khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
 
نعيم الخطيب
ماري كاريما
نعيم الخطيب

مبتسمةً كعادتها، أخذت تبحلق - على غير عادة الغرب - فيّ وفي صديقي الملتحي، من مكانها في المقعد المقابل لنا في الحافلة. كانت وجهتنا واحدة: مسيرة للسلام والتضامن مع الفلسطينيين، أمام مبنى المحكمة، في الجانب الشمالي من سوق بيرل ستريت المفتوح، في مركز المدينة. إسمها ماري، وباستطاعتنا مناداتها كاريما؛ هكذا سمّتها صديقتها الشيخة فاطمة الأيرانية، صاحبة الجلسة الاسبوعية للطريقة الصوفية الحديثة.

لم يكن صعباً على ماري أن تكتشف باب بيتي، حيث أقيم مع عائلتي في سكن العائلات الجامعي؛ فهو على بعد خطوات من جامعة ناروبا للفنون الحرة والأديان (الجامعة الوحيدة التي تعلم البوذية في أمريكا)، حيث تأتي لتسمتع بالموسيقى والرقص. ولم يكن سكني بعيداً عن المكتبة العامة حيث تفحص بريدها الاكتروني مرتين اسبوعياً، أو عن مبنى البلدية حيث جلسة تشاركية مفتوحة للتخطيط الحضري، ولا عن سوق المزارعين الاسبوعي للمنتجات العضوية، ولا عن فعاليات ومؤتمرات وحملات تقيمها جامعة كولورادو مناصرةً للسلام والحب والبيئة والأرض والهواء، وتعبيراً عن الأمل لتطوير البشرية ومشاركتها لهذا العالم مع النبات والحيوان.

هي مسلمة، بالاضافة لأشياء أخري – على حد تعبيرها – تطلق على الله إسماً غريباً: ’الغموض المقدس‘. تزور الكنيسة، تتحدث لساعات عن الضوء الأزرق ودوره في علاج الآلام، وعن القوة العلاجية لعشبة جبلية أو زهرة ودورها في رفع الروح، تصلي مع طبيب أسنانها اليهودي ساعة لوداع ضرسها، تلبس قبعة قش كبيرة وفساتين مزركشة بأطراف مكرنشة كنساء أفلام الغرب، تسافر مسافات طويلة لأماكن برية مفتوحة في الجبل، إلى حلقة رقص، أو عزف على العود لعائد يروى شهاداته في العراق أو فلسطين. بيتها، تقول، هو ما تحمله في داخلها عند الترحال.

تهاتفني عادةً قبل قدومها، ولا تنقصها حجةً لزيارتي؛ تحضر معها مرةً قرصاً لألبومٍ بعنوان ’ماشالله‘، لمغني وعازف جيتار محلي يدعى وحيد الدين ريتشارد شيلكويست، ومرةً شريط فيديو لمخيم سنوي في الغابات لتجمع من الطبيعين يطلقون على أنفسهم ’قوس قزح‘، يغنون ويرقصون ويصلون من أجل السلام على الأرض. تحب الشاي بالمرمرية، وتعرفها جيداً. تخرج فرشاة أسنانها كل مرةٍ بعد تناولها للحلوى الشرقية التي تعدها زوجتي، وتستأذن لدخول الحمام؛ الاسنان تصبح رقيقةً، يجب رعايتها بعد الأربعين (الخمسين تقصد).

لها قصص غريبة في التهرب من التجنيد، والإعتذار عن واجبها في لجان المحلفين، وحقوق دستورية أخرى. هناك موازاة بين معاناتكم، تخبرني، ومعاناة قبائل الهنود الحمر هنا، لقد جردوا من انسانيتهم وورثوا الألم. تراها تجد العنف حتى في إعلان تجاري في التلفاز. طفولتها مليئة بالألم، والأسلحة، وأزواج أم تدمن الكحول، وأشياء أخرى لم تبح بها. أخبرتي عن إعجابها بشجاعتنا في تربية الأطفال، تكررها كل مرة تزورنا، قبل أن تودعنا برقصتها: تجمعنا في حلقة وتتقافز كطفلة (أجاملها أنا وزوجتي فيما يفرح ويشاركها الأطفال). عن أي شجاعةٍ تتحدثين يا ماري؟ في الشرق يحتاج انجاب الأطفال إلى وقت فراغٍ فقط، أما تربيتهم ورزقهم فتحصيل حاصل. تبتسم، وتكرر عبارتها.

تتحدث بخجل عن طفولتها، وتوقفها غصةٌ كلما ذكرت أمها؛ فماري لم تحادث أمها منذ أربعين عاماً!

أعطني رأسك كي أديره يا ماري، فنحن في الشرق، على خلافكم، نفكر من اليمين إلى الشمال. ألم تخبرك بهذا الشيخة فاطمة، قبل أن تختنقي بدخان بخورها؟ لن أعبث برأسك يا ماري، أعدك. قد أعيدها لك، فتكتشفين ورماً حميداً متضخماَ؛ تستأصلينه بجراحة ناجحة بعد ثلاث سنوات. أعطني رأسك يا ماري، وخذي رأسي رهناً.

أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن تقمطني بقماش أبيض خشية البرد، حتى قبيل دخولي المدرسة، فأصحو كالأنسان الآلي غير قادر على النهوض من السرير. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن أتسبب في حرق يدها فأهيم على وجهي طفلاً هارباً، فتكتوي بنارين. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن يقيدني رجال العائلة طفلاً في التاسعة، فيقوم أبو على الحلاق بفعله، فتداوي جرحاً يخجلني لشهور. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن تطالب أبي بتصديقي كاذباً بحجة أنني لا أعرف الكذب، فأنساه. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن ترافقني مريضاً الى امتحان بمشروب ساخن، فيشربه المدرسون. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن تعلمني حب الكتب وهي لا تعرف القراءة. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن أنام على رجلها يافعاً فتسقطني فتاة من عينها. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن تعلمني يافعاً أن الفتيات في سني يكبرنني بأعوام. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن تعلمني ناضجاً أن الفيتات المراهقات هن في سني. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن توبخني عندما أقذف الجيش بالحجارة من خلف جدران البيت. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن تسافر في الفجر من رفح إلى أبو قش كي تفاجئني وزملائي بوليمة مقلوبة، بعد اسبوع من أكل البيض المقلي بجميع أنواعه. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن تزورني في بلد آخر كل رمضان، فيكون صوماً مقبولاً. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن تحضر عرضاً مسرحياً لي في الجامعة، فيصلني همس ترجمة أبي الفورية لها من بين الجمهور. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن تختار لي عروساً، أراها بالصدفة ثانيةً، تلتقي عيوننا، فأقع في حبها من النظرة الثانية. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن تخبرني أن السيدة التي أتت لفكي مربوطاً لا تأخذ نقودها إلا على المضمون. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن تعلمني الحب، فتمنعني من الخروج إلى شجارٍ عائلي، كي لا أخسر ابن عمٍ لي إلى الأبد. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن تحب ابنتي أكثر مني فاشعر بالغيرة. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن أشهد جدلاً يومياً بينها وبين أبي، فآخذ جانبين. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن أحكم بينها وبين زوجتي، فيكون ثلاثتنا على حق. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن أتداول على باب غرفة أبٍ مريض إن كان قد جاء وقته. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن أعدها ببناء قبر أبي، الذي لا أعرف مكانه. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن أرفقها في المشفى في عنبر النساء، خفية وبتواطؤ من المرضى. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن تناديني في آخر أيامها بكنية أبي. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن أسمعها في فراش المرض، تتهيئ لمناداة احدى بناتي – كي لا تثقل علىّ أو على زوجتي – فاسرع إليها، فتبتسم وتظن الله أرسلني إليها لحاجة قبل أن تنطقها. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن أصاحبها إلى بيت العائلة، كي تموت هناك. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن تغيب، فألقنها نصف الشهادة على سرير الموت، فتعود كي تكمل النصف الآخر. أن تكون لكِ أم يا ماري، يعني أن أؤم في صلاة جنازتها، وصلاة الجنازة، يا ماري، هي أربع تكبيرات لا ركوع فيها ولا سجود، تقرأ فيها الدموع في التكبيرة الأولى، والثانية، والثالثة، والرابعة.

مرت أيام، وطال غياب ماري - على غير عادتها. قبل أن يأتي صوتها في الطرف الآخر من الهاتف متحشرجاً، مكتوماً. وساد صمت طويل ...
- "أخبريني باللهِ عليكِ، يا كاريما، كيف كان صوتها؟".


19 شباط 2010