khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
 
نعيم الخطيب
عصي نصك
نعيم الخطيب

عصيٌّ على الكتابةِ نَصُّك
وكيفَ لي أن أكتبَك؟
فأيُ نصٍّ سُينْصِفُك؟
صحيحٌ أنتَ
وكلُ نَصٍّ يُنَصِّفُك
فنِصْفٌ يُلَخُّصُني
ونِصْفٌ يَخْذُلُك

كيف لي أن أكتبك، يا أبي، وقد عز جميل قصصك؛ لم أسمعه منك، سمعتُه عنك فقط يا أبي. يا ليتك سمعت والدك يلهب حماس الجماهير خطيباً، هكذا قالوا لي. لم أسمعك ولم تخبرني. كنتُ أقرأ اسمك على جدران المخيم طفلاً: ’انتخبوا محمود الخطيب‘. أي أنتخابات كانت؟ حتى هذه لم تخبرني عنها يا أبي. ثم ما قصة أول زيارة لك لبيت جدي، بعد الهجرة؟ هل صحيح أنك قمت بكشط طلاءٍ كان يخفي معالم حريق الحرب والقلب في غرفتك، لتجد بقايا اسمك مخطوطاً بيدك، كما تركته يا أبي؟ هل كان ذلك الصك كافياً حتى يصدقوك يا أبي؟ أي عبق عانق روحك يومها، أي ذكرى أسقطتك مغشياً عليك؟ لماذا لم تخبرني عن حكاياتك في النجّادة؟ هل صحيح أنك كنت في جنوب فلسطين تؤمن الذخائر، حين كان عميَّ الأكبر يمتشق البرين فوق السطح، ورجال العائلة يجندلون جحافل الهاجاناه الزاحفين من البيارات المجاورة، فيردوهم مرتين قبل أن يحترق البيت والقرية؟ وهل صحيح أن الملك عبدالله كان خصم جدي في لعبة النرد؟ لماذا تركت أولاد الشوارع يقرعونني ويتهمون جدي، الذي لم أره، ببيع فلسطين. لقد كبرت لأعي أنه مات وحيداً في بيت قديم في شارع فقير في حي بائس في شبرا، ودفن في قرية المنيّر المنسية في محافظة الشرقية. هل فلسطين رخيصة إلى هذا الحد يا أبي؟

وحتى ما كررته مراراً على مسمعي، قد أكله عمرانا فتساقطت تفاصيله في بيوت عزاء رافقتك إليها خجلاً. لم أكن مغرماً بالموت يا أبي، لكني كنت منافقاً، مجرد مجاملٍ سيئ لك ولأصدقائك الراحلين. هل حقاً جلست في الصفوف الأولى في خطاب تأميم القناة؟ كيف بكيت رحيل عبد الناصر يا أبي؟ أتذكر يوم أن دخلت دبابات الجيش، فخرجت إلى الشوارع محتفلاً بجيوشٍ عربيةٍ منتظرة – كنت قد وعدت بها مريديك حتى صدقتها نفسك؟ لم يكونوا يتحدثوا العربية يومها يا أبي، جمّعوا الرجال في المدرسة الاميرية، ولملمت جثثاً مبعثرة للهاربين إلى البحر، أنت وآخرون توشحوا شعار الأمم المتحدة مقصوصاً من أكياس الطحين.
أتذكر يا أبي أيام الانتفاضة، يوم أيقظنا قرع الجيش كي نطفئ إطاراتٍ مشتعلةً، ونمسح شعاراتٍ كتبت على جدران بيتنا – سيئ أن يكون بيتك على ناصية شارعين في المخيم، والأسوأ من ذلك أن تجاور ورشة حدادة يطيب مخزونها لمتاريس الشوارع. لقد أمست عادة يومية. كشطنا الشعارات بالحصى أول مرة، وبعدها أمسينا نترك دلواً بجير مذاب قرب الباب قبل النوم، وفرشاتين جاهزتين. كان عملنا متقناً، يشرح قلب الجيش، ومن يأتي في الفجر كي يعيد كتابة الشعارات على خلفيةٍ بيضاء ناصعة. لقد وبختني يوم أن تحدثت مع جندي بعبرية ركيكة، تحدث بالانجليزية ومع الضابط فقط، أخبرتني يومها، لقد علمتني أن أتعلم لغتهم ولا أنطق بها. هل تذكر يوم أن دعيتَ قصراً لمقابلة مئير شطريت في زيارته لبلدية رفح؟ لقد خشيه الجميع يومها، سألتَه يومها إن كان مازال يحتفظ بالمعالق المذهبة التي كان يأكل فيها الحلوى المستوردة في زياراته طفلاً مع أبيه لجدي، زميله في قضاء الصلح في لواء الرملة. أتذكر جدالك مع حرس أبو عمار عند زيارته الوحيدة لمسجد العودة، لقد أخبرتهم: يا أغبياء أنه بحاجة لحمايتنا منكم. أتذكر عندما أخذت بيد الشيخ حسن الضرير ليصافح فيصل الحسيني لأنه أبن مناضل يوم افتتاح مطار غزة؟ أتذكر مصافحتك لنجيب محفوظ، عندما مرورك صدفةً في ميدان التحرير؟ لقد ترك من حوله يومها وتلقف يدك من خلف السياج مهنئةً باسم أهالي غزة. لقد كنت محدّثاً مشوّقاً يا أبي، تجيد صناعة السرد والدهشة. أتذكر مدير الإدارة الأمريكي في وكالة الغوث - حيث عملت سنوات طويلة مسؤولاً عن الخدمات والأمن؟ لقد كان يثني على تقاريرك وخاصةً محاضر تحقيقاتك، تتركه مع تفاصيل خلابة، ولا متهم. لم يفهموا حديثك عن روح القانون، عندما كنت تضع عملك على المحك تستراً على أحد الحراس أو الموظفين. هل حقاً عقدت صورياً على فتاة كي تساعدها في استيفاء أحد شروط العمل أو الحياة؟ هل حقاً تبرعت ببيت لنا في المخيم الغربي لعجوز أرملة، فتوارثه أحفادها؟

هل مازلت تذكر حكاياتنا معاً يا أبي؟ لقد كنت توهمني طفلاً أن الطعام وقود لسيارتي اللعبة. أتذكر يوم أن سجّلتني في الروضة؟ لقد تركتك طوال الوقت لأكتشف أرجوحةً معلقة. كنت تعيدني من بيت خالي في آخر النهار، مملّصاً أذنيّ على طريقتك. تأخذني لعملك فأصاحب أبو ابراهيم عامل مقسم الهاتف، نتواطأ معاً فنتنصت على الموظفات. أتذكر يوم أن وقعت عن سور جيراننا، فحملتُ وزني على كفي، فحملتَني للحولي أقدم مجبر في البلدة، حيث لبخة ’مربطارخ‘ وأعواد خشبية لم تتركني آثارها. أتذكر يوم أن دعيت لمصاحبة رحلة في مدرستي الثانوية؟ سامحه الله الأستاذ المشرف؛ أرسلني إلى الحافلة الأخرى لكي أنطلق، فأنطلقت أنت يومها، في رفقة الميكروفون صديقك. أخذت وقتي الكثير كي أصادقك يا أبي، يا خسارة الوقت، ويا خسارتي في موروث أكرره في أبنائي. أتذكر يوم أن مُنِعْت من السفر إلى بلد شقيق مجاور؟ وكنت في رفقتك وأمي، لملاقاة إخوتي وأخواتي في اجازة صيفية. لقد حزنت يومها أكثر مني. أتذكر يوم أن شاهدتني على خشبة المسرح للمرة الأولى؟ كنت تمازح الجميع، إنك اكتشفت للتو إنني أدرس المسرح. أتذكر يا أبي يوم صليت إماماً فينا جماعةً وأنت جالس على كرسي، فسهوت، وسهونا، لقد همس في أذني يومها شيخٌ أن أطالبك بعدم الإمامة لكبر سنك وضعف جسمك، أصابتني غصة يومها، ولم أخبرك.

سأحدثك عن أخباري يا أبي. فما زلت أحمل اسمين: إسم رسمي أسميتنيه تيمناً بأخٍ لك حديث الوفاة، واسم قديم يعرفه المقربون فقط، كنت قد أطلقته علىّ كي لا تعيد على مسامع جدتي في سرير المرض ذكرى ابن لا تعلم بوفاته. لازلت كسولاً في حلاقة ذقني مثلك. قد غزا الشيب رأسي مثلك أيضاً. جميل كان الشيب في أوائل العشرينات يا أبي، أما في أوائل الأربعينات فلم يعد كذلك. ما زلت أرى ملامحك في المرآة وفي بعض بناتي. لم أدخن ’كاميل‘ كما نصحتني - فقط بعد أن أكسب رزقي بيدي - فلا أدخن من مصروف حدّدتَ مصارفه. مازلت أحفظ نبي صفاتك، ما زلت كاتماً للسر يا أبي. سامحني لأنني لم أُسمِ أبنتي على اسم ابنتك الراحلة - كما تمنيت - لكنني اسميت ابني على اسمك، وشق توأمه على اسم أخ لك. ربما قد أخبرتك أمي بهذا. مكانك في الصف الأول في مسجد العودة بجوار المنبر لم يزل خالياً. أحاول جاهداً أن أفي بعهدٍ كي أحفظ ودك؛ ما زلت أقوم بجولةٍ طويلةٍ ورثتنيها في عيد الفطر وعيد الأضحى، أسقطت فقط عجوزتين العام الماضي لضعف ذاكرتهما، فما فائدة الزيارة يا أبي. أتَذْكر خطاباتَك، مجلداتِ الصور، بطاقاتك، أوتوغرافك، أوراق حياتك، أوراق تقسيم أراضي جدي بخط يده، مذكرة كنت تكتب فيها عباراتٍ تعجبك وتسجل فيها المشتريات أحياناً؟ كل هذا قمتُ بتجميعه يا أبي. فكان هدفاً سائغاً لأحفاد وحفيدات رفيقاتك اليهوديات، في كوبانية البنات القريبة من قريتنا في الرملة. جاحدات رفيقاتك يا أبي؛ لم يستأهلن زياراتك ونزهاتٍ تكرمت بها عليهن في سيارة جدي الأوزموبيل، فكم سيارة أوزموبيل كانت في فلسطين وقتها يا أبي؟ لقد تنكرن حتى لدعوتك لهن للرقص في ليلة عرسك، وحتى لدموع أمي على إثرها. احترق بيتي مع ذكرياتك يومها يا أبي. لا تحزن؛ فأنا لست حزيناً. عباءتك السوداء سلمت من الحرب، فأرسلتها إلى أخي البكر في عمّان. نعم لقد قمت بنفيها يا أبي؛ فالذكريات أكثر أماناً هناك في المنفى. ما زلت مخلصاً لك. فقط لم أزر قبرك؛ كبر فيّ الخجل أن أسأل عن مكانه. فمن لا يعرف قبر أبيه يا أبي؟

هلى أخبرتني، أكنت تمازحني عندما اخترت ذكرى نكبتنا يوماً لرحيلك؟ يا لثقيل مزاحك يا أبو الفتوح! يا لنكبتنا يا أبي! يا لنكبتي يا أبي!

أعتذر عن كتابتك ...
أعتذر على كتابتك ...


23 شباط 2010