khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
 
نعيم الخطيب
أحمر/أزرق، كيفك إنت
نعيم الخطيب
طال إغلاق أبواب جامعة بير زيت، على أصابعي العشر، هذا المرة. عام منذ بدء الانتفاضة. المكالمة الدولية إلى مصر، مجانية في رفح؛ صوت أخي - القادم من السعودية - يأتي من الشق الآخر من المدينة عبر السياج الحدودي ومنطقة عسكرية فاصلة. قام بترتيب أموري هناك، الجامعة الأمريكية في القاهرة. هناك واسطة ـ صديق قديم، محامي، يملك شركة للسياحة والسفر ـ لعبوري هذه المرة، لن أسمع كلمة مُرْجَعْ (بضم الميم وري الجيم، تفيد المنع من دخول أرض الكنانة بسلامٍ أمنين عبر أحد المنافذ البرية، أو البحرية، أو الجوية). شرطهم أن ترافق أمك بغرض العلاج. رافقتني أمي، وكشف درجات، وحقيبة ذكريات. إذن هذه هي القاهرة. منعت من دخولها ثلاث مرات حتى الآن. إقامة طالب غزي بغرض الدراسة في جامعة غير حكومية، كان أمراً مستحيلاً (قومياً ووطنياً يجب عدم تفريغ قطاع غزة من الشبان والحجارة). هناك واسطة أخرى لموضوع الإقامة (طبيب نساء وولادة، الطبيب الشخصي للسيدة الأولى، وسابقتها، بينه وبين ابن عمتي، السعودي الجنسية، صاحب المشفى الخاص، علاقة عمل). الطبيب أجرى مؤخراً عمليةً ناجحة لزوجة عقيد ركن أمن دولة. العقيد سيساعدني في حصولي على إقامة سياحية بغرض العلاج تجدد شهرياً، ويلزمها فقط تقرير طبي مقنع. أقمت في شقة جديدة لأخي في الحي السابع في مدينة نصر. الصباح فيها عمارات قيد الإنشاء وعمال بناء من الصعيد، أما المساء فنباح كلاب ضالة. الطائرات تهبط من فوقي، عبر نافذتي، إلى المطار القريب، على مدار الساعة. الطريق إلى الجامعة، سفر يومي عبر زحام وغبار القاهرة. القاهرة أشياء كثيرة: أقارب مصريين، وأصدقاء في جامعة عين شمس يمَسّون القاهرة ويصبِّحونها بالطرنيب. الحصول على الإقامة السياحية الشهرية، أمر يلزمه ادارة دقيقة. زيارة للطبيب في أي وقت بدون موعد، مكالمة للعقيد، صالة الانتظار في أمن الدولة، بطاقة زائر، مكالمة لعقيد آخر في الجوازات في مجمع التحرير، وصل تحويل عملة صعبة، تقرير طبي [مفبرك]، تقديم طلب في مجمع التحرير، تسجيل رقم الصادر، تبليغ المندوب، وارد لأمن الدولة، صادر للجوازات، ختم أزرق مربع على بطاقة منفصلة (القادم من غزة يحصل على بطاقة كهذا لتسجيل الأختام، يتم اضافة بطاقات أخرى عند الحاجة) ترافق وثيقة السفر المصرية (مستند كحلي اللون ذو أهمية عظمى، يطالب الدول الأخرى بتسهيل مهمة دخول اللاجئين الفلسطينيين، ويحمل ملحوظة على غير ذات الأهمية: "لا تمنح حاملها حق دخول جمهورية مصر العربية"). الإجراءات تأخذ ثلاثة أسابيع في أحسن الأحوال، فأتمتع بسبعة أيام من الإقامة الرسمية في القاهرة بغرض العلاج/الدراسة. مرت أيامي في القاهرة محسوبة بدقة: إجراءات الإقامة، معمل الحاسوب - ضباط الأمن يشددون على منع الألعاب، أصدقائي في الجامعة، منطقة النافورة، إجراءات الإقامة، زيارة قصرية لقريب، أبن خال لي وأصدقاؤه في جامعة حلوان، إجراءات الإقامة، الطائرات عبرنافذتي، الدراسة، الكلاب الضالة، مختبر الحاسوب، إجراءات الإقامة، المصطبة أمام المكتبة، إجراءات الإقامة، زيارة صديقنا الطبيب، - حيث مدام فوزية تعاني من وحام صعب، أصدقائي في الجامعة، مسرح الهاوارد، مساق في التمثيل، إجراءات الإقامة، منطقة النافورة، صديقي في جامعة عين شمس، إجراءات الإقامة، معمل الحاسوب - ضباط الأمن يشددون على منع التدخين، إجراءات الإقامة، مسرح الوالاس – دور في مسرحية حياة تحطمت لتوفيق الحكيم، منطقة النافورة، الطائرات عبر نافذتي، أصدقائي يغادرون في الصيف، ومرافقة الجامعة في فصل صيفي، إجراءات الإقامة ، مساق في المسرح، إجراءات الإقامة، النافورة، المصطبة، إجراءات الإقامة، الطائرات عبر النافذة، الكلاب الضالة. ختم الاقامة كان أزرقَ مربعاً. تعثر الاجراءات أو التنسيق أحياناً، كان يمنحني ختماً أخرَ أحمرَ دائرياً: اسبوع مغادرة (اخطار بالترحيل وضرورة مغادرة البلاد خلال سبعة أيام)، يتطلب زيارة الطبيب – مدام فوزية رزقت بتوأم، صالة الانتظار في أمن الدولة، فالعقيد، فزميله العقيد في الجوازات - في الطابق الأول في مجمع التحرير، في ممر في الجهة الجنوبية الغربية، ينتهي بغرفة حجز لمتخلفين عن الإقامة من الأفارقة والفلسطينين قبل ترحيلهم إلى اليمن أو السودان، عامل الكافيتريا يحمل أكواب الليمونادة، واسترحام، وارد، صادر، مندوب، ختم أزرق مربع. على مدار ثلاث سنوات: مربع، مربع، مربع، دائري، مربع، مربع، أزرق، أحمر، أزرق، أحمر، أزرق. صديقنا العقيد أقترح تقريراً طبياً طويل الأمد للحصول على فترة إقامة أطول. مما تطلب خبرة طبيب قبطي عالي التخصص، وعشرين جنيهاً، وفألاً بعملية غضروف معقدة في الظهر، يتبعها مضاعفات، وخطأ في العلاج، والتهابات مزمنة، وحاجة لستة أشهر من الراحة التامة في السرير. المخبرون في صالة الإنتظار في أمن الدولة هم أصحاب الوجوه الثابتة، أما البقية فكان أغلبهم ينتظرون لساعات طويلة، قبل أن يأتي رد الساعي: الضابط الفلاني في مهمة، غير موجود. كان أحد المخبرين ممثلاً مبتذلا،ً يكلم نفسه طوال الوقت. مرت الأيام، بلا رتابة رغم تكرر الأحداث: إجراءات الإقامة، معمل الحاسوب – أمسينا نتشارك سجائر المارلبورو مع ضباط الأمن، أصدقائي في الجامعة، منطقة النافورة، إجراءات الإقامة، الإيوارت هول، إجراءات الإقامة، مدام فوزية ترزق بتوأم معافى بعد عملية قيصرية، الطائرات عبرنافذتي، كاسيت جديد لزياد، الكلاب الضالة، مختبر الحاسوب، إجراءات الإقامة، المصطبة أمام المكتبة، إجراءات الإقامة، أصدقائي في الجامعة، مسرح والاس – ثاني أيام العرض، أدخل غرفة تغيير ملابس الفتيات، باحثاً عن مسحوق أسود، تعترض إحداهما فقط على أقتحام الخصوصية، فأنظر إليها في المرآة وهي نصف محتشمة، معاتباً بدوري أنني لا أنظر إليها أصلاً، إجراءات الإقامة، منطقة النافورة، صديقي في جامعة عين شمس. إلى أن اقترح عليَّ مقدمٌ آخر يعمل في أحد مكاتب الجوازات - وهو صديق لابن عمتي، السعودي الجنسية، صاحب اليخت في البحر الأحمر، بينهما علاقة عمل ـ أن أغادر البلاد، وأعود عبر منفذ جوي، فأتخلص من البطاقة المنفصلة؛ فيتم معاملتي كباقي الفلسطينيين القادمين من دول عربية أخرى. أحببت الفكرة. منحني ختماً مستطيلاً كبير الحجم (إذن خروج وعودة)، على الوثيقة هذه المرة. سهّل صديقنا المحامي، صاحب مكتب السياحة والسفر، حصولي على تأشيرة سياحية عند وصولي إلى أبو ظبي (عاصمة عربية، تم تخطيط شوارعها لاستيعاب نصف سكان الكرة الأرضية بعد خمسين عام، بعد انتقال النصف الآخر إلى كوكب مجاور). تعرفت هناك على ابن عم لي، وعمة لم أرها من زمن بعيد. لم تساعدني لغتي المكتسبة من الأفلام الهندية في الصغر على البقاء أكثر من ثلاثة أيام في أبو ظبي – كنت أعتقد في صغري أن أعطني قبلة، بالهندية، تعني هيا نغني. ختم أزرق مربع، على الوثيقة هذه المرة. عند عودتي، لم ير صديقنا العقيد الجدوى من فكرة سفري. ختم دائري أحمر، استرحام، تقرير طبي، وارد، صادر، ختم مربع أزرق على البطاقة المنفصلة ثانيةً. اقترح عليَّ صديقنا العقيد، اقتراحاً مغايراً هذه المرة: أن أغادر البلاد، وأعود عبر منفذ جوي، فأتخلص من البطاقة المنفصلة؛ فيتم معاملتي كباقي الفلسطينيين القادمين من دول عربية أخرى. أحببت الفكرة. فكانت العودة إلى غزة، ودخول القاهرة قادماً من عمّان عبر المطار. يالها من فكرة! رفح، كانت مختلفة هذه المرة، تقلص عدد الأصدقاء والأهل، والفضل يعود للجيش. لم يكن دخولي الأردن ممكناً دون بطاقة منفصلة أخرى (بطاقة جسور زرقاء لأهالي قطاع غزة)، وكذلك انتظار أخي (الأردني الجنسية) على الجسر. حميماً كان اللقاء، كريماً كان العقيد صديق أخي؛ سلّمني وثيقة سفري في يدي (وليس من غرفة تحمل رقم 21). عمّان، مليئة بزملائي من الجامعة، يدرسون مساقات مختارة في فصل صيفي في الجامعة الأردنية. لقاء حميم غير متوقع، رفقة لأعز أصدقائي من الجامعة. رفقة ابن أخي (يصغرني بعامين فقط)، إلى المدينة الرياضية. كان علىّ أن أسير بخطى واثقة عند دخول بوابة المسبح، كي يظن الحارس أنني أخي (يساعدني في ذلك كثير من الشعر الأبيض). لم تعد الشميساني محط اهتمام الشباب، هناك منطقة جديدة تدعى عبدون. ابن أخي يجيد التشحيط في سيارة عائلية صغيرة لا تصلح لهكذا أمر، نطوف سويةً حول منزل فتاة لم يحادثها قط، ولكنها وأهلها يحفظون لون سيارته جيداً. ابنة أخي (تصغرني بثلاثة أعوام) تستأذن من أستاذها في الجامعة للسماح لي بمرافقتها في محاضرة في الجامعة الأردنية أيضاً. تأكلنا عيون رفيقاتها، وأستاذها: عمّك برضه يا كذّابة؟ هاتفت صديقنا العقيد، فعقّدها. الوضع صعب هذه الأيام، لن يستطيع تدبير أمر اقامة طالب. غادرت مطار عمّان، مع ختمٍ أزرقٍ مربع على الوثيقة، كوصل استلام لعشرة دنانير: غرامة تأخير. في صالة انتظار الطائرة، زميل ورفيق سفر يستعير جريدة من ضابط الأمن السري، وعند صعود الطائرة لا يجده، فيطلب من زميله السري الآخر أن يوصلها إليه. كان في انتظاري في مطار القاهرة، ختم مربع أزرق: تأشيرة مرور 72 ساعة إلى غزة – التي قدمت منها لتوي، ستؤهلني لدخول القاهرة، والعودة إلى المربع الأول: تقرير طبي، وارد، صادر، مندوب، أختام زرقاء، يتخللها ختم أحمر، استرحام، تقرير طبي، وارد، صادر، مندوب، أختام، حمل جديد لمدام فوزية، الطائرات عبر نافذتي، أصدقائي، منطقة النافورة، معمل الحاسوب - أمسينا نتحدى ضباط الأمن في لعبة التيترس، الكلاب الضالة، مسرح والاس، مساق في التحليل المسرحي، صالة الأنتظار في أمن الدولة - جلست مقابل المخبر المستفز في صالة الأنتظار وقلدته باتقان، حتى تبسم، وكذلك بقية الضباط عبر كاميرات المراقبة، ختم أزرق. محاضرة في الشبكات - عميد القسم ضارباً مثلاً في وحدات القياس وتأثيرها، يسأل إن كان سقوط إلكترون على قطعة جبنة سيغير من وزنها، أجيبه بالنفي، لكنه سيغير من طعمها، أضيف. كنت مليئاً بالجنون والغضب. شنيروني! هكذا أخبرت السيد اللواء، مسؤول أمن الجامعة (والشنيور يعني المقدح في المصرية الدارجة، واللفظة هنا تفيد الخوزقة). متقلقش (بتهميز القاف)، أخبرني وصدّقته. أعطاني رقم هاتف بيته. يومها قررت منح نفسي حق اللجوء الآدمي في بلد شقيق. أعلنت حصولي على إقامة دائمة بغرض الدراسة، والحياة. زوجة أبن عم لي (مصرية) تهددني وتهدد ابنها بالترحيل، أهاتف السيد اللواء، فيؤكد متقلقش. أتعرض وأصدقاء لافتراء عائلة انتهازية في طريقنا إلى الأسكندرية، يساهم رواد المقهى المجاور جميعهم في ضربنا، أهاتف السيد اللواء من قسم الهرم، فيؤكد متقلقش. أقرر السفر جواً إلى الأقصر ثم رحلة نهرية إلى أسوان، في رحلة جامعية. الجماعات المتطرفة تضرب السياحة في الأقصر، أهاتف السيد اللواء، فيؤكد متقلقش. مر عامان: لا إجراءات إقامة، معمل الحاسوب - مارلبورو، أصدقائي في الجامعة، منطقة النافورة، لا إجراءات إقامة، الإيوارت هول، لا إجراءات إقامة، الطائرات عبرنافذتي، مسرح والاس، الكلاب الضالة، مختبر الحاسوب - تيتريس، لا إجراءات إقامة، المصطبة، لا إجراءات إقامة، مساق متقدم في التمثيل، منطقة النافورة، القاهرة ليلاً، القاهرة فجراً، القاهرة قلباً وقالباً... صديقنا الطبيب أصبح وزيراً، مدام فوزية تتابع حملاً آخر مع طبيب جديد، حصلتُ على إجازة دراسية في علوم الحاسوب – تخصص فرعي مسرح. حفل تخرج في قاعة المؤتمرات في مدينة نصر. حضرتك مُرْجَعْ! (بضم الميم وري الجيم، كما أسلفت، تفيد المنع من دخول أرض الكنانة بسلامٍ أمنين عبر أحد المنافذ البرية، أو البحرية، أو الجوية، وفي حالات نادرة تحدث فقط مع معثر الحظ مثلى: تفيد المنع من مغادرة أرض الكنانة بسبب التخلف عن الإقامة لمدة عامين). إنت بتهرج؟ سألني موظف الجوازات في المطار مغادراً إلى عمّان رجوعاً إلى أرض الوطن (التهريج هنا يقصد به الاستهبال، ومن المتعارف عليه أن أقصى درجات التهريج هي تهريج الزبالين؛ حيث يطرق أحدهم زميله بالجاروف على رأسه على سبيل الدعابة). لمغادرة البلاد (وهي ليست وكالة من غير بواب بالمناسبة)، لزمني الرجوع إلى جوازات مدينة نصر، حيث جهة إصدار آخر طلب إقامة قبل عامين، الملفات القديم لا تخزن، يتم حرقها كل عام. طالبت مدير الجوازات أن يتخذ ضدي أقصى العقوبات فيقوم بتغريمي وترحيلي. أنت حتطنطط؟ سألني غاضباً (والتنطيط هنا يفيد التحذلق). أرسلني معاقباً إلى مجمع التحرير، أعادوني لجوازات مدينة نصر، مجمع التحرير، مدينة نصر، المجمع، مدينة نصر، وهكذا على مدار اسبوعين، حتى تلقيت ختمين على الوثيقة هذه المرة: أحدهما دائرياً أحمر مألوفاً، وأخرَ جديداً، مستطيلاً أزرقَ صغير الحجم: "يمنع من دخول جمهورية مصر العربية قبل مرور ستة أشهر من تاريخه". 25 شباط 2010