khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
قصص أطفال
نميملة

جَلَسَتْ "نُمَيْمِلَةْ" في الشَّمْسِ الصباحيّةِ تنظّفُ مقصّاتِها استعداداً ليومِ عملٍ جديدْ، لكنّها كانت تشعرُ بالحزنِ لأنَّ مشاكِلَها مع النّملاتِ لم تنتهِ.

فمنذُ أن فقست البيضةُ عن "نُمَيْمِلَةْ" وهي تعاني من مشكلةِ حَجمِها الصّغير، بالطبعْ هي لم تلتَفِتْ لهذا الأمر في البداية، لكنّ نظرةِ ملِكَةِ النّملِ إليها، تلك النظرة التي لن تنساها، جعلها تشعرُ أن هناكَ شيئاً ليسَ على ما يُرام، وبعدها أطلقوا عليها إسم "نُمَيْمِلَةْ" والذي يعني نملة صغيرة جداً، ورغمَ أنّها كانتْ مِن أنشطِ النَّملاتِ في العمل، إلا أن هذا لم يشفع لها عندَ طوابيرِ النّملِ الذي راحَ أفرادُهُ يضحكونَ مِنها ويقولون عنها أشياء مضحِكة، وعندما كانت تغضب منهم، كانوا يقولون لها إنهم فقط يتسلّون أثناء العمل المتعب، ولكنها كانت تشعر بينها وبين نفسها أنهم يقولون ذلك من وراء قلوبِهمْ، وأنّهم في الحقيقة لا يحبّونَها.

كانت "نُمَيْمِلَةْ" تسيرُ في آخر الطابورِ في أحدِ الأيّام، حينَ تفاجأت بأن النظام في الطابور اختلّ، وصارت النملاتُ تجري يميناً وشمالاً وهي تصرُخ، وقد ارتبكتْ "نُمَيْمِلَةْ" كذلك لأنها لم تكن تعرف ما الذي يحدث، والتجأت إلى شقٍّ صغيرٍ جداً مع نملةٍ عجوز، أخذتْ العجوزُ تلهثُ، فانتظرت "نُمَيْمِلَةْ" حتى هدأت أنفاس النملة العجوز، وسألتْها: ما الذي يحدث يا خالتي؟
نظرت إليها العجوزُ بإشفاق، وقالت: إنّهُ آكل النملِ يا "نُمَيْمِلَةْ".

ارتجفت "نُمَيْمِلَةْ" بمجرّد سماع الإسم رغم أنها لم ترَ آكلَ نَملٍ في حياتِها من قبل، وسألت بارتباك: وما هو آكلُ النملِ هذا؟ فابتسمت العجوز بإشفاق وقالت: إنه حيوان كبير جداً، أكبرُ منا ملايين المرات، له خرطوم طويل ولسان طويل، وفيه سائل يلتصق به أي شيء يوضع عليه هذا الخرطوم، وحينَ يدخل آكل النمل منطقة في الغابة فإنه لا يبقي فيها نملة إلا وأكلها، قولي وداعاً لبيت النمل.

خافت "نُمَيْمِلَةْ" كثيراً من آكل النمل، ونظرت بحذر إلى خارج الشق، كان آكل النمل قد انتهى من الأكل ولم تشاهد "نُمَيْمِلَةْ" أي نملة من الطابور، يا إلهي، إنها مجزرة، وأخذت تبكي بمرارة، وراحت العجوز تهدئ "نُمَيْمِلَةْ" إلى أن نامت.

بعد ساعتين، أفاقت "نُمَيْمِلَةْ" ونظرت خارج الشق، كان آكل النمل قد ذهب، فخرجت مع العجوز إلى بيت النمل، كانت بعض النملات القليلات قد نجحن في الفرار من الطابور، وأخبرن بقية النمل، لذلك فقد كانت حالة البيت لا تُصَدَّقْ، فرغم النظام المعروف عن النمل، كانت كل نملة مشغولة بنفسها وبخوفها، بينما الملكة تحاول الكلام ولا أحد يسمع، والكثير من النملات يبكين من الخوف.

بعضهن اقترح أن يغادرن المكان، والبعض الآخر اقترح الاستسلام للأمر الواقع، وأخريات اقترحن أن يزِدْنَ متانةَ البيت ويصغّرنَ فتحاتِهِ، وبينما الجميعُ يتكلم في نفس الوقت، خرج صوتٌ مرتَبِكٌ وضعيف من بين حشود النمل: هل تسمحين لي بالكلام يا جلالة الملكة؟

نظر الجميعُ إلى مصدر الصوت، والبعض كتم ضحكته، كانت "نُمَيْمِلَةْ" هي التي طلبت الكلام، ولأن الملكة لم تكن تعرف ماذا ستفعل في هذه المشكلة، فقد أذنت لها بالكلام، فقالت "نُمَيْمِلَةْ": إننا لو هربنا من بيتنا، فما الذي يضمن أننا لن نجد آكل نمل آخر في المكان الذي نذهب إليه؟ ولو استسلمنا للأمر الواقع فإنه سيأكلنا جميعا يوما بعد يوم مهما كان عددنا كبيراً، ولو زدنا متانة البيت، فهذا شيء جميل، ولكن ماذا ستفعل النملات حين يخرجن لجلب الطعام؟ لن ينفعهن البيت في شيء كما حدث اليوم.

أعجبت الملكة بكلمات "نُمَيْمِلَةْ"، ونسيَتْ حجمَها المضحِك، وصمتَ الجميع، فقالت الملكة: وهل لديك حل يا "نُمَيْمِلَةْ"؟

شعرت "نُمَيْمِلَةْ" بالفخر لأول مرة في حياتها، فالملكة شخصياً تسألها إذا كانَ هناك حلّ، فقالت بخجل: نعم يا مولاتي، أظن أن عندي حل سيخلصنا من آكل النمل مرة واحدة وإلى الأبد.

أخذت النملات تنظر إلى بعضها، وانقسمن إلى فريق يصدق "نُمَيْمِلَةْ" ويأمل أن يكون كلامها صحيحا، وفريق يظن أن هذا لعب أولاد صغار، فكيف ستخلصهم "نُمَيْمِلَةْ" من آكل النمل وهي حتى أصغر من النمل نفسه الذي هو صغير أصلا؟

قالت "نُمَيْمِلَةْ" دون أن تلتفت لهم وهي توجه كلامها للملكة: تعرفين يا مولادتي ثمرة الحنظل؟
قالت الملكة: نعم أعرفها، إنها ثمرة شديدة المرارة ولا يستطيع أحد أن يتذوقها، ولكن كيف ستخلصنا ثمرة الحنظل من آكل النمل؟

قالت "نُمَيْمِلَةْ": لو أننا صنعنا فيها فتحةً وأخرجنا السائل من داخلها، وبدأنا في دهن بعض النملات به، فإن آكل النمل ما أن يبدأ بأكلنا حتى يبصقنا ولن يعود لأكلنا من جديد.

بدأت الهمهمة في المكان، فقد بدت فكرة "نُمَيْمِلَةْ" معقولة جداً، لم تخطر على بال أحد من قبل، لكن "نُمَيْمِلَةْ" أضافت: وسنقوم برش هذا السائل حول بيتنا، وهكذا لن يستطيع أي آكل نمل أن يقترب منا.

قالت الملكة: أنت يا "نُمَيْمِلَةْ" المسؤولة عن تنفيذ هذا الاقتراح، وعلى جميع النملات من الآن فصاعداً وبأمر مني أنا الملكة شخصياً أن تكون "نُمَيْمِلَةْ" هي القائدة المسؤولة عن حماية النمل وبيت النمل.

انصرفت الملكة وسط ذهول الجميع، بينما لم تُضِعْ "نُمَيْمِلَةْ" الفرصة، وصرخت بأعلى صوتِها: أريدُ فرقةً لتجلب لنا سائل الحنظل، فخرجت من بين الصفوف كثير من النملات تطوعن للبحث عن الحنظل وإحضاره، وبعد أن أحضروا الثمرات وثقبوها، خرج منها السائل فتطوعت آلاف النملات لدهن أنفسهن به، ووقف الجميع استعدادا لتلقي أوامر "نُمَيْمِلَةْ"، التي نظمت الطابور وخرجت به إلى حيث المكان الذي يتواجد فيه آكل النمل، وقالت نملة لرفيقتها: النمل يهرب من آكل النمل ونحن نذهب لنبحث عنه؟ إن هذا جنون.

لكن ما أن شاهدهم آكل النمل حتى جري باتجاههم، وما أن تناول أول نملتين حتى بصقهما وراح يخبط قدميه في الأرض ويدور حول نفسه، ثم هرب سريعاً من وجه طابور النمل.

أخذت النملات تقفز في الهواء فرحاً، أما "نُمَيْمِلَةْ"، فقد حُمِلَت على الأكتاف وسط أغانٍ [نملانية] عالية، ومنذ ذلك اليوم نسي الجميع حجم "نُمَيْمِلَةْ" وأصبحوا لا يذكرون إلا حجم ما فعلته حين أنقذت عالما كاملاً من النمل رغم حجمِها الصغير.

السابع عشر من أيلول 2011

     
عدد التعليقات 0