khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
قصص قصيرة
البحر

أنا والبحر
ما يشبه القصة

عندما كنت في الرابعة، عرفت البحر لأول مرة، هيأني أبي قبل الذهاب في رحلتي الأولى، لا تخف حين تشاهد البحر، فهو كبير جدا، ليلتها أخذت أتخيل هذا الكبير، هل هو بحجم جارنا الضخم الذي يصلح العجلات؟ أم تراه أكبر من ذلك، ربما بحجم بيارة الرميلي التي تحد المخيم من الشرق، ألف ربما كانت تقفز إلى عقلي الصغير، كل ربما تطرد التي قبلها إلى أن غفوت دون تصور واضح عن ذلك الكائن الخرافي الذي إسمه البحر.

حين اقتربت السيارة من الشاطئ بمسافة كافية لأن أرى خط الأفق البعيد، بدأت أميز الملح في الهواء الذي راح يلسعني من الشباك المفتوح فيما أتطاول كي أرى المزيد، فيما أخذ البحر يتضح قليلاً قليلاً بطريقة تشبه المشهد الذي يعقب غسل الوجه بالصابون إلى أن توقفت السيارة على حواف الرمل، ومعها توقف قلبي وتوقفت أنفاسي.

ماء كثير لا يكفي ألف شتاء كي يأتي بمثله، ولا يكفي ألف صيف قائظ ليجففه، أزرق مثل القطط التي أراها دائما في حلمي الصغير، الماء في بيتنا لا لون له، كانت أمي تقول لي دائما، إذا كان الماء فيه أي لون فمعنى ذلك أنه غير نظيف، حتى أنني رميت الكوب الأحمر الذي قدمت لي جارتنا فيه الماء مرة، لأنه حول لون الماء إلى الأحمر، فانكسر الكوب، واستحيت أنا من ضحكات الحاضرين حين عللت سبب إلقائي للكوب بهذه الطريقة، ولكن، هل تعني زرقة الماء في البحر أن الماء غير نظيف؟

اجتهد أخي الذي يكبرني بأحد عشر عاماً كي يشرح لي ما هي السماء وما هو انعكاس اللون، فلم يكن عقلي يمكنه أن يتخيل مرآة بحجم البحر كما طلب مني أخي، لكني ولثقتي فيه، صدقت أن الماء يمكن أن يكون أزرقاً ونظيفاً في آن معاً.

أختي الكبيرة [يومها أختي الصغرى لم تكن قد ولدت بعد] أمسكت بأحد سرطانات البحر الذي خرج من حفرة في الرمل، كانت سعيدة به إلى أن استعمل مقصه الصغير ليعض إصبعها ويجرحها وسط ضحكاتنا فيما هي تبكي وتضحك معاً.

لم يُمحَ ذلك اليوم من ذاكرتي، أحببت البحر يومها، غازلته على طريقتي، إذ صنعت حفرة كبيرة ملأتها بالماء لأسبح فيها، تمهيداً للسباحة في البحر الكبير، أخي أخذني رغم اعتراض أمي ـ التي تخاف عليَّ من البحر إلى الآن ـ وألقى بي في الماء على مسافة غير قريبة من الشاطئ، وقبل أن يلقي بي همس في أذني "اطمئن أنا هنا"، وفي الحقيقة لم أكن خائفاً، فقد أخذت أحرك يدي بهدوء أذهل أخي وأصدقاءه، وكأنني مولود في البحر، هكذا علق أحدهم، وطبعاً انهالت عليّ أسئلة الصغار حين خرجت لأنهم يريدون أن يعرفوا كيف فعلت ذلك، وبالطبع برغم الفخر الذي كنت أشعر به، إلا أنني لم أجد ما أقوله.

هذا اليوم بنى أساس علاقتي بالبحر، أحببته أكثر من أي شيء آخر، وكبرت، وزرت بلادا وشاهدت أنهارا ومحيطات وبحاراً وبحيرات، أذهلني جمالها ورشاقة مائها، لكن لا شيء منها أخذ ذلك اليوم مني، فما تزال كلمات البحر الكبير ترن في أذني حين ألقى بي أخي وقبل أن أصعد إلى سطح الماء من الغطسة الصغيرة: لا تخف، ولا تنسني كي لا أنساك!!!

     
عدد التعليقات 0