khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
ديوان كما تتغير الخيول
المدن في غيها
 

لم أرَ سيِّدَةً خارجَ سياقِ المكانْ، كلهنَّ يعبثنَ بالنارِ الخارجةِ توّاً من سيفينِ مُقاتِلَينْ، يحمِلنَ العصافيرَ في جيوبِهِنَّ ليغيّرنَ وجهَ المدينةِ صباحاً، أما الأرصِفةُ ـ في تواطؤٍ لا يُرى ـ تكملُ الأغنياتِ التي سقطَتْ من علبةِ المساءِ كثمرةٍ ناضجةٍ في حقلٍ لا ينتهي ولا يبدأُ.

في آخرِ البحرِ من جهةِ القلبِ، تنامُ على طريقةِ الأميراتِ، تخبئُ عشّاقاً كثيرين في طريقٍ محفوفٍ بالشجرْ، لها لغةٌ لا تنامُ حينَ تنامُ، جهاتُها خيولُها وصدرُها بيتُها، تغارُ من ذكرياتِ المدنِ وتسحبُ من أوزِ البحيرةِ ذاكرةً لتعمّرَ بها آلاتِها المسكونةَ بعَرَقِ الموسيقى.

كأنني تركتُ قلبي معبّأً في علبةِ الحلم على طرفِ فستانٍ أبيضَ موشى بالأزرقِ في صباحٍ يحملُ الوداعَ على صينيةٍ من صمتْ، ويتردّدُ البكاءُ في البكاءِ ليلملمَ الخَرَسُ بقيّةَ الفواصلِ ويسكبُ أنهاراً من الرحيلٍ في أوديةٍ من رقّةٍ ما زالتْ تغازلُ شبّاكَ الطائرة.

ترتدي نجمةً صافيةً وتسبحُ في نورٍ لا ينتهي، وعلى مهلٍ تخفي نساءها في ظلِّها القصير، يمرُّ في جيوبِها رجلٌ لم يعرف اسمها من قبلُ، يصبُّ زيتَ قلبِهِ في طرقاتِها، يقطعُها على قدمٍ واحدةٍ ليكتشفَ أنَّ شوارعَها تؤدي إلى جفنيهِ وأنَّ أشجارَها صورتَهُ في الماءِ، وأنَّ غيابَهُ وحضوره لم يغيّرا نوارسَ المدينةِ البيضاء في الأماسي البيضاء.

تنحتُ المدينةُ ظلَّهُ على الظلِّ، وتودّعُهُ حمائمُ ودوريّاتٍ شمّتْ رائحةَ الغربةِ في معطفِهِ، فتوسّلَتْ إلى يديهِ أن يخبئَ أجنحتَها في ذاكرتِهِ، أتمَّ عامَهُ الأخير في فتنةِ الزوارقِ الذاهبةِ دائماً إلى مجهولٍ كثيفِ الحضورِ، لكنّهُ لم ينسَ لحظةً أن نساءَ المدينةِ حينََ غِبنَ عن فارقٍ صغيرٍ بين عالمين، لم يقُلنَ أبَداً، ولم يعرفنَ أبداً، كيفَ أكلَ الليلُ صوتَهُ وآلةَ عشقِهِ، ليتعوَّدَ على نومِ المدينةِ... فينامْ.

وحيداً

يخلو المقعدُ المقابلُ من فكرةٍ أو أساورَ من كلامِ الريحِ، تتساقطُ المدنُ في ذاكرتي كحبِّ فستُقٍ في كيسٍ مزَّقتْهُ ذكرى عابرةْ.

ينبتُ الرحيلُ بينَ عينيه فجأةً كمخلبٍ خرافيٍّ يساومُ الوقتَ والوحدةَ والفراغَ كي يعطيْ المكانَ شاعريَّتَهُ الحزينةَ، وتجلسُ في قلبه عصافيرُ الحنينِ تملأُها الناياتُ والكلماتُ التي لا يمكنُ قولُها، والحمائمُ تهدي هديلَها مزوّقاً لعابرٍ أحسَّ فجأةً أنَّه لم يربحْ روحَ المكانِ ولم تعترِف بِهِ الزوايا المعتمة في الحدائقِ المرشوشةِ في الطرقات، لم يعد للكلماتِ أظافر لتخربشَ ظَهرَ المسافرِ وتخبِرُهُ بما لم يعرفه طواعيةً: أنت ابنُ الطرقاتِ البعيدةِ، وسائحٌ لا ينتمي حتى حين يعشقُ الأمكنة... يفركُهُ الحزنُ ويلوي روحَهُ المكان، وحين يخبرُ امرأةً أنه يحبُّها، ينبعُ الدمعُ من شفتيه متشبِّهاً بالكلامْ، يعرفُ حينَها أن الأمنياتِ ليستْ خارطةً وأنَّ العاشقَ أكبرُ من مضامين الكلام.

11 آب 2010

     
عدد التعليقات 0