khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
ديوان كما تتغير الخيول
عالم بطعم الماء
 

لمسافةُ التي تعودَ أن يبقيها بينه وبين الأشياء منذُ فقدَ حبيبته الصغيرة ابنه الخمسة عشر عاماً، لم يعُد قادراً على التحكُّمِ بها، وفيما هو ينظرُ إلى صورتِها، تذكَّر تلك الليلة التي سبقت أول يوم في سنة دراسية ما، حين التقطت الكهرباء جسد حبيبته في عناق أبدي، يومها، أصابته الكهرباء في قلبه الصغير أيضاً، قرر جسده وقلبه معاً أنهما لن يرتبطا بأحد إلى هذا الحد من الألم، قضى جميع أيامه التي تلت تلك الحادثة تاركاً مسافةً بينه وبين بقية العالم، غرفته، ملابسه، الفتيات اللواتي عرفهن، حتى أن الأمر امتد إلى أمه وأبيه اللذين لم ينجوا من هذا الهاجس الذي رافقه حتى في أحلامه.

بعد أن تفرفطت السنوات بين يديه، وأصبح العالم عاديا بطعم الماء، لا حلاوة، لا ملوحة، ظن أنه استقر على هذه الآلية الدفاعية التي اختص بها جسده وقلبه، وظن أنه سعيد بذلك.

في لحظة كأنها مسروقة من زمن آخر، جاءت، مكسرة كشظايا بلور، حزينة، خائفة، مرهونة للقهر والدمع، وبدا أن الأغنيات فارقت روحها، مستنزفة كانت وألف مكان فارغ في روحها.

انتبهت روحه فجأة، على غير عادتها، إلى الحزن المخبأ بين شظاياها، لملمها، أعاد صياغة أشواقها وأنوارها، دلها على الشمس داخلها، أضاء لها خفايا لم تكن تعرفها حتى داخل روحها ذاتها، فأضاءت، وتوزعت على الأمكنة والمسافات والأزمنة، شاعرة بقلبها قد عاد قلب أنثى وبجسدها يستعيد ارتجافة العشق ونوايا الجنون.

لم يكن واعياً أنه في كل ما يفعل قد تناسى قانونه الذي وضعه كي يحمي قلبه من العاصفة، لم يترك المسافة التي أمَّنتْ له الحياة، ترك لروحه أن تنزلق على منحدرات الثلج في عينيها، وراح يعتلي أشجارها كولد دون رقابة، يكتب فوق أوراقها، يداعب أغصانها منتمياً إلى عالمٍ فقد صلته به منذ أن غادرت الطفولةُ أصابعَ يديه.

راحت فجأة تكتشف خفايا نفسها، تزوقت في عين قلبها، وتعمدت كأنثى لا تُطالُ، ألقت أسبابها في حنجرته كسكين ذبح، طلبت أن تطير من عالمه كأي كائن بجناحين، كأنها انتظرت أن يذبح قلبه من الوريد كي تمضي سعيدة كفراشة.

7 أيار 2010

     
عدد التعليقات 0