khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
قصص قصيرة
علي


الذي قادَها إلى الجنونِ لم يكُنْ فقط أن إبنَها قُتِلَ بقطعةِ حديدٍ بلا مشاعرْ، بل صياغةُ خبرِ موتِهِ [استشهدَ أحدُ الشبّان...]، عليّ، صار أحدَ الشبّان... والمرّةُ الأولى التي يُقالُ عنهُ شاب، لم يذكروا اسمَهُ...

لم يكُنْ ميلادُهُ سهلاً، خرجَتْ روحُها في كلِّ زفرةٍ فيما هو يناضلُ كي يخرجَ للحياةْ، فمنذُ اللحظةِ الأولى التي تحرّكَ فيها في أحشائها، أحست بسائلِ الأمومةِ يستبدلُ الدمَ في عروقِها، صارت تحدِّثُهُ تماماً كما تُحدِّثُ أخوتَهُ في البيتْ، حتى أنها كانت تطيلُ السَّهرَ وهي تشعرُ بالنُّعاسِ لأنها تحسُّ أنه لا يريدُ أن ينامَ الآن، وتستأذِنُهُ قبل أن تأكل فلفلاً حارّاً، وقد كان يجيبُها بطريقتِهِ، وعندما كانت الأغاني في الراديو لا تعجبُهُ كانت تحسُّ بذلك فتغيِّرُ الموجةَ فوراً.

تذكُرُ جيّداً أنها حينَ أمسَكَت بكتابِ الأسماء لتختارَ لهُ إسماً، لعبتْ معه اللعبة بشكل واضح، فكان يركلُها من داخِلِها كلما نطَقَت إسماً، حتى وصلت إلى عليّ، فلم يتحرّكْ، أحست به سعيداً بالإسم، وكي تقطع الشكَّ باليقين، قالت اسمين آخرين، فعاد يركُلُها من جديد.

حينَ صرخَ صرخَتَهُ الأولى، أحسَّت بأنه أوَّلُ أبنائها رغمَ أنه لم يكن كذلك، وصارت تحسبُ عمرَهُ بالدقائقْ، تشعرُ بقطعةٍ منها تمشي على الأرضِ، خطواتُهُ كانت إيقاعَ قلبِها في تناغم مذهل، بسمتُهُ كانت تشقُّ قلبَها وتذيبُها ككومةِ ملابس، أما مناغاتُهُ فلم تكن تحتملها، لأنها مع كلِّ مناغاةٍ كانت على شفا فقدانِ وعيِها من السعادة.

[استشهدَ أحدُ الشبّان...]
كان قلبُها ينخلِعُ من مكانِهِ كشجرةِ أقلقتْ جذورَها الريحُ كلما سمِعَت خبراً عن شخصٍ مصابٍ في هذه المأساةِ الممتدَّةِ، كانت تضعُ نفسَها مكانَ أمّ الشاب المصاب أو المقتول، وكثيراً ما بكتْ وحدَها على شخصٍ لم تعرفه، لأنها حين كانت تضعُ نفسها مكان أمِّه، فإن ذلك يعصرُ قلبَها بين فكّي كماشةٍ بأسنانٍ صلبةٍ وحادّة.

حينَ جاؤوا بِهِ مسجيَاً، لم تسأل عن سببِ موتِهِ، لم تبكِ، لم تزغرد، لم تشق ثوبَها، فقط طلبتْ أن يتركوها معه وحدَها لخمس دقائق، أغلقت الباب، وراحت تتفحص الأعوام العشرة التي ربَّتْها دقيقةً بدقيقة، أظافرَهُ التي لم يحِنْ موعدُ تقليمِها نصف الشهري بعد، أقدامَهُ المجرّحة قليلاً من لعب الكرة، فرغم كل الجراحِ التي غطّتْ جسدَه الصغير، كانت تميّزُ جروحَهُ التي تحبُّها، هذا جرحُ ركبَتِهِ حينَ انزلقَ عن درجِ المدرسةِ فرِحاً بالشهادةِ، وهذا الحرقُ الصغير الذي لا يكادُ يُرى، حينَ وضعَ يدَهُ في كأسِ الشايِ حين كان في الثانية، وهذا الجرحُ في حاجِبِهِ حينَ ارتطمَ بقائمةِ السريرِ حين راودَهُ كابوسٌ مرعِبْ، راحَت تقبِّلُ جراحَهُ جُرحاً جُرحاً، تمسِّدُ شعرَهُ بيدٍ مرتجِفَةٍ وتزيلُ الدَّمَ المتصلِّبِ عن الجروحْ، طرَدَتْ سؤالاً هاجَمَها فجأةً: أيُّ هذه الجروحِ قتَلَك؟

[استشهدَ أحدُ الشبّان...]
من صاغَ الخبرْ، لم يكُن يعرفُ كلَّ هذه التفاصيل، لم يعرفْ عليّ، ويبدو أنه لم يعرِف غيرَهُ كذلك، هكذا قالت للمراسلين الذين تجمّعوا أمامَ البيت وهي تعودُ أدراجَها دونَ أن يجرؤ أحد على أن يتبعَهَا.

الثلاثون من تموز 2011

     
عدد التعليقات 0