khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
ديوان نصوص لا علاقة لها بالأمر
هذا الذي لا نعرفه
 

إلى السيدة التي سارت على رصيف محطم فصار مدينة

سأبكي إذا تمكنتُ من ذلك: مقولتي كلما غادرتُ  المدينةَ وفي جسدي من الحزن والذكريات ما يساوي المجهول، يصطادني قناص اللغات فأقسم أن أغادر إلى الأبد، ولكني أعودُ كخروفٍ شدّه الجوعُ إلى حظيرةِ صاحبه الذي سيذبحه وينتهي الأمر، أعرف أن الموت أجمل أحياناً من  الجوع، لكن الأمرَ هنا لا ينتهي، بمعنى أنه لا ينتهي، لم يفاجئني السؤالُ الذي بحجم انهيارٍ جليديٍّ، أعرفُ إجابةً لجميعِ الأسئلة، لكنني غبيٌّ إلى حد أنني لا أفهمُ الأسئلة، وأحياناً لا أجدُ رأسي كي أفكّرَ في الإجابةِ، كلُّ المدنِ عاهرةٌ، كلُّ الكتّابِ حمقى، أما العالمُ فلا يستحقُّ سوى الإنصهار.
الأشياءُ لا تحملُ جنينَ حقيقةٍ واحدة، وعندما ينحني الموتُ كي يسردَ لنا سرّاً صغيراً، نهربُ كنملٍ فاجأته خيولُ الأنبياء، ماذا يظلُّ تحت قناع الرأسِ بعد الذي نهربُ منه؟ سنحملُ المسؤوليّةَ كاملةً عن حوادثَ مشابهة، ونلومُ وندخّنُ ونعشقُ ونموِّتُ كلَّ ما يقودنا إلى الموتِ كي نعزز جبننا.
تظلُّ المدن تخفي أسرارها وتضحك، مثلَ فانوسٍ في يد ولدٍ لا يعرفُ أن ثمةَ حقيقةً تحتَ رأسه، سأبكي إذا تمكنتُ من ذلك.. لمَ تركتَ المدينةَ وأنت كاتب السطر الأخير في المهزلة.. لأنني نصفُ حيٍّ ونصفُ ميْتٍ وبذا أنا نصفُ حقيقةٍ نصفُها الآخرُ عذابُ الوصولِ إلى الذي سيبقى، أما البكاءُ عند القدرةِ عليه، فهو سلّمٌ نحو السرابِ حيثُ يتمُّ النسيانُ مؤقّتاً.
المدينةُ لا تبكي على أحدٍ يبكي عليها، لا أجد البكاءَ عندما أحتاجُ المدينةَ فهي تختفي كدخان السجائر في العاصفة، يعبئ صدري صدى المأساة كبالونةٍ لم تجد دبوساً واحداً في فراغِ البلادِ، وهذا الفراغُ مجهولٌ كاملٌ كالروحِ والفكرةِ، أصبُّ فكرتي في هواءٍ عاجزٍ، تنمو كشيءٍ زائدٍ في مكانٍ مقلَّمٍ بفنيّةٍ عالية، أدعي المعرفة، أحفرُ صدري بسكينٍ صنعت من أشياءَ لها قدرةُ الذبحِ فيرجع الخط الذي كنا نسلكه جميعاً إلى بدايته وكأننا لم نقل شيئاً..
متى تحترقُ الأسئلةُ لنحترق؟
كنتُ أعرفُ أن النهايةَ مقدمةٌ جيدةٌ لأشياءَ غيرَ القصائد، لكني لم أفلت بعدُ من فكرةٍ تعضني،  ومن  مدينةٍ تعض فكرتي، أين المدينةُ على خارطة الذكرياتِ التي من حزنٍ ومدن؟ يكتبُ شاعرٌ دمعَه فلا يبكي، تطلُّ من عينيه المدينة، يلعقُ قطٌّ جرحاً قديماً في ساقِ سيّدةٍ عجوز.. تتململُ المدينة، ينسى حجرٌ عدد الذين  مروا  قربه.. ينهارُ وجهُ المدينة، تختفي أشجارٌ من الحواسّ اللاتي بعد الخمس.. تبكي المدينة..
المدينةُ.. الحزن.. الذكرى..
أشياءُ لا تشبه حقيقةً واحدة، لا تشبه ثلاث حقائق، لا تشبه حتى الذي يكتبها، هل تهربُ المدينةُ من عشّاقها نحو حضارةٍ لائقة؟ السؤالُ لحمُ المدينةِ حينَ تزدادُ عاشقاً، تصبحُ أكثرَ عدوانيّةً، أصغر من مواجهةِ ما سيأتي إن كان هنالك.
لندخل في ذات المدينةِ مقبرةً ما، هروباً من تداعياتٍ حافية، فوزٌ  حقيقيٌّ كلّ هذا الموت، من حافّةِ الهاجسِ الأول: نطقنا بأسمائنا  صراحةً ولم نخَفْ، قلنا إننا عرجٌ خفيفٌ في قدم المذبحة، فكنّا المذبحةَ وامتداداتها، تفرّقنا  العواصمُ كما الذرات التي أصابتها فجأةً طاقةٌ ما.. الوقت كله نقولُ ولا نسمع، نضطر لمقاطعةِ ما  نكتبُ من أجلِ قهوتنا الرخيصة، نحنُ أرخصُ كثيرا من الرائحة، لكننا  لا نخجل حين نتحدث عما عشقناه في قراراتٍ لم نتخذها.
المدينةُ ليست قرارنا، نحنُ قراراتُ المدن، ونحن عشاقها حين تقرر  ذبح نصفنا غير الجاهز للذبح، سأبكي عندما تكون لدي تعريفات كافية للبكاء، يخرجُ تعريفٌ واحدٌ صادقٌ إلى حد المهزلة: أننا  نفشل دائما في تعريف الأشياء.
الحزنُ حالةٌ كافيةٌ لاكتشافِ أننا لا نساوي ما يبدو أننا نساويه، الحزنُ حالةٌ أحياناً، وبلا معنى أحياناً أخرى، لم نتحدث بعدُ عما عشقناه ولم نتحدث عنه، هل كانت عيونٌ لها  اسم وتاريخٌ تمرّ فوق رمال الله  وجفن المدينة وخيالات الشعراء؟ إعتقدتُ أنكِ إلهةٌ فقط، لم أفكّر باتجاه مدينيتِك، عليَّ كلًّّّ الخطوات التي سارت باتجاه أجراس الترانيم، كان الوقتُ محشوراً كماءٍ في زجاجة، سمّيتِني شاعراً وقبلتُ الإسمَ على مضض.. حاولتُ أن أبرر حزني وأهجر ما لم تسأليني عنه، وقعتُ فوراً في المصيدة.. حالةٌ أخرى كالبكاء، يشبهها لكنها لا تشبهه.
عادةً يترجمُ الشعراءُ أحماضهم كلمات، أعوي أنا ولا أترجمُ كلابي كي تظلّ قدرتها على النهشِ كاملةً، فكيفَ جاءت فكرةُ الكتابةِ؟ نحنُ عشّاقٌ، لسنا عشاقاً، نحنُ عشاقٌ، لسنا نحن، وأشياء أخرى كثيرة تشبهنا ولا نشبهها.
لن أكونَ شاعراً كمفصلِ الشباكِ لدى جارتنا المدينة
لن تكون مدينةً حين لا يكون شاعرٌ يدعوها مدينة
لن يكون شاعرٌ إذا لم تكن مدينة ليدعوها مدينة
إذاً.. لا شيء يخلو من عبثيةِ المدن
إذا  قلت أحبكِ.. كم زهرةً ستنبتُ فوقَ الطريقِ الذي سيؤدي إليكِ بعدَ نضوجِ الفكرة؟ لو لم أقل ما أقله.. بأي وجهٍ سأمسكُ سيفاً لغوياً كان لأبي الطيب؟ إذا لم أقل لا أحبكِ.. هل كنتِ ستفهمين ما ترتبه  الشوارع بيننا قبل المساء بقليل؟
حين يزورني البكاءُ بلا موعدٍ يهطلُ فوقَ الورق، تربحُ الكلماتُ سيادتها فيما أخسرُ نصفَ فكرتي الذاهبة نحو الانتحار.
الدفاتر مرتّّبةٌ فيما الشعرُ مصفّفٌ كالطرق، وأنا عابرٌ لا يستعيدُ نصف الذكريات كي يستطيعَ السفر، أما الأسئلة.. فهي تسقطُ لحظةَ النسيانِ كما رأسِ النائمِ مرغماً..
نستطيعُ أن نغلِّفَ وجوهنا بأننا أسمى من كلِّ الأسماء، أما حين نكون وحدنا، نسقطُ في فراغِ وحدِنا وحدَنا.
ما زالت ـ عم نبحث ـ تضحكُ واثقةً أن كل الأسئلةِ ما زالت على خيرٍ تماماً..
دعيني أتحدث عن الموت  الذي بلا تاريخٍ أو حدود
دعيني أتراجع عن حديث الموت
سأقولُ للرفاقِ أن يقتربوا في ساحةٍ واحدةٍ لنجرّبَ طرق النسيان البكر، علنا ننسى أننا نسينا كل شيءٍ بدافع الجبن فتحولنا إلى شعراء بلغاتٍ لا نعرفها حين نكتبها، ولا نعرفها بعد أن نكتبها.
هناك حقيقة تشبه الحقيقة: [كل فنٍّ هو بكاءٌ بشكل ما] والخروجُ من معنى إلى حطام ليس سوى فكرة للنسيان تقرّبُ لنا الموتَ من زاويةٍ أقلَّ حضارةً مما يبدو في شكله النهائي..
أينَ تزرعُ الحضارةُ ساقيها النبيلتين؟
لماذا نشربُ كلَّ هذه الأسئلة حين ينام الناس مضمومين لأحلامهم كنفاياتِ اللغة؟
نحن أصغر من كل ذلك إذا تبجحنا وقلنا إننا عشاق لمدينة واحدة، لن نعرف السيدة  التي سارت على رصيفٍ محطّمٍ فصارَ مدينة.. السيدةُ المدينةُ أسلوبٌ للفكرة، ليست فكرة، السيدةُ المدينةُ حليبُ الحضارات..
الفكرةُ مشتركةٌ فيما بيننا، ولسنا إجابات عن أيّما أسئلة، سنمكثُ في كهفٍ يسمّي ما نحن فيه ضياعاً، وهي المدينة وحدها التي تصمت وتعرف، لا نعرف ما تصمته المدن ولا نؤجل رغبتنا في المعرفة، سندور حتى نسقط إلى أصل المعاني، نخلط العشق بالتدخين، بكوننا أنبياء عصرٍ لم يأتِ، لكننا سنعجز عن أشياء ثلاثة:
أن نموت كلما أردنا الموت
أن نبكي كلما أردنا البكاء
أما الثالث: فلا نعرفه كي نعجز عنه جيداً

     
عدد التعليقات 0