khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
قصص قصيرة
ليلة انتحار الفرس البيضاء
بذهولٍ وقفَ على رأسِ الجرفِ، ينظرُ إلى جسدِ الفرسِ الذي تحطَّمَ على الصخورِ المسنَّنَةِ أسفلَ الوادي، دمعتان كبيرتان تنحدِران من عينيه، والوقتُ صارَ غُباراً، انتحرت الفرسُ البيضاء!!! وُلِدَتْ من ذاكرةِ فرس، فالأحصنة تولدُ في ذاكرات أمهاتها أولاً، لذا تقف على أقدامها بمجرد أن تولد، لأن كل ما يسبق ذلك تكون قد عاشته في ذاكرة أمهاتنا ثم في أرحامها بعد ذلك. عالمها مدجج بالأحراش والشجر، أشعلوا النار في ثلاث جهات والمصيدةُ في الرابعة، عَلِمَتْ أنها مصيدة، لكنها لم تملك خياراً، وبيعتْ كما تباعُ الأفراسُ دائماً بعدَ صيدِها، المروَّضةُ أغلى ثمناً، لكنَّ من اشتراها رغبَ من الأصلِ في فرسٍ بيضاء غير مروّضة، صنعَ لها اسطبلاً جميلاً، ولم يحاول ترويضَها، إلا أنه حاولَ التقرُّبَ منها دائماً، إلى أن صارتْ تمشي جوارَهُ دونَ سرجٍ أو لجام، أحبَّ حريَّتَها وأحبَّت رقَّتَهُ وسعادَتَه حين يراها تركضُ في السهول القريبة، تعتلي السفوحَ وتهبطُ مثل شلالِ غيمٍ بعرفِها غير المقصوص، وهي تمطُّ رقبتَها إلى الأمامِ كأنها على وشكِ الطيران، يراها فيمتلئُ قلبَهُ بالفرح، وهذا كلّه لم يكن يعادلُ فرحته حين تعودُ إليه، فقد جرَّبَ أكثرَ من مرةٍ أن يتركها حرَّةً، فكانت تمارسُ جنونَها وعنفوانها مع الفضاء، لكنّها تعودُ إليه في النهاية. كان اتفاقاً غير مكتوب بين عينيه وعينيها الواسعتين، أن يعطيها حريَّتها، وأن تعطيه هذا الفرح الكبير، وأخذت الشهور تمرُّ كلعبةٍ في يدِ ساحرٍ متمكِّن، وبدا أن الأبدَ توقَّفَ عند قدمِ السهلِ الذي ينتهي بسلسة الهضابِ تلك محدودةً بالأوديةِ حولَها، لقد بدت السعادةُ التي خفقَ بها قلبه سعادةً لا تنتهي، ولن تنتهي. يومَها، انطلَقَتْ كعادَتِها، اعتلت الغيمَ، صادَرت الأمكنةَ تحتَ حوافِرِها التي لم تكن تلمس الأرض، علَّبَت الوقتَ وهي تنضحُ عرقاً وتعدو، ظلّتْ تعدو وتعدو وتعدو، أفراسٌ كثيرةٌ على عينِ الماءِ تلك، حمراء وبيضاء وسوداء ورمادية، ركضت جميعها في سباقٍ محمومٍ مع المتعةِ، وقفت على قوائمها الخلفية، تعانقت، لمست أجسادَ بعضِها بأجسادِها، كان يوماً لم تعِشْهُ في حياتِها، تمرّغت على العشبِ، واستحمَّتْ في الماءِ الباردِ كي تزيلَ أعقابَ العرقِ عن جلدِها المخمليّ، تحوَّلتْ روحاً شفافةً يتخلَّلُها الهواءُ والنّور، ومضى الوقتُ دونَ أن تشعر. انفضّ الطقسُ العظيمُ، نفضتْ قوائمها وشاهدَت انسحابَ الضوءِ بطيئاً في الأفق، تذكّرت صاحبها، أخذتْ تعدو عائدةً كأمٍّ تصارعُ الزمنَ كي تنقذ ابنها، جَرَتْ كما لم تجرِ من قبل، كانت السهولُ تنطوي تحتَ أرجلِها كفكرةٍ أكثرَ مما تكونُ مسافةً، وحينَ لَمَحَتْهُ من بعيدْ واقفاً في مكانِهِ الذي اعتادَ أن ينتظرها فيه، نسيتْ لهاثها وزادت في السرعةِ، كانَ وجهُهُ مختلفاً عن الأمسِ، أبطأت من سرعتِها حين اقتربت، وأمالت رأسها وأخذت تقتربُ منه ببطءٍ منتظرةً قطعة السُّكَّر، كان يعقدُ يديه وراءَ ظهرِهِ، لم يفتحهما كما العادة، وحينَ أصبحت في متناولِهِ، فكّ عقدَةَ يديه، ولسَعَتْها ضربةُ السّوطِ بين كتفيها. تراجعَتْ خطوتين إلى الوراء، وقبلَ أن يهوي السوطُ مرةً أخرى على جلدِها المرمريّ، رأى دمعتين تسقطان من عينيها، أدارتْ ظهرها له، دقّت قدمَها في الأرضِ، وركضَت، ركَضتْ حتى صارَ الفضاءُ صراخاً، صهيلُها وحمحمتُها يشقّان المسافة بينه وبينها فيما هو يحاولُ جاهداً أن يلحقَ بها، ناداها بكلّ الأسماء التي تحبُّها، لم تتوقف عن الركضِ إلا أعلى الجرف، وهناك، هناك فقط، استدارت، ونظرت إليه، وأكملت ركضَها إلى القاع. الثلاثون من نيسان 2012
     
عدد التعليقات 0