khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
قصص قصيرة
انتظرينا


جَلَستْ تغسِلُ حُزْنَها بماءِ النّدى النّديِّ صباحاً بعدَ ليلةِ ذِكرياتٍ منهِكةٍ وطويلةْ، خَدَرٌ في يديها وعيناها تريانِ الأشياءَ مُزْدَوَجَةً كأنها ترى بكلِّ عينٍ على حِدةْ، يصعدُ الحنينُ من مَعِدَتِها إلى شفتيها كَزَبَدٍ لا يُرى، يجفُّ ليصيرَ نِداءً ويسيلُ فيتحوَّلُ إلى عِفريتِ غضبٍ مختومٍ بالرّصاصِ السُّليمانيّْ، وفيما الشمسُ ترتَقي ببطءٍ مَلولٍ إلى رأسِ الشجرةِ الوحيدةِ في الفِناءِ المنزليِّ الخاوي سوى من الرَّملِ، كانَ الماءُ يتسرّبُ من بينِ أصابعِها دونَ أن يأخذَ معهُ لحظةَ حزنٍ واحِدة، وكانتْ تعرِفُ من قبل أن الحزنَ لا يُغسَلُ بالماءِ ولا يجفُّ بحرارةِ الشَّمس، ومع ذلكْ، ظلّتْ كلَّ هذه السنواتْ تفعلُ ذلكَ في الصباحِ كطقسٍ طبيعيٍّ لا يمكنُ تبديلُهُ.

في بعضِ الأحيانِ كانتْ تشاركُها بعضُ النسوةِ في الحيِّ الفقيرِ طقسَها، وينسابُ الماءُ في جداولَ صغيرةٍ تنتهي إلى جذعِ الشجرةِ حيثُ يلهو أولادُ الجاراتِ بالماءِ المقدّسِ الذي تبثُّهُ أيدي الأمّهاتِ، فيبدو الماءُ أحياناً كأنّهُ صُراخٌ مكتومٌ يخيفُ الصِّبيةَ، وفي أوقاتٍ أخرى يطلُّ مُشَكِلاً رسوماتٍ يفسِّرُها الأولادُ في مسابقاتٍ تعبِّئُ نهاراتِهم الفارغةْ، فاعتادوا مع الوقتِ على الجَلسةِ التي تتبعُ طقسَ حمّامِ الحزنِ الذي لا ينتهي، حيثُ تجلسُ الأمّهاتُ في حلقةٍ حولَ الأمِّ صاحبةِ الفِناء، التي بلا زوجٍ ولا أولادٍ معروفين، رغمَ أن الحكايةَ تقولُ أنّها كانت في يومٍ من الأيّامِ تتوسَّطُ أسرةً بأعدادٍ كبيرةٍ من البناتِ والأولادْ، ولم يعرِفْ أحدٌ ممن هم على قيدِ الحياةِ ما الذي حدثَ بالضبطِ حينَ أفاقوا في أحدِ الأيامِ على المرأةِ وهي تقومُ بطقسِها، وقد أصبحتْ وحيدةً كشجرةِ الكينا الوحيدة في فناءِ منزِلِها غير المزروعِ رغم أن الجميعَ كانوا يتمنّونَ ربعَ مساحةٍ كتلكَ كي يملأوها بالأشجارْ.

في الجلسةِ التي تعقِدُها الأمّهاتُ حولَ صاحبةِ حمّامِ الحزنِ وهالةِ الحنين على شفتيها، كنَّ يغنّينَ أغانٍ تُخرِسُ الحماماتِ والدورياتِ والبلابلَ القريبةَ، أغانٍ يحسُّ الأولادُ بالحزنِ يبلِّلُ الرملَ منها، كانتْ واحدةٌ منهنَّ تبدأُ والباقياتُ يردِّدْنَ وراءها مقطعاً مُكَمِّلاً، في مشهدٍ يبدو وكأنّهنَّ تدَرَّبنَ عليهِ مليونَ سنةٍ من شدّةِ إتقانِهِ:

ـ يا جَبَلْ زاحو الزَّمَنْ من مَحلّوْ
ـ حرمِنْ ضحكاتي ودمعاتي حَلّو
ـ يا جَبَلْ ساقو الغيمْ على عيني
ـ دَمْعاتو جَرَّايِةْ ما بينَكْ وبيني
ـ يا جَبَلْ جبَلتِ افْكاري من طينو
ـ شلَّعِتْ قلبِي وأنا بسألْ وينو
ـ يا جَبَلْ راقِدْ صَخرو على صِدْرِي
ـ يا نِنّْ عيني والله كان بَدْرِي

كانَ الغِناءُ يستمرُّ حتى تنسى النّسوةُ ميعادَ رجوعِ أزواجهنَّ الغاضبين الجائعينَ من العمل، حتى الصِّغار لم يكونوا يفكِّرونَ في الجوعِ مأخوذينَ بما يرَونَهُ ويسمعونَهُ، والذي سيحفرونَهُ في ذاكراتِهِم إلى يومٍ يصيرونَ فيه مسنّينَ كثيراً ويأتيهِمْ شبّانٌ بآلاتِ تسجيلٍ صغيرةٍ كي يسجِّلوا الأغاني التي يحفظُها من كانوا صِغاراً ذاتَ يومٍ دونَ أن يكونَ لهم أدنى فكرةٍ عن التحوّلاتِ التي سيأخذُها الزمنُ، أو أي فكرةٍ أخرى خارجَ ما يحدثُ أمامَ أعيُنِهِمْ.

غالباً ما كانتْ الأمّهاتُ يُصَبْنَ بالإنهاكِ الواضحِ بعدَ طقسٍ مثلَ هذا، ويعُدْنَ إلى بيوتِهِنَ بوجوهٍ قَسّاها الحزنُ والطقسُ المهيب، حتى أن الأزواجَ الذين يكونونَ في أشدِّ حالاتِهمْ المزاجيّة عصبيَّةً، كانوا يتراجعونَ حتى عن طلبِ كأسِ ماءٍ إذا أحسّوا بالعطَشْ، وكانوا يقومون بحركاتٍ خجولةٍ لإرضاءِ النِّساءِ رغمَ أنَّ هذه الحركاتِ كانت تبدو عاديَّةً لمن يشاهدها من بعيد، وفي الحقيقةِ أنّ النساءَ لم يكنَّ يوماً ـ بعدَ طقسِ حمّامِ الحزنِ ـ ينتبِهنَ إلى أي من هذه الحركاتْ، وكأنَّ عقولهنَّ انتقلتْ إلى مكانٍ آخرْ.

أما المرأةُ، فما زالتْ إلى اليومِ، تغسِلُ حُزْنَها بماءِ النّدى النّديِّ، وتتذكَّرُ الشاحنةَ بلونِها الكاكي، وبصوتِها الذي يشبِهُ زئيرَ أسدٍ في مأزِقْ، وهي تبتعِدُ حتى تصيرَ نقطةً في الفراغْ، وصوتٌ قادِمٌ من الشاحِنةِ يصرخُ حتى غابَ الصوتانِ معاً: انتظرينا...

8 تشرين أول 2011

     
عدد التعليقات 0