khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
 
نعيم الخطيب
خانيونس
نعيم الخطيب

كئيبٌ خانُك يا يونس! لا طعم لبرقوقٍ في قلعتك. هل قذفَتْ شمسُ الصحراءِ ورمالُها القوافلَ على أعتابك؟ هل تواطأتَ مع تعب البغال وسقم الرجال؟

شوارع مدينتك ضيقةٌ كخُلُق جدّي. كان كاملاً هندامه، طويلاً سرواله، جوخاً قمبازه، عريضاً لاوندياً حزامه، مكويةً حطته، أنيقاً عقاله. ولكن خُلُقَه كان ضيقاً، لا يتسع إلا لكرسيٍ صغيرٍ بجوار سرير جدّتي، يجالسها لساعات دون أن تنبس شفتاه، يخرج كنزه/ساعته الفضية، يضبط عقاربها بطرف اصبعه بحنو، ويبرم زنجيلاها برفق، ويقفل غطاءها قبل أن يسكنها جيباً كبيراً في صدر قمبازه، ويشبك سلسلتها الطويلة في زر جيبه. من يزعج جدّي ولو دون قصد، يأخذ نصيبه من لازمته: "غُصّ بدنَك".

كئيبٌ خانك يا يونس! لا طعم لبرقوقٍ في قلعتك. نمطٌ يتكرر كل إثنين وخميس: يخرج أبو فتحي صباحاً إلى عمله في غزة مصطحباً رغيفه وأوراقه، فأحمل دفاتري وحقيبتي مستعداً لفترةٍ مسائية، وأركب وأمي سيارة الأجرة المشتركة إلى بيت جدّي في خان يونس. تغلق أمي غرفة جدّتي، تحممها في كرسيها المتحرك، وتلبسها ثوبها الأبيض، تخرجها إلى الشمس، حيث تسّرح شعرها الأصفر الخفيف، تشطف غرفتها، وتغسل ملابسها ومفارشها. ثم نعود إلى رفح قبل موعد المدرسة.

كئيبٌ خانك يا يونس! لا طعم لبرقوقٍ في قلعتك. غرفة جدّتي مساءً، فت الحليب بالقرفة، لمبة الجاز وخيال الحكايا في سقف القرميد. خزانتها الخشبية القديمة، تخبئ كنزها، هدية أمها لها في عرسها، طاقية مطرزة مشكوك بأطرافها ليرات ذهبيّة عثمانيّة.

صرت أجالسه فيحادثني عن تاجرين يهوديين، ميلم وقروزني، وبدويةٍ صغيرةٍ كانت تقابله خلسةً. أستجدي بمكر بعض التفاصيل عنها، فيكتفي بالابتسام ويعود لوعيه. قتل جدّي قلبٌ مكسور، وغصةُ بدن، حزناً على فراق جدّتي. كئيبٌ خانك يا يونس! لا طعم لبرقوقٍ في قلعتك.

"ياخويه .. يا أبو فتحي .. ياخويه"، هكذا يأتيني صوت أمي في كرسيّها المتحرك من الغرفة.

امنحوني جدّةً تمتهن الحكايا، أو حتى الكذب، وخذوا نصف عمري .. خذوا عمري كاملاً، وامنحوني صبر أمي على أمها.


13 آذار 2010