khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
قصص قصيرة
قرنفلة بيضاء

رأيتُ الرّجُلَ يمشي تائهاً، كأنَّ قوَّةً مجهولةً تَسْحَبُهُ إلى مكانٍ مجهولْ، ثلاثُ سنواتٍ وأنا أراهُ كلَّ صباحٍ أثناءَ مشواريَ اليوميِّ إلى العملْ [لا أعرِفُ إن كانت لديهِ نفس الطقوس في أيامِ الإجازاتِ والأعياد]، لم ينقَطِعْ عن عادَتِهِ هذهِ وملحقاتِها، وردةُ قُرُنْفُلٍ بيضاء في يدِهِ، وسيجارة مشتعِلة في يدِهِ الأخرى، ويعودُ دائماً عندَ عودَتي من العملْ، وفي يدِهِ سيجارة مشتعلة أيضاً وتكونُ الوردةُ قد اختَفَتْ.

كنتُ أتساءلُ أحياناً عن المكانِ الذي يذهبُ إليهِِ، ولكنَّ الأحداثَ غالباً ما كانتْ تأخذُني فأنساهُ هو وتساؤلاتي عنهُ، فقدْ كانَ الحيُّ كلُّهُ يعرِفُ أنّهُ يملُكُ بضعَ محلاّتٍ ورِثَهَا عن أبيه، ويؤجِّرُها بمبالغَ عالية، لذا فهوَ لم يكُنْ يعملْ، فقطْ، يعيشُ من إيجارِ المحلاتِ في بيتِهِ الصغيرْ ذي الحديقةِ المزروعةِ كلِّها بالقُرُنفُلِ الأبيَضْ، وعدا ذلك، لم يكن أحد يعرفُ عنهُ الكثيرْ، فهو لا يُكلِّمُ أحداً إلاّ نادِراً، ويجيبُ إجاباتٍ مقتََضَبَةٍ تدعو مُحَدِّثَهُ إلى الاختصارْ.

وحْدَها الصُّدفَةُ أخرَجَتني ذاتَ يومٍ من مَكتَبيْ، حينَ ماتَ والِدُ إحدى زميلاتي في العملْ، كانَتْ مُنْهارةً، وطَلَبَتْ منّي أن أرافِقَها إلى المقبرةِ لتقرأَ الفاتِحةَ على روحِ والِدِها الذي دُفِنَ قبلَ أيّامٍ ولم تشارِكْ هيَ في طقوسِ دَفنِهِ، وتحتَ ضغطِ معزّتي لها، والأكثر تحتَ ضَغطِ انهيارِها، وافقتُ، فصعَدْتُ في سيّارَتِها واقتَرَحتُ عليها أن أقودَ أنا السيارةَ نظراً لحالَتِها، فوافَقَتْ دونَ كلماتْ، وبعدَ دقائق كنّا أمامَ قبرِ والِدِها، قرأنا له الفاتِحةَ، فأحسستُ بعدَها أنها تحتاجُ أن تبقى معه وحيدةً، فأخذتُ أتمشى في المقبرةِ إلى أن تنتهي من طقوسِها.

غريبةٌ هي المقابِر، حينَ تنظُرُ إليها وأنتَ غير مشغولٍ بدَفنِ أحدْ، تُنْبؤكَ بآلاف الأشياء، المقابرُ عالمٌ كامِلٌ من الحكايات التي تبدو صامتَةً، وهي تقولُ كلَّ شيء، وفيما كانت الخواطرُ تتنازعُ في رأسي، لمحتُ قبراً غريباً بلونٍ بنفسجيٍّ فاتِحٍ مما جَعَلَهُ يتميَّزُ من بعيدْ، والذي ساهمَ في تميُّزِهِ، كان القرنفلَ الأبيض الذي يغطي معظمَ سطحِه، مئاتُ القُرُنفُلاتِ يتراوحُ لونَها بينَ الأبيضِ والأصفَر، كانَ واضحاً أن كلَّ وردةٍ هي أقدَمُ من أختِها بزمنٍ محدد، لأنّ التدرُّجَ الذي يُحدِثُهُ الوقتُ في اللونِ بدا منسجماً إلى حدٍّ لا يُصَدَّقْ، وكانَ ذلكَ الجار الغريب يمسِكُ في يدِهِ كِتاباً ويقرأُ بصوتٍ منخفِضٍ جوارَ القبرِ، ظننتُهُ في البدايةِ قرآناً كعادةِ الناسِ حينَ تجلِسُ جوارَ القبورْ، ولكني اقتربتُ منه مسافةً كافيةً لأسمعَهُ يقرأ عن أميرٍ وغزالةٍ وحدائق يخوضون في الحكاية بفرحٍ لا ينسجمُ مطلقاً مع رجلٍ يجلسُ في مكانٍ كهذا.

عدتُ، مذهولاً قليلاً، كانت زميلَتي قد انتهت من طقسِها، مع بعض الدموعِ في عينيها، وأنفاساً أكثرَ هدوءاً من لحظةِ قدومِنا، وعلى الفورِ لاحَظَتْ أن عينيَّ ما زالتا معلَّقَتَين بالرجلِ الجالسِ جوارَ القبرِ، فسألتني إن كنتُ أعرِفُهُ، فأومأتُ بلا، فقالت: أنا على استعدادٍ للموتِ غداً لو أنَّ رجلاً مثلَهُ أعطاني وعداً كوَعْدِهِ!!

بالطبعِ أثارَتْ فضولي، أنا غيرُ الفضولي بطبعي، ورفعتُ حاجبيَّ حاثَّاً إياها على أن تكملْ، فأكْمَلَت: في الحربِ، أصيبَت ابنَتُهُ، كانتْ صديقةَ أختي في المدرسة، وقبلَ أن تموتَ وهي ترتجِفُ بينَ يديه، قالت له: يا أبي أنا أخافُ عتمةَ القبرِ، فإذا متُّ فلا تتركني هناكَ وحدي، كلُّ من حضَرَ المشهدَ بكى وهو يسمعُهُ يعِدُها بأنَّهُ سيظلُّ إلى جوارِها يوماً بيوم إلى أن يموتَ هو، ومنذ ذلك اليوم وهو يأتي كلَّ صباحٍ ويغادِرُ في المساءِ بعدَ أن يقرأ لها قصصاً من كتابِهِ الذي تراه في يدِهِ.

لم أسألْها كيفَ عَرِفَتْ هذه الحكاية بتفاصيلِها، كنتُ أعرِفُ أن القصَّةَ يمكنُ لها أن تكونَ قد تحوَّرَتْ بانتقالِها من فمٍ إلى فم، لكنَّ الأمرَ الخارجَ عن الشكِّ، أنني أصبحتُ أذهبُ يوميّاً لأراقبَ هذا الرجلَ من بعيد، وهو إلى اليوم، يضعُ قرُنفُلَةً على القبرِ البنفسجيِّ، ويبدأُ بقراءة القصصِ من كِتابِهِ، كمن يقرأ كي يجعلَ طفلاً يخلُدُ للنّومْ.

الرابع والعشرون من تشرين أول 2011

     
عدد التعليقات 1