khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
قصص قصيرة
ظهرُها لشرفتي ووجهُهَا للبحرْ
في بيتٍ قربَ موجةٍ لم تُخلَق للكلام، بدا وكأن هناك مشاعر ـ بعدُ ـ لم توجد لها الكلمات الملائمة، وربما إلى الأبد.

كنتُ جالساً في الشرفةِ بينما الموجُ يخدشُ الرملَ المطمئن على الساحلِ، قليلون هم الذين يمرون من هذا المكان، لا كافتيريات، لا مطاعمَ ولا قواربَ صيد، أضف إلى ذلك هذا الشتاء الذي يثبتُ نفسه بجدية لا تقبلُ الجدل، برداً وأمطاراً، لذلك كان المكانُ ـ بالنسبةِ لي ـ جنّةً دون نقاش.

أيامٌ كثيرةٌ تمرُّ كقطيعِ أفيالٍ تمسكُ ذيولَ بعضها في دائرةٍ عظيمة، لا شيء في المدى، عدا عن لون البحر الذي يتغير كل ساعة في النهار، من أخضرَ إلى أزرق وما بينهما، إلى بنيٍّ حين تستثير العاصفةُ رملَ القاعِ، البحرُ من أكثر الكائناتِ قدرةً على التعبير عن نفسه لونا وصوتاً، مع الوقتِ تعوّدتُ أن أفسِّرَ حالاتِهِ كلّها، صرنا أصدقاء وصار يرسل لي إشاراتٍ قبل أن يتحول من الوداعة إلى الهياج، أو العكس.

كان صباحاً من فيروز، البحرُ قبل أن يتنفس الفجر كان مرتبكاً، هذا اليوم بالذات لم أفهم إشاراته، لم يكن يوحي بتحول ما، لكن ارتباكه كان واضحاً، كأنه أراد أن ينتقل من مكانه، لكن ثقل المياه وارتباطها ببعضها حتى آخر المحيطات منعه من ذلك.

وقفت رشفة القهوة بين شفتيّ حين مرّت، تكاد لشفافية خطوتها تخلو من اللون، البحرُ تخلى عن ارتباكه وانسحب الموج أمتارا إلى الوراء وكأنه يصنع لها ممرا من رمل لم تمسسه قدم من قبل، خطت حافية على الرمال العذراء، وبعد كل خطوةٍ كان البحر يمد لسانه ليلعق أثر الخطوة فتختفي في الحال في ذاكرته الكبيرة، ولا أعرف إن كانت رقصة الأسماك التي رأيتها من الشرفة حقيقة أم وهماً بصرياً.

أعطت ظهرها لشرفتي ووجهها للبحر الذي قدم مزيدا من التنازلات، وتراجع كأنه يدعوها للتقدم، لبت الدعوة ببطءٍ طقسي فيما يداها ما زالتا تلمان الريح كجناحين وهميين، وبدأت تلوح في الأفق نوارس وطيور أخرى غريبة وصار العالم أشبه بملحمة سومرية.

انتبهت وقد سقطت قطرات من القهوة من شفتي على قميصي الأبيض، جعلني هذا أفكر في النزول إلى الشاطئ، فربما هي جنية أرسلها الله إلى وحدتي كي تعبئ فراغاتي وتمسح الأيام المخربشة من كتابي القديم، لكنني تراجعتُ، مَنْ أكون أنا حتى أفسدَ مشهداً بهذه الجلالة؟!

حتى فكرتي في التقاط صور لها من بعيد، تراجعت عنها بدوافع أخلاقية بحتة، اختلقتُ قصصاً كثيرةً حولها، ولم أصدق أيا منها.

دخلت بغلالتها السماوية حتى وصل الماء إلى منتصف خصرها، كنت مأخوذاً بالمشهد، أراقب كل تفاصيله، لكن تقدمها بدأ يأخذ شكلاً خطراً، على الأخص حين بدأ الموجُ فجأةً بالارتفاع بشكلٍ لم يكن تدريجياً على الإطلاق.

بدأ الأمر يخرج من كونه متعة ليتحول إلى خوف حذر، حين ارتفع الماء إلى رقبتها مع بوادر لأمواج عملاقة قادمة من بعيد.

بدأت بالتحرك، سريعا، تعثرتُ بالطاولة، و فتحتُ الباب ذا الأقفال الخمسة، وكعادة المدينة، الكهرباء تنقطع تماما في الوقت الذي أنت بأمس الحاجة إليها فيه، كان علي النزول من الطابق الخامس على الدرج سريعا، تعثرتُ ثلاث مرات والتوى كاحلي لكني واصلت النزول.

حين قطعتُ الشارعَ الذي يفصل البناية عن البحر، كان كل شيء هادئاً، لا أثر لخطوات على الرمل، والبحر عاد إلى هدوئه وصفاء لونه، كرهته للحظة كما نكره عادةً أي مخادع يغرر بالنساء ليأخذهن بعيدا، مَسَحَتْ عيناي الأفقَ البحري، علّ يداً أو رأساً يطلّ من هنا أو هناك، لكن لا أثر مطلقاً لأية نقطة تعكر الصفو الهائل للمياه، وكعادة أي كائن بشري، يئستُ بعد عشر دقائق، وعدت مثقلا لأبلغَ عن المصيبة، ولكن سؤال الموظف أربكني: هل أنت متأكد مما رأيت؟

أقفلت التليفون، لأن السؤال كان منطقياً، لم يدحض شكي فيما رويته إلا جثة الفتاة في الصباح التالي،
قد أخذ منها البحر ما يريد، ثم ألقاها كأي رجل نذل يلقي بفتاته إلى الشارع بعد أن ينتهي منها.

لم أتحرك من شرفتي، لم أبلغ الموظف البليد بما رأيت، تركتها لأول عابر رآها ممددة على الرمل فقام بما يقوم به رجل شهم في مثل هذا الظرف، أما أنا، فقد عادت الأيام من الشرفة كقطيع فيلة، لكنها أبدا لم تعد كما كانت من قبل.

18 تموز 2009

     
عدد التعليقات 0