khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
ديوان ما زلت تشبه نفسك
إلى حسين البرغوثي
 

للخلق اختباراتهم،  عذراً إذا كنت أسميه اختباراً عابراً للآدمية عبر مسارٍ لم يستقم يوماً ليقول إني مع الذاهبين بيسرٍ إلى المعاني، ولم يكن يدعي الملوكية كذلك، بيد أنه استعطف الروح على آخرها فجاءت إلى آخره لتقطّره كنبيذ ونسيج وحده.
فكّرتُ، لم هذه الأسئلة؟
ربما كان لموتك أنصارٌ يرغمونه على قول المزيد، لكنك لم تكن منتبهاً، ولم تنتبه بعد ذلك أيضاً للذين حاولوا أن يستخلصوا زبدة يديك في حوارٍ ماكرٍ ليعبئوا أنفسهم بذكرياتهم معك، كنت واحداً وكانوا كثيرين كالنمل ولم تكترث، احتفظت بسريرةٍ تشبه البلور المحتمل للشعر، ومازلت تشبه نفسك دون أن تخدّر الآخرين بلغةٍ لم يعرفوها، وحينها ربما بكوا.

تمنيتُ عصراً ذات أجنحةٍ مقفولةٍ على ريشها في إحدى كافيتيريات رام الله المشوشة كفكرةٍ لم تنضج، جاءت أوقاتك حبلى بكثير من الصواعق والأزقة والغجر، وأتممت احتمالات منمنمةٍ على جلد الكينونة متمثلاً بشراً مهيبين يحملون الفلسفة كأسمائهم في متاهات طويلةٍ وسهلةٍ مثل الكلام الذي يقطر منك بشكل مذهل في جلساتنا التي لم تخلُ من آذان على الطريق.

لم أشاهد أحداً يفرك معطفاً في جنازةٍ أحبطت موازينك كلها، والموت مثل النار ذو أوجهٍ متفرعةٍ كالشجر، ولا أعرف لماذا لم تختر أن تكون شجرةً كي لا تصاب بما يصيب الناس من مللٍ وتقوى.

نحن نفرد أصدقاءك على الورق كل يوم، ونجد الغرابيل تحرجنا، والنصوص تدرّج أخلاقنا المعبأة في زجاجات، ونلتفت حولنا لخوفنا أن تكون حياً فتكذّبنا، لكنك تكذّبنا حيّاً وحيّاً، ونتغافلُ وندعي أنك لست أنت.

حسين، يا ذا الأصدقاء:
قلت لي يوماً إن اللغة تبطل عندما لا تكون بطلةً في المشهد، فقلت لك إنني فهمتُ، فضحكتَ وتكلمت مزيداً من الحكمةِ عن تابعٍ يلوّنُ الدرج الكبير لجامعة بير زيت، ويكسر مرآة سيارتك العتيقة لأنه اعتقد أنها لا تليق بفارسٍ مثلك، وكنت تظنه مخطئاً وبدا أنه لا يراك.

أرأيتَ الآن ما كنت تفتح أزرار روحكَ لتراه؟
غريب أن الموت لم يأخذ طابعه فيك بعد، اللوز فعل، وانتشرت رائحة الكلام على شروطٍ بعيدةٍ تنوّرُ مثل نار الطهي، وكنت لا تكترث لما يصيب محيطك الذي من جلد، على قدر ما كنت تحاصر جوهرك بالأقنعة كما قلت في ضوئك الأزرق، هذا البيان غنيٌّ عن البيان لو يعرف الذين لم يعرفوا.

ذات يومٍ كنت تلعب بذاكرةٍ عربيةٍ وسط جموعٍ من قوافل بعيدة، ترتل لهم ما قلت إنك تحفظه جيداً، أربعين ألف بيتٍ من الشعر العربي قبل أن تتم العشرين، لم أعد أعرف هل أُدهش من اتساع الشعر أم من اتساع ذاكرتك.

حتى من خاف منك لم يعجبه موتك، لم تكن خصماً، هذا ما قالوه، وإذا كنتَ قد عدتَ إلى جمالٍ تمت خيانته، فلأنك لم تشتر ما تستبدله به، فكأنك إذن لست خائن هذا الجمال.

هل لنا أن نتعافى مرة واحدة قبل أن ندخل غيبوبة الضحك؟ نسمع كارمينا بورانا، وندق مغزلاً مثل أي غزّالةٍ لم يرها حجر الورد، هل نسمع ما قالته الغجرية ممددين على سرير من بلحٍ واضطراب قبل أن نفتش خيمتك علنا نعثر على سر هذه الكومة من الضجر التي تركها انسحابك المؤقت إلى جذع لوزةٍ مبكرة؟ هل عاد جسدك يعني شيئاً بعد أن استنزفته العبارة مرتين؟

كنتَ تعرفُ إذن قبل ذلك بكثير، وأخذت تلاحق الصورة كي ترتب الجمال كما اعتدت أن تفعل كل مساء وحيداً في شوارع رام الله، مرات بمشي لحالي
في الليل
يا بصفّر يا بدخن،
والآن تمشي وحدك، في نصٍّ أكثر انفتاحاً.

أتعرف ما المهمُّ في الأمر؟
أنهم لم يفقأوا جوهرك المحاط بالأنهار، ولم يتيقن الشاردون على حبالٍ بعيدةٍ من أن يقولوا عنك شيئاً مؤكداً، هكذا مرَ الوقت سريعاً كفراشةٍ، ملوناً وزاهياً وخفيفاً وجميلاً ومليئاً بالمعرفة والرحلات، هكذا مر الجسدُ في صالة الدنيا مزهواً بنشوته التي من كتابةٍ وأغنيات.

الفتياتُ العاشقات اللواتي مررن هناك مرةً قلن لي بكثير من الفخر والدموع أنهن لم يستلقين في ذراع تشبهك مرتين، انسحقن وكنت أريد أن أولم لروحك جسداً غافياً في زرياب أو كان باتا، لكن القربان كان صغيراً فتراجعتُ وأفلتُّ من تأنيب الضمير في مساءٍ كان للضمير فيه رونق فقط، ولم يكن غير طبق رخيصٍ يقدَّمُ قبل الغداء.

حسين يا صاحب الحياة:
لنا منك ما ليس لنا من آخرين كالنملات في صيفٍ قصير، أكثر مما ظننتَ، لذا قلتُ إن غيابك استولد الضجر أكثر من الحزن، والضجر يبات في حضن المؤقت دائماً، سيتغير يوما كل شيء، لن يعنيك هذا كما لم يكن يعنيك النصف الهش من العالم، ولكننا نظل نحفر في لغتك لننبش ما تحتها، مع أننا لم نر بعد أية نهاية، وربما ننتهي نحن ونحن ما نزال نبحث تحت لغتك عما خبأته بمكر حسبما نظن، ولكنك تضحك أيضاً وكثيراً ربما على من ينبشون بجهد في أعماق لم يفهموا سطحها بعد.

     
عدد التعليقات 0