٌ في النونِ وفي الخشبِ، وهناك أشباحٌ تعملُ في عرضِ الأزياءِ". أغمضتُ عينيَّ لكي أرى الساحلَ الذي انزَرَعْتُ فيـه، أحياناً، قالَ، لكي نرى يجب أن نكفَّ عن الرؤيا. وهكذا رجعتُ مع الأساطيلِ إلى الرملِ، المستقبلُ تفسيرٌ آخر، قالَ، قلتُ، ومن هي سكارلت حتى تكونَ مستقبلاً لطوطمٍ مثلي؟ يا عبدُ، قالَ، أنت من وطنٍ لا يقتنعُ فيه خالقٌ بمخلوقاتِهِ، وصاحبُ الناقةِ فيه مُلْكٌ لناقتِهِ. وبكيتُ: كان الشاطيءُ يبدو منديلاً رمادياً ألقتْهُ هنا عرّافةُ القمرِ كي أرى شيئاً غيرَ ما يجبُ أن أراه، وكان البحرُ نرجسةً ضخمةً ممتدةً لكي تحجبَ الأفقَ أو تحوّلهُ في عينيَّ إلى شيءٍ غيرَ ما يجب أن أراه، وبدأتُ أحسُّ أن العالمَ وهمٌ، حالةُ روحِنا تقْلِبْهُ وتتقلّبُ معهُ، حرباءً تخفي نفسَها عن صياديها. "بدايةُ العشقِ يا عبدُ" قالَ. كان الساحلُ أسوداً كلوحةٍ بالفحمِ، وكنتُ أرسمهُ. "واللونُ نقدٌ للكلمة، ذوِّبِ الكلماتِ كملحِ البحرِ في البحرِ، وأرسمْ بالأزرقِ والشفقيِّ ساحلاً لروحِكَ". قلتُ: اللسانُ نقدٌ للأعيِن أو تكملةٌ لها. قال أصمت وأنظر ! تلك بدايةُ العشقِ يا عبدُ، قالَ، وصوتُهُ كان ضوءَ قمرٍ متجمّدٍ بين النجومِ قالَ تحسّسْ جليدَ الصوتِ قالْ، وقدَّمَ صوتَهُ لي كنرجسةٍ في فمِ حصانٍ رخام. "حياةُ الصوتِ نرجسةٌ و أغنية"، قالَ، وفاضتْ الموسيقى الرخيمةُ حتى صارَ البحرُ سيمفونيــةً، قال العشقُ بدايةُ العشقِ يا عبدُ، قال " شِمّْ النرجسَ يا عبدُ، فالعَبَقُ نقدٌ مغلقٌ أمامَ بوابةِ العطرِ"، الآنَ أكملتُ الرسالةَ فيكَ حتى يبدأَ اللفظُ الأقدسُ، يا عبدُ" قال "وتلك بدايةُ الذبذبة"
كنت أتلقّى وكان النهرُ يصبُّ فقالَ "الجذورُ لها أكثرُ من اتجاهٍ، كالبحرِ والنرجسِ" قال "توزَّعْ بين الحدائقِ من أصفهانَ إلى بِنْتِ جُبَيْلَ، وتركّزْ! فالإحساسُ بالتوزيعِ عِلمٌ يا عبدُ" قال "وأما التركيزُ فغيبٌ". يا سيّدُ
قلتُ له تاجرتُ في سوقِ بغدادَ، بالتمرِ حيناً وحيناً بالحريرِ، سلكتُ طريقَ القوافلِ حولَ بخارى وسمرقند، ولم أتجنّبْ سوقَ المألوفِ، ويا سيّدُ نحن ككلِّ الناسِ وجدنا التجارةَ بالذهبِ والدمِ فتاجرنا، ولنا أهلٌ وبلادٌ يا سيّدُ، نحزنُ مثل بقيةِ خلقِ اللهِ، ويؤلِمُنا أن الخطى تنفصلُ كأنهارِ الخرائطِ، ياسيدُ، وجدنا الحياةَ فعشناها ومن كُتبتْ عليهِ خُطىً مشاها، نحن هذا الغروبُ - الإناءُ وكلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ يا سيدُ، ولا يكلّفُ الله نفساً إلا وسعها، قال "كلُّ مدينةٍ مركبةٍ من مدنٍ عدةٍ، وكلُّ لوحةٍ بألوانٍ عدةٍ، هل تصرُّ على العيشِ في بغدادَ واحدة؟" قلتُ نعم. قال "هذا سببُ غربتِكَ عن سكارلت، إنها تحيـــا في بغدادَ أخرى"، وسألني عن أحوالِها، لم أدرِ أيَّةَ أحوالٍ سألَ عن.. أأحوالِ سكارلت أم بغداد؟
حاولتُ أتبعهُ وأحدد أصله وأمكنةَ إقامتهِ، وبحثتُ عنه، ماشياً على شواطيءِ بحرِ أيجةَ، متَّجِهاً نحو طيبة مصر، ووجدته، قال "لا أخيطُ الجثثَ مثل إيزيس ولا أعيدُها للحياة، ولا أقطعُ جسدَ الإله وأنثرُهُ بين القصبِ في مستنقعاتِ النيلِ لأحكمَ مصرَ كلها، ولا أسرقُ تراثَ مصرَ وأنسبهُ للإغريقِ، ولا أنا معنيٌّ بأن أحدِّدَ أين تبدأُ أثينا وتنتهــي الكرنك. أوديب رأى عندما فقأَ عينيهِ، ترون ما ترون وأرى ما أرى، يا عبدُ" قال. "يا عبدُ إن تذكرتَ نجومَ الوادي الميّتِ صارت ذاكرتكَ وادٍ غيرَ ذي زرعٍ، وخطاكَ حبالٌ تشــدّكَ، أحياناً، نحو ماضيكَ، وإسمُكَ خطرٌ على جسمكَ، غيّرْهُ، يا عبدُ" قال "العائلةُ سحرٌ أسودٌ، والأبُ والطائفةُ سحرٌ أسود، كذلك الطبقةُ والوطن، وكل سحرٍ أسودٍ يستهدفُ تشريطَ روحِكَ والسيطرةَ عليها كي تصيرَ وادٍ غيرَ ذي زرعٍ، يا عبدُ، الجسدُ أساسٌ، والوعيُ شهابٌ عابرٌ في أفقِهِ، لا تكن فظّاً معك ولا مع ما صاحَبَتْكَ من الكائناتِ، يا عبدُ، لا تَغرَقَنَّ في الحياةِ بحثاً عن أنثى، وأغرقْ في الأنثى بحثاً عن الحيــاة، وكل روحٍ ذكرٌ وأنثىً، فلا تنكر  الأنثى التي فيكَ أو الذكرَ الذي فيك، وكلُّ حبيبٍ إشارةٌ لســـواهُ، نظرياتكَ يا عبدُ سحرٌ أسودٌ، وأراؤكَ حجارةُ شطرنجٍ، إفتح اللهَ ككتابٍ من المرايا وانظر نفسكَ كما تتجلى فيها."
قــال. "أيها الطفل ماذا ترى؟"
"وكان التلُّ أكثر علوّاً من الكلامِ، وللحجرِ بكاءُ الأنبياءِ، أنحنى على زهرةِ الحجرِ، مسحَ غباراً شفيفاً فصار الحجرُ درجاً، رسمَ قوساً ودخلَ، طالعتهُ صبيةٌ مليحةٌ تمدُّ إليهِ ذراعيها، وعلى كتفيها تنسدلُ البحيراتُ القرمزيةُ، والبساتينُ المتصلةُ بنوافذِ السماءِ، لمحَ في عينيها باباً، رسمَ قوساً ودخلَ، فانهالتْ حولَهُ الحيواناتُ الزرقاءُ تحتكُّ بجسدِهِ، وتخترقُ قميصَهُ، للحيواناتِ قرونٌ طريةٌ تأخذُ شكلَ قناديلٍ وأصصِ أزهارٍ، وكانت في صدِرها طُرُقٌ، رسمَ قوساً ودخلْ، فتتقاطرَ حولهُ سربٌ من الشحاريرِ الفضّيّةِ تدسُّ مناقيرَها في ثنياتِ سروالِهِ المهلهلِ تخدشُ جبينَهُ بمخالبِها، وفي قَصَّةِ شعرِهِ تبني جسوراً، خاضَ في نهرٍ غزيرٍ من الزنابقِ فيما كان الدمُ الغريبُ حتى الوحشةِ يغطي مقلتيه، رسمَ قوساً ودخلْ، حتى وصلَ إلى حيثُ قادتهُ الحجارةُ..."
( الجواشن، قاسم حداد وأمين صالح )
أصغى وأطرقْ، حدّقتُ فيه: وجههُ لم يكن ثابتاً، حيناً كان يبدو مَصْنَعاً بقبابٍ ملونةٍ بالأخضرِ والأصفرِ والبنّيِّ تعلوها أعمـدةُ رخامٍ مربعةٍ يخــرجُ من نهايتِـهـــا

سعفُ نخلٍ أخضرُ، وحيناً آخرَ انفجاراً هندســياً، بلّورةً بألفِ وجهٍ، لوحةً تكعيبيةً، بملامحٍ من سطوحٍ وجنائنٍ مربعةٍ ومثلثةٍ ومستطيلةٍ صفراءِ  وخضراء وزرقاءِ، ولا تتصاعدُ كحَبْكةِ دراما قديمة، ولا تتابعُ كنغمةٍ في الريحِ نازلةٍ إلى المغربْ. وأخيراً رأيتُهُ، عيناهُ فحميتـــان، فيهما بياضٌ حليبيٌّ بالغَ الصفاءِ تسافرُ في أفقهِ خطوطٌ من الصفرةِ الصافيةِ تتجمّعُ في الزوايا، تحت الجفنِ، مبللتانِ بدفءٍ يترغرغُ كالدمعةِ حيناً وحيناً يجفُّ، وحولهما، في المحجرينِ، تجاعيدٌ تنكسرُ حينَ يضحكُ، فتنخلقُ هندسةٌ تتشكلُ باستمرارٍ، فشعرتُ في عينيه بغابةٍ مطروشةٍ عروقُها حتى النصفِ بالأبيضِ، خلف عروقٍ مرشوقةٍ بالأصفر والبنفسجيّْ، تفضي نحو غروبٍ من موسيقىً ومستنقعاتِ قصبٍ خلفها المجهولُ. وشعرهُ فيه شيبٌ يُجْبِرُ على التأمّلِ في معنى العمقْ.
قال بأن الوحيَ بدأ بالنزولِ عليهِ في بدايةِ السنةِ الأربعين بعد الطوفانِ، وقبل سنةِ الثلجِ، حسبَ تقويمِ فلاحي فينيقيا، وقال بأن هناك شريطاً من النجومِ، بعرضِ عدّةِ أمتارٍ، يلتفُّ حولَ الكونِ كأسوارةٍ، أقدارُنا حُفِرَتْ فيها حَفراً، وتبدو كالطَّرقِ في النحاسِ الأحمرِ، وفي مرحلةِ الإلهامِ تقرأُ ما هو مكتوبٌ في هذا الشريطِ، فالنحّاتُ تنحتهُ قوةٌ أخرى، والمغنّي نايٌ في يدٍ غامضـةٍ تعزفُ عليه، والوعيُ قلمٌ في يدِ قوىً أعلى تستخدمهُ لكتابةِ مذكراتِها. وفي زمنِ الحصانِ الأسودِ يخرجُ العقلُ من كهفهِ، ويسيرُ كالسلحفاةِ تحتَ القمرِ الجبليِّ تبحثُ عن مساحاتٍ في الخارجِ تكفي للإقامةِ فيها، وأما في زمن الحصانِ الأصفرِ فيرجعُ العقلُ منهكاً تحتَ القمرِ المنهكِ فيدلُّهُ القلبُ على المركِزْ.ولم نفهمْ عليهِ، فقد كنا شِلّةٌ من تجّارٍ من طنجةَ وسمرقندْ وبخارى، نكلّمُ هذه الجاريةَ ونلغَزُ تلكَ، بأثوابِنا الموشاةِ بالذهبِ، وأحذيتِنا التي تشبِهُ قوارباً مرصّعةً باللؤلؤِ ولها عيونٌ من اللؤلؤ كعيونِ حرباءٍ بـــارزةٍ، ونتاجرُ بكل شيءٍ من الحريرِ حتى كنوزِ توت عنخ آمون، ونتّصلُ بالعصاباتِ في فيلم "المومياء" لتهريبِ آثار مصرَ، وعادةً ما كنا نجدهُ جالساً عند البوابةِ الشرقيةِ في ساعاتِ الغروبِ، حيث كلّمَنا عن نزولِ الوحيِ عليــهِ. سألناه عن الزمنِ في وطنهِ، قال بأن الروزنامةَ القمريةَ تتبعُ حركاتِ القمر، والتقويمَ الشمسيَّ يتبعُ حركاتِ الشمسِ، والتاريخَ الميلاديَّ حركاتِ المسيحِ، والهجريَّ حركاتِ محمّدٍ، وأما ساعةَ الظلِّ والرملِ، فتتبعُ حركةَ الرملِ والظلِّ على الرملِ وشمسِ الصحراءِ، فكلُّ زمانٍ يتبعُ مكاناً، وأنتم في زمن التجارةْ.
وسمعتُ صراخاً غامضاً فهرعتُ إلى قصرنا في أصفهان، فوجدتُ سكارلت جالسةً على درجاتهِ تحتَ القمرِ، وتقرأُ في الرملِ وتضربُ بالحصى، وقد صارت عرّافةً من عرافاتِ دلفى أو أوروكَ، وحيّرني التحولُ فيها فاستفسرتُ منها ولكن عبثاً، فلم تعد تجترُّ الماضي ولا معنيةً بتفسيرِ ما حدث، عندما صارتْ ترى ما سيصيرُ وأما ما صارَ فدائماً خطرٌ، قالت. لم تكُ هي هي، وكنتُ أبدو غريباً عليها، حتى أنها نسيَتْ كيف تعرّفتُ عليها و أين، وكان ذلك في طيبةِ مصرَ، وبدَتْ، جالسةً على درجِ الرخامِ، بثلاثةِ أو أربعةِ وجوهٍ، الأولُ أصفرُ والثاني أحمرُ والثالثُ أبيضُ والرابعُ أسودُ، فاحترتُ، قالت بأن القمرَ كان ربّةً أنثويةً قبلَ عصرِ الذهبِ الذي سيطرَ فيه العضوُ الذكريُّ على التاريخِ، شعرُها، لاحظتُ فيه ضرباتُ فرشاةٍ خضراءُ، ممزوجةٌ بصفرةٍ كالحةٍ وبأبيضٍ طبشوريٍّ، وكلما حاولتُ أركّزُ في عينيها شعرتُ بضربٍ من الدَّوَخَانِ، كانت لها أوجهٌ عدةٌ، أو هكذا شعرتُ، وتبدو وكأنها تصعدُ من البحرِ، وتتحكّمُ في حركاتِ المدِّ والجزرِ وسرعةِ نموِّ النرجسِ، قلتُ زارَها وبدأ يقلبُ عالمَها ويحرثُهُ ونويت على..لا أدري.. فلنقلْ نويت على..
وسألتُه ماذا فعلتَ بسكارلت؟ فتلفّظَ بكلماتٍ مغبَّرةٍ كمرآةٍ في إطارٍ من الأبنوسِ أمامَها شمعةٌ في كنيسةٍ قوطيةٍ رطبة. "سكارلتْ الأولى انتهتْ، وتلك بدايةُ الإلهامِ، يا عبدُ"، قال "انتقلتَ من التقليدِ إلى التجديدِ، كنتَ تستألفُ فصرتَ تستغربُ، من هنا فصاعداً الأشياءُ حرباءُ تتقلّبُ وتننقَلِبُ، وروحكَ حرباءُ أخرى تنقلبُ وتتقلّبُ معها، وقصرُك في أصفهان سجنُك وستهجرُهُ، سافِرْ، يا عبد" قال  "قال الشيخ بن عربيّْ السفرُ ثلاثةٌ، سفرٌ منهُ، وسفرٌ إليهِ، وسفرٌ فيهِ، وهذا السفرُ فيه سفرُ الحيرةِ والتيهِ، وسفرُ الحيرةِ والتيهِ لا غايةَ له. فافهمْ: السَّفَرُ غايةُ السَّفَرْ".
وفي الطريقِ إلى طنجةَ حلَقَ شعرهُ، ولبسَ عباءةً صفراءَ، وسحبَ ناقتهُ في الغروبِ، وكان البحرُ ساجياً والهواءُ ساخناً، واعتقدتُ بأنهُ يتْبعُ طقوساً أو فلسفةً خًفيّةً، ولما سألتُهُ قالَ أفعلُ ما يُريحُني، مظهرهُ نزوةٌ أكثرَ منه قيمةً، صدفةٌ أكثرَ منه ضرورةً، وقال "لستُ نبيّاً ولا إلهاً ولا فيلسوفاً ولا شاعراً ولا صاحبَ الناقةِ " وهذا ما بدا لي بالضبطِ كفلسفةٍ، قالَ " النادِرُ للنادرِ".
وجلسَ تحتَ النخلِ والقمرَ وأزاحَ يدهُ فانمحى أفقٌ وأرجَعَها فتساقطَ تمرٌ كثيرٌ، وأشعــلَ ناراً، وخفتُ من البحرِ ومنهُ، وجههُ كان عباءةً سوداءَ، بحجمِ الأفقِ، كستارةِ مسرحٍ تنسدلُ، في داخلها شفقٌ بحريٌّ، ونوارسٌ وقواربٌ من حجرٍ، ويتكسّرُ مُصدِراً  موسيقىً تشبهُ أوهاماً عدة، قال "الساحلُ هذا الساحلُ حلقةٌ في سلسلةِ الذهبِ المخفيةِ"، ورفعَ يديهِ للقمرِ الذهبيِّ كمن يصلّي وقال له "لا أستطيعُ العيشَ كظلٍّ لشيءٍ أو لأحد". ونهضَ إلى ناقتِهِ وسحبَها وتركَني فتبعتُهُ، قال: "إبقَ هنا يا عبدُ إبقَ هنا وأحْذَرْني قبل أن تتبعني".
وحلمتُ بهِ وغرقتُ فيه. كانت فيه غاباتٌ تغري بهبوطِ الظلمةِ والعنفِ، ومطرٌ من الدمِ على شجرٍ مغسولٍ بالدمِ ناديتُ على الببغاءِ ذاتِ العينِ الحمراءِ، أنهِضي عالَماً من أنقاضِ عالَم، وأضيئي بعينيك طريق الآلامِ لأعودَ منهُ، لأعودَ منهُ. كررت الببغاءُ: أنهضي عالماً.. من.. عالمٍ لأعودَ منهُ لأعودَ منهُ لأعودَ منهُ...
أعطِني الحكمةَ والإستطاعةَ لتكمِلةِ الجملةِ، جُملةِ القولِ، وجملة الأشياء، فالجَمَلُ المحمّلُ بالوردِ إلى مكّةَ يقتاتُ على الشوكِ طوال الطريقِ أعينيهِ على أن يقتاتَ على الشوكِ طوال الطريقِ وأن... وحمَلْتُ أمتعتي وتبعتُهُ حتى وصلنا طنجة.
وزّعتُ ملامحي وتبعتُهُ، كبياضٍ يرغبُ في أن يصيرَ لوحةً تكعيبيّةً، كنتُ الأولَ في النفيِ والمنفى فصرتُ دليلَ القافلةِ العائلةُ أتركْ العائلةَ يا عبدُ قالْ. فمِلتُ عنهُ إلى عرّافةِ طنجةَ أستطلِعُ أمري، قالتْ: يا ولدي في أربعيناتِ عمـــركَ
سوفَ تتركُ وطنكَ إلى وطنٍ أجنبيّْ، ستغيبُ طويلاً، طويلاً جداً، تَنسى وتُنسى، وتَنفي وتُنفى، ولما ترجعُ رجعةَ أساطيلٍ قديمةٍ من بحرٍ قديمٍ جداً إلى بحرٍ أقدم منه، عندها سوف يبدو لك ماضيكَ أقدمَ من العملةِ التي بين يديكْ.
كان في طنجةَ استأجرَ بيتاً. وأما البيت الذي استأجَرَهُ على حافةِ المدينةِ في منطقةٍ متطرِّفةٍ، والذي يبقى مضاءً بشموعٍ ذهنيّةٍ خافتةٍ، خلفَ جزُرٍ متأخِّرةٍ، فكانت لهُ قوّةُ الحافّةِ نفسَها، إذ كان على أوّلِ الجرفِ، قوةُ شبابيكِهِ المفتوحةِ في آخرِ الليلِ رهيبةٌ، قوةٌ تشبهُ الإحساسَ بانعدامِ الجذورِ، وبأن الروحَ هواءٌ هائمٌ كالنمرِ في جبلٍ مهجورٍ من موسيقىً صوفيّةٍ، وكأن الشبابيكَ تطفو مخلّعةً على هديرِ البحرِ. لم أنمْ، وطغى عليَّ إحساسٌ غريبٌ بشيءٍ معلّقٍ في اللامكانِ، عندما دعاني إلى بيتهِ. كان يقفُ في آخر الكلامِ، ويغلي القهوةَ، وكأن التوتّرَ وطَنَهُ الأمُّ، مصرَّاً على أن يتشبَّثَ. والشجرُ يا إلهي كم كانَ مُظْلِماً !.
كنتُ قد سمعتُ عن منطقةٍ كهذهِ من أهلِ طنجةَ ومْليلَة  قالوا بأن الأرضَ لها طاقةٌ توقظُ قوىً نائمةً في العمقِ، تبعدُ السَّمَكَ عن الشاطيءِ، وتدلُّ الطيورَ على إتجاهِ الرحلةِ في البحرِ، قوىً سحريةً تشبهُ الإتصالَ بمخلوقاتٍ لا تُرى وتساعدُ على الخلقِ، ويستحضرُها من يقدر أو يعتقدُ أنه يقدر على التحكم بما تستحضرهُ الشعوذةُ، وقالوا ايضاً لا ! هي قوى تشبه الإحساسَ باللاإقامةِ، أو برهبةِ الأماكنِ المقدسةِ، ولا أدري، قدرُكَ أن تحيا خائفاً، قال لي، وضحكَ، ومشينا على حافةِ الجرفِ، لم أرَ البحرَ ولكن سمعتُ الموجَ في العالمِ السفليّْ.
"إما أن تقبلَ العالمَ أو ترفضهُ"، قال، "القبولُ به ورفضهُ حالتا روحٍ"، قال، وثرثرنا كثيراً، ولا أنكرُ: أحسستُ بالطوقِ. ولحقتهُ للمطبخِ، كي أشربَ فنجانَ قهوةٍ، فلم أجدهُ، بل وجدتُ ورقةً كُتِبَ عليها: "قد لا أعودُ فاحتفظْ بالمفتاحِ"، ولم يزل هذا المفتاحُ معي، ثقيلٌ حداً، من حديدٍ قديمٍ، مربوطٌ بسلسلةٍ ضخمةٍ، وأعلّقهُ في عُنُقِ ناقتي، والضخامةُ لا تُغْري، كان مُعلمي في أصفهان، وهو شيخٌ من قُمْ، من أتباعِ جَلالِ الدين رومي، يقول: "لا شيءَ أثقلَ من هيجانِ الناقةِ في كابوسٍ، ولذا لا أمانعُ في حبِّ فراشةٍ بيضاءٍ، لا أدري لا علاقةَ بين حجمِ الشيءِ وبين حبنا له، فكرتُ في سرَّ عشقِ المصريينَ القدماء للكتلِ الضخمة: الأهرامات، مثلاً، وعِشقِ بيكاسو للنساءِ اللواتي يظهرنَ ككتلٍ لا تتزحزحُ، وللثيرانِ الأسبانيةِ، رُبَّما أن شيخي في قُمْ كان يحبُّ الفراشةَ البيضاءَ نتيجةً لخفّتها، من يدري، وكنتُ بين الهرمِ والفراشةِ،"
حالات روحٍ، قالَ لما فاتحتهُ في الأمرِ روحٌ ! روحٌ ! روحٌ ! سئمتُ هذه الكلمةَ، قلتُ لهُ فضحكَ، وقالَ "لا مانعَ من استخدامِ لغةٍ توحي بما لا تقصُدُه" وودّعتُهُ "نصفُ السرِّ في المفتاحِ، قال، والباقي في البوابةِ"، وسحبَ يدهُ من يدي فلم أجدهُ، بل وجدتني قابضاً على بنفسجةْ.
كنا قبلَ أن يأتي، سكارلت وأنا، نسكنُ على حافةِ البحرِ في طنجةَ، في الضاحيةِ المألوفةِ، وكنا نعرفُ السكانَ هناك ونسكنُ لهم ونسكنُ معهم، وكانوا وكنا مثل بقيةِ خلق الله.
ودب داء الترقّبِ فينا جميعاً، وفي الضاحيةِ، فجأةْ. لم نعُدْ ننامُ، وصِرْنا نفتحُ الشبابيكَ على بحرٍ رماديٍّ، وقمرٍ متصلّبٍ في الريحِ، ونترقّبُ حدوثَ شيءٍ ما، وعيوننا مستديرةٌ كخواتمٍ صفراءِ، وكأنها رُسمتْ رسماً على ورقِ وجوهِنا، ونسمعُ صدى خطواتٍ ليست من الضاحيةِ، ولا من الذاكرةِ، بل من المستقبلِ، وكأن الضاحيةَ مطوّقةٌ بجيشٍ من خطواتٍ مشلولة.
وصرنا نشيبُ، رجالاً ونساءً، والصغارُ يشيبونَ قبل الرابعة، لا نضوجاً ولا كبَراً، بل من لعنةِ الترقّبِ، ولم نعد نستطيعُ النومَ في تلك السنة، ربما لأن الدولةَ بدأتْ بطباعةِ عملةٍ ورقيةٍ عليـهــا وجهٌ أجنبيٌّ من جهة، وصورةُ البحرِ من الجهةِ الأخرى، فصرنا نسهرُ في الشبابيكِ وننظرُ إلى جهةِ البحرِ، مترقبين حدوثَ شيءٍ ما، ولم يحدث شيء، وضمرتْ عضلاتُنا وشابَ شعرُنا ولم يحدث شيء، والقمرُ لم يعد يغيبُ، بل يتصلّبُ ويتكررُ، حتى شعرتُ بأنه أُلصِقَ بالذاكرةِ، والأشياءُ لم تعد تتغيرُ، بل تتنمّطُ وتستمرُّ في الوجود، كالمستحاثاتْ، ومع الزمن نسينا أكثرَ من لغةٍ، ورؤوسُنا تتدلى تعباً من الشبابيكِ كالسجادِ الإيراني الذي يتدلى من بلكوناتنا ليغسلهُ القمرُ. وعزوتُ ذلك إلى تغييرِ طرق التجارةِ نحو رأسِ الرجاءِ الصالح، مما حرمَ البحرَ الأبيضَ من موقعِهِ، وأكسبهُ هذا الخلاءَ الواسعَ فيه، بلا سفنٍ ولا تجارةٍ ولا جديدٍ البتة، موجُهُ يتكررُ وكلّهُ، وصرنا نغفو في القمر، ورؤوسُنا متدليةٌ كعناقيدِ الموزِ الصفراءِ، وصار النخلُ يميلُ على الشاطيءِ، تحتَ هواءٍ خفيٍّ، وكثرتْ الإشاعاتُ عن مطرٍ مختلفٍ، وعن سنواتِ إلهامٍ، وعن غرباء زرقِ العيونِ اخترعوا حصاناً خشبياً، وعن أغربةٍ سوداءِ تحطُّ على النخلِ قريباً.
وأخيراً رأيناهُ يتسكّعُ على الشاطيءِ، ويدخّنُ غليونَهُ التركيَّ، ويصفّرُ أسماءَ نساءٍ عرفهنَّ في وطنهِ الأصليِّ، وكلما لفظَ إسماً حلّقَ الإسمُ فصارَ فراشةً ذهبيةً تطيرُ تحتَ قمرٍ قديم، أو طائرة مـن ورقٍ ملونٍ تصيرُ طيــوراً من الذهبِ الأخضرِ، جداً تلمعُ بحدّةٍ في الوعيِ. قلنا ساخرين: هذا هو جيمس جويس طنجة ! وعما قريبٍ  سنرى مجلداتٍ عن  اليقظةِ، مجلداتٍ متفككةٍ عن تجربةٍ مفككةٍ، وفعلاً في تلك السنة، في شباكهِ المضيء على الحافةِ، كنا نرى كتباً تزيدُ وتنقص حسبَ زمنِ المدِّ والجزرِ، وحوله، على مسافة ميلين، عجائزٌ بأسنانٍ من البلاستيك، وبعصي للمعاقينَ لا تُستخدمُ أبداً. بعضنا كان يلعبُ الشطرنجَ ليوحي بأنه يختارُ خطواته، وبعضنا نسيَ ما تعلّمهُ عن الشعرِ والموسيقى والفلك، وبعضنا كان يحلمُ بتحويلِ الضاحية إلى دولة، تحويل الشبابيك إلى شاشاتٍ تلفزيونية.
وعادةً ـ قبل أن يأتي ـ ما كنتُ أتسكعُ في باحةِ قصرنا، تحت أضواءِ النيون، حول عامودٍ مرصعٍ بالصدفِ الأحمرِ، وبأحرفٍ صينيةٍ، وأحرفٍ كوفيةٍ، تعلوه قرنفلةٌ من حجرٍ كيد من عطرٍ قديمٍ، كنت منهوشاً، ويسكنني الهاجسُ الغامضُ، وكان ذا قبل أكفَّ عن النزولِ إلى الباحةِ، حين انقرض المكانُ وتوحّشَ، وطاردتني المساحةُ، فلجأتُ إلى الجلوسِ إلى الشباكِ ومراقبةِ البحر، ووجهي مطرّزٌ بتوقعاتٍ غامضةٍ، وبأغنياتٍ شعبيةٍ. كان البحرُ يهدرُ كآياتٍ مكتوبةٍ بالماءِ في الماءِ لتقرأَها ربّةُ القمر، وروحي بحرٌ آخر، سبحانه  من مرجَ البحرين، بينهما برزخٌ فهما لا يلتقيان ! ولذا لجأتُ إلى الشباكِ ـ البرزخ بين البحريــن: بين التكرارِ الأبديّْ والحاجةِ للخلقِ، بين مدِّ الروحِ وجزرِ البحرِ، بين وجهي وبين قرنفلةٍ من حجرٍ هي وجهي الآخر.
جاءتني أمي في الحلمِ قبيلَ الصبحِ تجرُّ عربةً محمّلةً بالوردِ النديِّ ومشاعر ذنبٍ، عجلاتها إيقاعُ قلبٍ يخسرُ. قلت لها: علميني السفرَ بين الحلمِ واليقظةِ، بين القلبِ والفكرةِ، بين الداخلِ والخارجِ، يا مربّيتي على الجلسةِ بين الشبابيكِ ! فاختفتْ. ناديتُ عليها: بيني وبين ما أعرفُهُ،بين ما أعرفُهُ وما أفهمُهُ، وبينَ ما أفهمُهُ وما أشعرُ به، والعالمُ لوحةٌ باهتةٌ معلّقةٌ على جدرانِ الوعيِ، إرفعيني نحو أمومةٍ أخرى!
كان تمثالٌ لنمرٍ من حجرٍ منحوتٍ في وسطِ نافورةٍ في باحةِ القصرِ، تحت الشباكِ مباشرةً، وكان رأسَهُ الحجريّ مرفوعاً للقمرِ، عليه تهيلُ زخاتُ الماءِ، وبدا لي متجمداً في وثبتِهِ، مشلولاً كإرادةٍ نصف منجزةْ، منقوشة في الصخرِ، إرفعيني نحو إرادةٍ أخرى، يا سيدةَ النحتِ!
فكلما بحتُ بكلمةٍ، أدخلُ في حلمٍ يشبهُ الدَّوَار، فأكتبُ شعراً في الحلمِ على رملِ البحرِ، يذكرني به موج آخر لما أخرج من حلمي إلى حلمٍ آخر، موجٌ يشبه الدوار. وسنةً بعد سنةٍ، والحلمُ يتكرّرُ، والقمرُ يتكرّرُ، والأطفالُ يولدونَ بدونِ أدمغةٍ، وأنا ـ الجيلُ الأخيرُ في الضاحيةِ ـ كنتُ على وشكِ الإنقراضْ.
وعندها أتى، يتسكّعُ على الشاطيءِ، ويدخّنُ غليونَهُ التركيَّ، يسراهُ في جيبهِ وينظرُ للبحرِ، فنزلتُ إليه، خطوةً خطوةً، بحذرٍ، وسألتهُ بسخرية: منا وُلِدَتْ التراجيديا وإليكَ يتّجهُ الرقصُ، ماذا تقرأ؟ قال "كتابي نفسي". فعثرتُ على حجرِ الوردْ..