khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
ديوان نصوص لا علاقة لها بالأمر
أعرفُ الآن
 

لم أعرف أن كل هذا الحنين يضجُّ في أوردتي مقاتلاً عنيداً يشبه الرسل الذين يموتون من أجل من يحبون. لم أعرف أن عينيك كانتا تخدعان الأزمنة الصغيرة كي تحرقا قدرتي على النوم دون ابتسامةٍ تؤجل فكرة الموت التي تطاردني. لم أعرف أن النساء اللواتي مرَرْنَ كالجيوش على الذاكرة التعبى لم يكنَّ غير ظلالٍ هامشيّةٍ لصوتكِ الذي يذبح الكتابةَ على أشجارها. لم أعرف أن البلادَ كانت بانتظار معجزةٍ تثبت أنها دون روحٍ كما يجبُ. لم أعرف أن لدي القدرة على التوحُّدِ حتى الموت في عيونٍ تصطادُ المعاني قبل اشتعالها في عيونِ مبدعِها. أعرفُ الآن أنني متعب من الأمكنةِ الصامتة. أعرف أن جنوني الذي لم تختبره امرأة كان ينتظر  الوجه الذي يجبر الملاك الصغير على العصيان. هذا جنوني وحدي. وهذه الوحدي تمزق المرايا والحقائق.
أعرفُ هذا الحزن الصغير
كم عبأتُه في وجهٍ يجرُّ الذاكرةَ من شعرها. فارداً شهوته العميقة على طرقي. تنمو لغة عينيكِ ببطءٍ في أقبيتي الصغيرة. هذي العيون التي سحبت أعواماً من خاصرتي وهي بعدُ لم تدرك أن الطفولةَ حين أجّرت لعبتها إنما كانت تكسب الوقت كي تأتي إليَّ كاملةً بوجهٍ إلهيٍّ لا يصلحُ إلا لعاشقٍ يكتبُ صمته في ذات العيون قبل أن ترى كتابته.
أيُ ليلٍ يمرُّ سارقاً أشجاري. معرّياً نقمتي على الدنيا. أكتبُ أن العالم خرج من جلد السواد واقترب ضاحكاً. ضاحكاً. جميلاً. أغني لميلاد لحظة التفاؤلِ تلك. ناسياً أن ليلَ الغيابِ يراقصُ اللحظةَ منذ انبعاثها. شيءٌ يردد الأغنيةَ ويحاولُ أن يرسمَ تفاصيلكِ بمزيدٍ من الوضوحِ القاسي. تنامين على ساعدٍ أجهدته الكتابةُ والغيوم.
أتبرّأُ من همجيّةٍ رصَدت فراغ روحي في ليل المسافات إلى العاشقات الأقل حظاً. بينما  تدورُ جغرافيا  الجسد في حيّزٍ باهتٍ دون جغرافيا. أيتها  البلادُ المنسولةُ من صخب القصص الصغيرة. إني أجرُّ كلماتي التي أطلقتُها بعدوانيةِ الشعراء. أقبّلُ كفّيك وهي تحتضن هذي العائدة من رموزي الأولى.
وأنتِ أيتها السيدةُ التي تحملُ القلبَ فوق ابتسامتها التي لم تعلن أسرارها في ليل المدينة التي بلا ابتسامةٍ صغيرة. أنت أيتها الموقوتة بالقصيدة الحافية. أيتها الناهضة من فولاذ المراحل. ألم يقتلك الوداع بعد. أين أخبئ ارتجافتي من صورةٍ على جدار الروح التي أكَلَتها ذكريات الغواية. وهل تتقمصين المجدلية كي أستطيعَ إيجاد الصليب.
أجرُّ أعوامي الثلاثين. أستنشقُ ما يرتخي في عضلات الذاكرة. ترفضين الرحيل عنها. أزرع جسدي مرغماً في تربة النوم محترقا بيقظتي الهامشية. أقرأ نصوصاً غامرتُ قبل اكتشاف أنها أعدّت لك قبل أن تستيقظ الأوقات القليلة التي كنتِ فيها في دائرةِ المعنى. أيُّ معنىً أبقتهُ الشوارعُ لعابرٍ يذكرُ حتى عدد الذين مروا قربك في الشارع الذي عبرناه صدفة. لم أمسك الناي من أنّاته. أمسكتُ صوتكِ وصورةً أعدّتها المرافئ القديمةُ لنا.
لم أومن بعد ـ ولا أعتقد أنني سأومن ـ بأن الله لم يخططكِ لي كما ينبغي لإله. الصور الحزينة التي شدها صوتك من غشاوتها لم تول تفرض ليلها على الذاكرة أكثر مما لها من قدرةٍ حقيقيةٍ على ذلك. لعلنا الصدفة التي لا تؤهل للالتحام أو للنسيان.
لعلي لم أعد متمكناً من الصلاةِ على قبور أحبتي كما يحبون. جميعهم أحبوا صلاتي في وجع ذكرياتي البائسة. جميعهم يتذكرون أني صنعت لهم مراياهم من بداياتي المسالمة. وجميعهم كانوا ينتظرون أن تأتي كي يعرفوا تلك التي يكتبها شاعر قبل ميلادها. وربما حتى قبل ميلاده. الجنون له لغة يعرفها الفاقدون لأسماء لا تدل على أصحابها. العبث أيضاً له لغة منحوتة من كلام الكهوف في شتاءات الحزن.
أية أحزان سيردها الميتون لنا وقد أغلقنا غاباتنا في وجه أشجارهم. ألبس الحكاية ميتة ميتة. فيما أحاول التلصص كي أعرف ما تقوله القهوة في حصارها الطويل. تحاصر القهوة القصائد التي تدمرها جوازات السفر. بينما ألعب في مساحة لا جغرافيا تحكم صمتها أو سكوتها.
ترافقني فكرة الموت التي ترصدينها على النافذة التي بلا لون واضح. لا أعرف الفكرة من وراء صنع النوافذ التي تطل على المشاعل التي نريد تضليل ذواتنا قائلين أننا لا نملكها.
كيف يمكن لقلب نشفته النبوءات الكاذبة أن يعشق في نهم كل هذا السفر الذي لم يفقس غير لونه الواحد في كل المرايا.
أعرف الآن لماذا يهجر الناس الجزر.
هذا أنا آتي كاملاً على نعشي التلاميذي الصغير. أحرز انتصاراً على رصيف فارغ فيما أعرف حجم الهزيمة التي تنتظر على مقربة من ثانيتين فقط.
(وحدي تمارس عنادها وتكسرني)
أعرف الآن لماذا يخالف الورد أحياناً من الناظرين. وأشتهي بطلاً يسكنني كي أفك عن وجهك الحزين غلالته المنسية في عينيك. يعصرني أن البلاد عريقة في ارتشاف أبنائها الجميلين. أبناؤها الذين يحبونها أكثر حين تفككهم إلى يأس وقصائد.
أعرف الآن من أين يأتي الحزن بقدرته عليك. وأعرف أكثر لماذا تؤجلين موتك وتشترطين على الدنيا وحدتك.
لم ينتبه فارسك المهادن أنك أجمل من أمر السماء. لم يصدق أوجاعك التي لم ترسميها صراحة فوق كفه التي لوحت بالوداع. الأشجار كلها تشاهد هواءك يتسلل نفسا نفسا. بينما لا صراخ يفتح القبلة أمام عاشقة كي تحبس الريح بين فكرتين ناضجتين. أي نضوج ينسمي لقلبي جرحه. يعطيك شرعية الآلهة التي لا تفكر بغير الضحكات الصغيرة على الوجوه التي فقدت نصفها.
أعرف الآن كم وردة علي أن أجفف عرق الندى عن لونها كي تصلح تحية صباح عادي لعينيك.
أموت مرتين كلما مرت عيناك تقاتلان ذاكرتي العنيدة. تفضحان نيتي التي تحاول الاختباء- وتفشل- حين تمتد نظراتك إلى المطلق الذي يذبح فكرتي. فيما أبحث بين جراحها عني فوجدتك. كان الوطن بين يديك واضحاً وكان لهاثي يردد أنفاسك ممتشقاً خيوله كُلها.
كنت أعيد انتباهة الروح إلى أولها المخملي. فيما اكتشافات غريبة ترسم العالم من جديد بلغة كأن القلب لم ينطقها ولم تكتبه.
أيتها العينان اللغة. أعرف الآن كل مفردة تقاتلني ليلاً كي ترد القلب عن انتحاره القريب. أعرف أن علي أن أعيد هيكلة القلب كي يناسب الجرح الذي يملأ تفاصيله حين تبكي الملائكة في عينيك اللتين من سفر طويل.
لم أعرف من أين ستأتين إلى القلب مثل دم قطرته الدموع. كان الجرح يحرس بوابة الذاكرة. فيما جئت كي تقطفي وردة النسيان من سرها الجنائزي. كي تعلني أنك نرجسة الشاعر دون انتظار وجهه الذي ولاه صوب قبلة لم يعلنها الله.
كم مرة علي الاعتذار لهذا القلب. كم مرة أقول له أنك تماثلت للخروج من جهنمه الباردة. كم مرة أسمي الروح باسمك فيما النوافذ في الصدر تطل على حزنك النابض بالكبرياء.
أعرف الآن أنك رحلتي التي أنجزها القلب في صراخه الطويل. تلك المرآة التي لا يخجل الجسد النحيل أمامها حين يقترف أمنيته الوحيدة. المرآة التي ترسم موتي على صدرك أكثر رومانسية من أية حياة لا تحمل انطلاقات وجهك النبي.
وأية حياة تلك التي لا استثناء فيها.
أغلق ذاكرتي عليك مدرباً قلبي على التقاط همستك الصغيرة. يأتي الصباح منتشيا حين يحمل فكرة رؤيتك.
أحرق الطرق التي تؤدي إلى غير عينيك. أحرق صور النساء كلها. فيما أشتهي ترديد اسمك كلما لامست الهواء.
أحس أن للعشق مطر. وأنني صحراء المدى.
يا امرأة تمضع القلب بعينيها كلما توترت أحلامها. يا امرأة تخونها الذكريات على مرأى مني. يا امرأة لا تعرف أنني منهاجها الأبدي، أني وجهها الذي ضاع في الحكايات التي روتها الجدة. يا امرأة لم تعرف بعد أني نبيها الربان:
أعرف الآن أنك حبيبتي

     
عدد التعليقات 1