khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
 
نعيم الخطيب
حساسين
نعيم الخطيب

تلف الفتاة الصغيرة فروخ الحساسين تحت ثوبها في حنو كلما لاحت ساعة سفر. توزع أخرى صناديق سجائر مهربة على المسافرين وتأخذ عناوينهم في الجانب الآخر من الحدود. تتواطأ تاجرة سمينة مع ليل سيناء فتبيع بضاعتها من أغطية خفيفة في غير وقتها، ومكانها. تبيع أخرى – أكثر سمنةً - أقراص جبنها، ومعلبات من أرق. شاب عائد بنصف عقل، ولا شهادة، يضربه الجنود الأشقاء بتهمة الهبل، ينهره المسافرون، يحتضنه شيخ وقور، يخرمش الشيخ، فيضربه الشيخ هذه المرة. تفترش النساء مصلىً صغير. قرابة الألفين من العالقين في صالة المغادرين في الجانب المصري من معبر رفح، يختلقون الحكايا، وينطرون الليل يسدل ذيولَ عقاربٍ ملسوعةٍ بسمها، وحقائبَ من ملل. يتقيئ المكان عبق آهاته، والدخان.

ينسل النوم من مقلتيّ لليلة ثانية، أجتر ذكرى مرةٍ سابقة، قاسمت فيها عجوزاً كريماً كرتونةً، ولحافاً من أوراق الجرائد، توسّدت حقيبة حاسوبي المحمول ليلتها، ونمت كطفلٍ حرٍ في بلادٍ حرةٍ لا تعترف بحدودٍ ولا معابر.

بالأمس نقدنا - رغم أنفنا وأشداقنا – سائق الحافلة إكرامية ترحيلنا، بعد ليلة قضيناها برفقة صراصير سوداء صغيرة، تحدت بقايا كرامتنا في غرفة منسية في مطار القاهرة القديم.

في اليوم التالي، فتحت لي طاقة فرجٍ ضيقةٍ، مع رحيل الحافلة الأخيرة. يكدّس سائق الحافلة ثلاث أضعاف حمولته من ركاب وحقائب، يدفعهم بظهره إلى آخر الحافلة. أهرب من إلية بقرةٍ، إلى الباب الخلفي للحافلة. اللحظة الأخيرة تخرج لي لسانها. تنغلق طاقة الفرج، ومخالب الباب على روحي، يتبعثر الهواء هارباً، أتنفس الموت، فأكاد أختنق. تسافر حقائبي، وأعود لليلة أخرى في رفقة الحساسين، وأقراص الجبن، والأرق. أحدهم يتخذني مادةً نضرةً لفكاهة الفجر. أي عاقل يضيع فرصته في الحافلة الأخيرة؟

صباحاً، أشق طريقي خفيفاً إلى الحافلة الأولى، أمتطي الحقائب في مؤخرة الحافلة، ألاصق السقف. تدوس أقدام الحافلة أرضاً قاحلة، يخرج صاحب إلية البقرة رأسه، ويهتف للمجندة الأسرائيلية: "راك حميشيم". تعرفه كاذباً، وتصدقه. يصرخ أحدهم، ويختنق صوته.

في الجانب الآخر، نتنفس الحرية، وجيش الإحتلال. يزقزق خصر الفتاة، فيتجمع ضباط الجمارك، فيفرّقهم رجل يقفز إلى جانبها، وفي يده قفص فيه زوج حسون أخرس. تصفّر سيارة الأسعاف، ألمح وجهاً مألوفاً، يتنفس قمعاً، أبتسم بمكرٍ شديد.


1 آذار 2010