khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
إلى لحظةِ حضورِها
 

حينَ اخترقتُ الحاجزَ اللُّغَويّْ، كان صوتي لم يَزَلْ محترقاً من بقايا هتافٍ عتيق، لجأتُ إلى غابةٍ محروسةٍ بألفِ ذاكرةٍ وجنديٍّ حزينْ، لم يكُنْ لهُ غير احتمالٍ صغيرْ ليفقدَ قدرَتَهُ المذهلةَ على الوقوفِ لسنواتٍ على مدخلِ الغابةِ لا يسمحُ لشيءٍ بشيء، لا يمنعُ شيئاً عن شيء.

أعطوهُ كنزاً فضحِكَ ولم يعرِفْ إن كان عليه أن يبذِّرَهُ أم يحرُسَهْ، صارتْ الحراسةُ حرفتَهُ الأنيقةَ، يتذكّرُ جوعَهُ إلى الإنعتاقِ كلّما لَمَحَ حريّةَ الزائرين في الحضورِ أو الذهابِ، نقشَ على شجرةِ حورٍ ما قام بحراستِهِ في سنواتِهِ الكامنةِ في مكانِهِ الوحيد، حرسَ ظلالاً وشموساً، غياباً وحضوراً، عمقاً وسطحيّةً، جمالاً وقُبحاً، عادةً واستثناءً، إيماناً وكُفراً... إلى آخِرِهِ.

كانتْ لهُ حبيبةٌ لم يعرفْ كيفَ يجدِّلُ اشتياقَهُ إلى لحظةِ حضورِها، تعلّمَ أن يحرُسَ ذكرياتِهِ عنها كي لا تختفي مثلما اختفت في ليلةٍ غامقةٍ وكئيبةٍ وطويلةْ، بعدَ أن قالتْ له دون أن يفهمَ وقتَها ما تعنيه: أريدُ من يسرِقُني لا مَنْ يحرُسُني.

في بيتِهِ الدائمْ بينَ شجرتي كينا، كان يصنِّفُ الأيّامَ، وقتٌ للحزنِ، وقتٌ للنسيانِ [لم ينجح فيه مطلقاً ومع ذلك لم يحذفهُ من جدولِهِ اليومي]، ووقتٌ كثيرٌ لاستعادةِ ملامِحِها سطراً سطراً، حتى أن صوتَها صارَ صيامَ النهرِ الوحيدِ في الغابةِ عن الكلامْ، ولم يعرفْ النومَ منذ ألقتْهُ الخطيئةُ إلى صوفيّ الأمكنة [الغابة الوحيدة في الكون التي بَقِيَتْ برّيَّةً دونَ سببٍ واضِحْ].

في مكوثِهِ المُزْمِنِ، مرَّ بهِ جنودٌ وشعراءُ وحُكَّامٌ وعُشّاقٌ وقُطّاعُ طُرُقٍ وجُمَلٌ من حنينٍ مرّتْ وحدَها، وصراخٌ عاجزٌ عن الصُّراخ، كانَ مبرِّرُهُ الوحيدُ ليحتملَ ضآلةَ وجودِهِ أنَّ كلَّ كائنٍ يعيشُ كي يحرسَ شيئاً، الغابةُ تحرُسُ أشجارَها، الأشجارُ تحرُسُ ظلَّها، الظلُّ يحرُسُ عصافيرَه، العصافيرُ تحرُسُ غناءَها، الغناءُ يحرُسُ الغابةَ...

سيأتيهِ يومٌ [قريباً كاللسان من الكلام] ويصوِّبَ سلاحَهُ إلى قلبِهِ عندما سيعرفُ فجأةً في لحظةِ تأمُّلٍ صوفيَّةٍ: أنّهُ لم يكُنْ يحرُسُ غيرَ الفراغ.

     
عدد التعليقات 0