khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
قصص قصيرة
مقام سيدي يوسف البتيري
مثلَ كلِّ المقاماتِ المنثورةِ في القُرى البعيدة، لم يكن أحد يعلمُ شيئاً عن سيدي يوسف البتّيري، ربما المعلومات القليلة التي يوحي بها الاسم، حيث تقع قرية بتّير غرب الشارع الذي يمر من أمام مدينة بيت لحم، فيما يرقد قبرُهُ المغطى بقماشة حريرية حمراء، وليست خضراء كعادة قبور المقامات، في تلك الزاوية المجاورة لما كان يفترض أن يكون خطاً للسكة الحديد يربط القدس بالخليل، ولكن على ما يبدو أن طبيعة الجبال قد أوقفت ذلك الحلم. بالصدفةِ البحتة، وفيما كنتُ أقومُ برفعِ عشبةٍ صغيرةٍ من جوار الضريح، وجدتُ أن جذر العشبة يسيرُ تحت التربةِ الطينية متعمّقاً ببطء في اتجاه الضريح، سارت يدي مع العشبةِ لأعثر على حفرةٍ في نهاية الأمر، فيها لفافة ملفوفة بعدة طبقات من النايلون والخيش، نظرتُ حولي، فلم يكن هناك أحد في مثل هذه الساعة من الفجر الطازج، دسست اللفة تحتَ معطفي، وتسللتُ إلى البيتِ يجرُّني الفضولُ كنعجةٍ جائعةٍ إلى المرعى. أخرجتُ كنزيَ بحرصِ صائغٍ وأخذتُ أزيلُ الأشياء عنه ببطء، إلى أن تفتحت أمامي ثلاث قطعٍ من الجلدِ الرقيق، على ما يبدو أنه جلدُ غزالٍ مدبوغ، وقد امتلأت بالكتابةِ بالخطّ الكوفي، الكاتبُ الذي وقّعَ اسمه بوضوحٍ في نهاية الرقعة الثالثة، كان من الواضحِ أنّه ابن صاحب المقام، علي يوسف البتّيري، ويقولُ ذلك بنفسه في الرقعة الأولى: كي لا يضيعَ أبي يوسف البتّيري وسطَ مقاماتٍ لا أهلَ لها ولا ذاكِرة، أحرِّرُ أنا علي يوسف البتّيري هذه الرقعة كي تقطعَ شكاً بيقين، وتجلو ظلمةً بنور، فالله يغلبُ على أمرِهِ ولو تمهَّلَ، والحقُّ لا يضيعُ إن وَجدَ من يسعى فيه وله. أخذتُ أقلِّبُ الرقعات الثلاث، أعيدُ قراءتها غير مصدقٍ لما بين يديّ، فيوسف البتّيري لم يكُنْ شيخاً ولا صاحبَ طريقة، ولم يكن اسمه يوسف البتّيري من الأصل، فالبتّيري هو نسبُهُ إلى بتّير، وكانَ مقاتلاً ضدَّ العثمانيين في زمن احتلالهم الأول لفلسطين، قاتل ضد الضرائب المبالغ فيها، قاتل ضد الجندرمة، وضد مصادرة الأراضي وضد مشاركة الناس في أرزاقهم، كوَّنَ جيشاً صغيراً قِوامُهُ عشرونَ رجلاً، يعملونَ بسرّيّةٍ في الجبال المحيطة بالقدس، حقّقوا إنجازات قريبة مما فعله روبن هود، وكان هذا المقام فارغاً، لأن يوسف البتيري اختلقَ القبرَ ليخفي فيه الأسلحة والغنائم التي يحصل عليها من الجيش التركي، وكانَ الفقراءُ في تواطؤٍ غير معلن، يأتونَ ليأخذوا نصيبهم من الغنائم حسبَ تقسيمةٍ أعدّها البتيري بنفسه، وظلَّ هذا الوضعُ قائماً إلى أن ماتَ بدونِ مقدِّمات بعد أن انفجر في جبهتِهِ جرحٌ قديمٌ من أثر إحدى المعارك، فقرر إبنه علي أن يدفنه في نفس المكان الذي اخترَعَهُ أبوه، واستمرَّ الاسمُ مصاحباً للمقام، مع تغيير بسيط، هو أن الضريح أصبحَ ممتلئاً بجسدِ يوسف البتّيري بعد أن كانَ معبّأً بأفكارِهِ وغنائمه. الغريب في الأمر، أنني اكتشفتُ أن معظم سكان القرية التي يقع فيها الضريح، والقرى التي تجاورها، يعرفون القصة كاملةً، لكنهم ما زالوا يحتفظون بها كسرٍّ لا يجوز البوحُ به رغم مرور قرونٍ على حياةِ البتّيري وموته، كأنّهم يحملون في جيناتهم وفاءً عتيقاً لهذا الذي أخرجَ أجدادهم ذات يومٍ من شعورهم بأنهم وحدهم أمامَ وحشٍ لا يرحم، وجعلهم يثقونَ بأن الحياةَ ممكنةٌ حتى في ظرفٍ قاسٍ كالذي كان العثمانيون يفرضونَهُ، أما أنا، فقد أعدتُ لفَّ الرقاعِ الثلاث بحرصٍ زائد، وأعدتها إلى مكانِها جوار الضريح، ومضيتُ مثلَ أي واحدٍ منهم، أعرفُ السرَّ الكبير ولا أحدِّثُ به أحداً. الحادي والثلاثون من آذار 2012
     
عدد التعليقات 0