khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
قصص قصيرة
ليس هذه المرة
بين مدينتين من ضجرٍ كان يلهو، وكنتُ أفرّقُ الناياتِ على أولاد الحارة الذين كبروا دون أن يخبروني، وكنا نكذب دائما ونصدقُ ما نقولُ، حتى أننا صدقنا أننا لا نموت، ولا ننكسر، وكان يُخرِجُ تعريفاً للضجرِ من جيبِهِ كلَّ يومٍ، آخرُ تعريفاتِهِ للضجرِ كانت: أن تقومَ صباحاً من نومِكَ وتشعُرُ أنَّ الليلَ لم ينتهِ بعد.

ظلت حدودُنا مشتركةً حتى حين افترقنا بلا عودةٍ، وظل يرسل لي إفطاراً إلكترونيا بما اقترفته يداه في الليلة السابقة، كنت أضحك لكني لا أرد عليه، لم يكن ذلكَ بسببٍ من غضبٍ، لكنني لم أمتلك الكلمات التي يمكنُها الطيران في سربِ كلماتِهِ التي لا تُبارى.

من كثرة ما قرأَ من كتب الصوفية، تعلق بالله ولكن بطريقة لا تشبه أية عبادةٍ رأيتها أو قرأت عنها، كان يضم يديه وراء ظهره قبل أن ينام، يرفع رأسَهُ إلى السماء ويتمتم بكلام غير مفهوم ويبتسم وكأن أحداً أجابه ويذهب إلى النومِ مطمئنا، بصراحة كانت طمأنينته المذهلة تقتلني، وتشعرُني بأنّ عالمي يقفُ على هاوية وعالمُهُ مطمئنٌّ لكنّهُ ضَجِرْ.

كان يجيب عن أي سؤال في أي علمٍ كان، حتى لو اضطر لتأليفِ الإجابةِ، وصارحَني مرةً أنه راجعَ كتابا فوجد الإجابةَ المرتجلةَ مطابقةً بإدهاشٍ لما ارتجلَهُ من أجوبةٍ فازدادت ثقتُهُ بنفسه إلى حد اعتبار نفسه شيئاً من الآلهة القديمة التي كان يعشقُها.
نجا من ثلاثين معركةً وخمسة حروب ومليون محاولةِ اغتيال، وكان يعتبر ذلك إشارةً مباشرةً من الله أنّه لن يموتْ، ولم تكن تخذُلُه الإشاراتُ، ولكن ليس هذه المرة.

لم يكن الخبر في الجريدةِ واضحَ التفاصيل إذ بدا أن صحفياً مبتدئاً كتبه على عجل لا يليق بميت من هذا النوع.

حين ذهبتُ إلى بيتِهِ، بدا في وجهِ الجميعِ نوعٌ من الدَّهشةِ المرقَّطَةِ بقليلٍ من السعادةِ لذهابِهِ، ربّما كنت أيضاً أشعر بهذا، لكنني لم أكتشف ذلك إلا بعد سنوات طويلة، كان مأزقاً لكلّ من مرَّ جوارَهُ.

ليس مهما كيف مات، لكنّه مات بطريقةٍ تافهةٍ لم يتوقَّعْها أحَدْ، وبقيَتْ رسائلُهُ الإلكترونية معلّقةً في ملفٍّ خاصٍّ على جهازيَ دونَ أن أجرؤَ على فتحِها مرةً أخرى، ودون أن أجرؤَ على محوِها.

فكرتُ بكتابةِ كتابٍ عنهُ، بعد هذه السنواتِ، فلم أجد مرآةً واحدةً تعكسُ صورتَهُ من جَديد، لم يتزوَّجْ، ولم يزرعْ شجرةً، ولعله لم يتركْ ذكرىً في أيِّ مكانْ.

حتى أولئكَ الذينَ عرِفوهُ عن قربٍ، حينَ قابلتُهُم لأصنعَ مادَّةَ الكتابِ، فاجأوني بأجوبةٍ غريبةٍ ومُرْبِكة، بعضُهُم أنكرَ أنّه عرِفَ رجلاً بهذا الإسم، بعضُهمْ قال لي: قرأنا عنه ولم نقابلهُ، والبعضُ سألني بدهشةٍ: أتسألُ فعلاً عن شخصٍ عاشَ قبل خمسة قرون؟، حتى أمّهُ وقد شحذتْ ذاكِرَتَها همسَتْ لي: أعترفُ يا بنيَّ أنني كنتُ أحلمُ أن يكونَ لي ولدٌ يشبهُ تماماً الوصفَ الذي تسأل عنه، ولكنّ هذا كانَ حلماً بيني وبيني ولم أقله لأحد، فكيف عرفت؟

ربما قطعت المسافة إلى بيتي في عشرِ ساعات، أتذكَّرُهُ وهو يمشي، يضحك، يخرجُ من المطعمِ قبلي كي أدفعَ الحساب، أتذكَّرُهُ جيِّداً، ولستُ بمجنون، ولم أصل بعد إلى العمرِ الذي يمكنُ أن يتهمني فيه أحد بالخرف، قررتُ أن أعتمدَ على رسائلِهِ كي أبدأ في كتابي عنه، لألقِّنَ هؤلاءِ الجاحدينَ درساً في الوفاء.

جلستُ أمام حاسوبي المحمول، وظهرت الإشارةُ، فتحتُ علبةَ الرسائلِ حيثُ أحتفظُ بملفاتِهِ كلّها، كانَ الملفُّ فارغاً، بحثتُ عن رقمِهِ في الجوّالِ، لم يكن له إسمٌ ولا رقم، لكني حتى هذه اللحظة لا أعرف ما الذي حدث بالضبط، كأنَّ غازاً لنسيانِهِ قد رُشَّ في الهواء، لكني ما زلتُ رغمَ كلِّ ما حدثْ، أؤكِّدُ، أنه كانَ هناك في يومٍ من الأيام، وليصدقني من يشاء، وليكذبني من يشاء.


الخامس من كانون أول 2011

     
عدد التعليقات 0