khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
أبحاث ودراسات
المعارك والثورات في فلسطين [1]

المعارك والثورات في فلسطين

بعيداً عن العالم القديم لم تكن هناك حضارة تذكر، والحضارة لها وجهان بالطبع، وجه جميل تمثل فيما تخلفه من إبداعات ووجه قبيح يتمثل في الحروب التي تشن لسبب أو آخر كالدفاع عن حدود أو اكتساب أراض جديدة أو حتى نشر فكرة أو معتقد.
وكلما كانت المنطقة معنية أكثر بالحضارة كلما ازداد عدد الحروب فيها، لازدياد الطامعين في أراضيها وثرواتها.
فلسطين لم تكن استثناء، فعلي مر التاريخ واجهت العديد من المعارك والحروب مع دول مختلفة وحضارات مختلفة وديانات مختلفة، هذه المواجهة فرضها الموقع الذي تتمتع به فلسطين من حيث كونها طريق مرور سواء من الشمال إلى الجنوب أو من الغرب إلى الشرق وبالعكس، مما أدى إلى وقوع عدد كبير من المعارك على أرضها، معارك كان لفلسطين أحياناً دخل فيها، وأحياناً أخرى كانت مجرد أرض تجري فوقها المعركة.
سنحاول في هذا الملف استعراض أهم المعارك والثورات التي حدثت على أرض فلسطين كرتبة زمنيا من الأقدم إلى الأحدث.

[1] معركة اليرموك:
[2] موقعة الطواحين:
[3] معركة الأقحوانة:
[4] معركة حطين:
[5] معركة غزة الثانية:
[6] معركة عين جالوت:
[7] معركة خانيونس:
[8] الحملة الفرنسية:
[9] ثورة 1834:
[10] ثورة يافا:
[11] ثورة 1929:
[12] ثورة 1929:ثورة البراق
[13] ثورة 1935:
[14] ثورة 1936-1939
[15] معركة جدين:
[16] معارك باب الواد:
[17] معركة بيت سوريك
[18] معركة بئر السبع
[19] معركة بيسان
[20] معارك حيفا:
[21] معركة خربة اللحم:
[22] معركة الدهيشة:
[23] معارك جبل الرادار:
[24] معركة رأس العين:
[25] معركة بيت داراس:
[26] معركة الزرّاعة:
[27] معارك سلمة:
[28] معارك الشجرة:
[29] معركة شعفاط
[30] معارك الشيخ جراح:
[31] معركة الصبيح:
[32] معركة صفد:
[33] معركة صور باهر:
[34] معركة طبريا:
[35] معركة ظهر الحجة:
[36] معركة عطروت:
[37] معركة عكا:
[38] معركة غور الصافي:
[39] معركة قاقون:
[40] معركة القسطل:
[41] معركة القطمون:
[42] معركة كفار عتصيون:
[43] معركة كفر كنا، معركة عين ماهل
[44] معركة كوكب الهوا:
[45] معركة اللد والرملة:
[46] معركة الماصيون:
[47] معارك المالكية:
[48] معركة مشمار هعيميك "حامية المرج"
[49] معركة مشمار هايردين:
[50] معركة المصرارة :
[51] معركة جبل المكبر:
[52] معركة ميكورحاييم:
[53] معارك الناصرة:
[54] معركة النبي يوشع:
[55] معركة وادي الجوز:
[56] معارك يافا:
[57] حرب 1948:
[58] معركة رامات هكوفتش:
[59] معركة السموع:
[60] حرب 1956: العدوان الثلاثي:
[61] حرب 1967:نكسة حزيران يونيو 1967
[62] معركة الكرامة:
[63] حرب الاستنزاف المصرية الإسرائيلية:
[64] حرب الاستنزاف السورية الإسرائيلية:
[65] معركة كفر شوبا:
[66] انتفاضة الجليل: [يوم الأرض]
[67] معركة الشقيف:


[1] معركة اليرموك:
يطلق على الأرض والوادي والنهر اسم اليرموك، وقد أصبح يطلق على المعركة التي جرت بين المسلمين والبيزنطيين في نفس المنطقة، وهذه المعركة لم تحدث في بقعة معنية، لكنها كانت ممتدة حق التقاء نهر اليرموك بنهر الأردن. وهناك اختلاف بين المؤرخين على مكان وزمن وقوع المعركة لكن هذه الاختلافات تضعها بين سنة 13هـ و15هـ (634-636م).
بعد عام من المعارك بين المسلمين والحاميات البيزنطية في الشام أدرك البيزنطيون خطورة الفتح الإسلامي فقام هرقل بحشد الجيوش بقيادة "ماهان" بهدف إخراج المسلمين من الشام، ولمعرفة كم الجيوش التي جاء بها هرقل نقرأ جزءاً من رسالة أبي عبيدة بن الجراح لعمر بن الخطاب "نفرت الروم إلينا براً وبحراً وسهلاً وجبلاً، ولم يخلفوا وراءهم رجلاً يطيق حمل السلاح إلا جاؤوا به". ويقدر المؤرخون عدد الجيش البيزنطي بين مئة ألف على أقل تقدير و400 ألف على أكثر تقدير. فيما كان المسلمون يعدون ما بين 24-46 ألفاً.
تقابل الجانبان وبدأت المناوشات، فتفوق البيزنطيون لحسن تنظيمهم، لكن المسلمين تجمعوا تحت راية خالد بن الوليد، وخاضعوا معركة عنيفة شارك فيها كثير الصحابة وقاتلت النساء كذلك، فانكشف الروم وفروا وداس بعضهم بعضاً وتراجع من نجا منهم إلى المدن. وكان السبب المباشر في هزيمة الروم ذلك اليوم هو قرار جبلة ابن الأيهم القتال مع العرب هو وجماعته رغم كونه مسيحياً، إلا عليهم من الخلف. كانت هذه المعركة بداية لفتوحات كثيرة بعد ذلك، وبداية لانهيار دولة البيزنطيين.

[2] موقعة الطواحين:
هذه الموقعة جرت بين الجيش العباسي بقيادة أبو العباس ابن الخليفة الموفق، وبين الجيش الطولوني بقيادة خماروية بن أحمد بن طولون.
بعد احتلال أبو العباس لسوريا الشمالية ودخوله أرض فلسطين، تجمع المنهزمون من سوريا وما خرج من مصر من جند مع خمارويه إضافة إلى حامية فلسطين ليواجهوا الجيش العباسي سنة 271هـ، على نهر أبي قطرس [المعروف الآن بنهر العوجا] شمال الرملة، أصبح المكان فيما بعد يدعى الطواحين. في البداية أحزر العباسيون نصراً على الطولونيين، وهرب الأمير الطولوني حتى وصل عاصمة مصر فأنشغل العباسيون بجمع الغنائم، فخرج عليهم كمين يقوده سعد الأيسر، فظنوا أن المهزومين قد عادوا فاندحر العباسيون حتى دمشق. ونتيجة لهذا الانتصار توطد سلطان الطولونيين في فلسطين وفي قسم كبير من شمال سورية، أما الأسرى فقد تعامل معهم خماروية كضيوف.

[3] معركة الأقحوانة:
كثر الطامعون في إخراج الفاطمين من بلاد الشام، ومن بينهم بنو مرداس، وكان مؤسس دولتهم هو صالح بن مرداس الكلابي، الذي انتزاع حلب من منصور بن لؤلؤ عام 1023م، وكان بنو الجراح يطمعون في حكم فلسطين، وكان لسنان بن عليان مطمعاً في إقامة ملك في بلاد الشام.
كان من الطبيعي أن يقوم حلف بين صالح بن مرداس وحسان بن الجراح وسنان بن عليان علي أن يتعاونوا على طرد الفاطميين وافتسام البلاد، المرداسيون في الشمال وبنو الجراح لهم من الرملة حتى حدود مصر، ودمشق ومحيطها لسنان وجماعته.
لم يكن الخليفة الظاهر غافلاً عما يحدث، فأرسل جيشاً ضخماً مجهزاً (1030م) بقيادة أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري فانتصر الدزبري وقتل صالح بن مرداس وهرب حسان بن الجراح إلى البيزنطيين واسترد الفاطميون سوريا بهذا النصر.
جرت الموقعة عند الأقحوانة وهي مكان على طريق الأردن ـ سوريا ـ فلسطين جنوب مدينة طبريا على نهر الأردن.

[4] معركة حطين:
عام 582هـ كان نفوذ صلاح الدين يمتد فعلاً من الفرات إلى النيل بعد أن قام بإحياء الجبهة الإسلامية المتحدة، الأمر الذي جعل الصليبيين في فلسطين مطوقين من الشمال والجنوب.
وعندما توفي بغدوين الرابع ملك الفرنجة حدث اضطراب في مملكة الصليبيين في القدس، وبعد سلسلة من المؤامرات الداخلية نصب غي لو سينيان على عرش المملكة الصليبية سنة 582هـ. في تلك الفترة كانت هناك هدنة بين صلاح الدين والفرنجة، مدتها 4 سنوات تبدأ سنة 581هـ، لكن ارناط صاحب حصن الكرك اختار أن ينقض على قافلة للمسلمين سنة 583هـ بين القاهرة ودمشق، وزاد الأمر سوءاً رفضه إطلاق سراح أسرى هذه القافلة، وقد كان لوسينيان ضعيفاً عاجزاً عن رد أرناط، فقام صلاح الدين بتعبئة شاملة لقواته التي جاءت إليه من مصر وحلب والجزيرة وديار بكر.
خرج صلاح الدين على رأس قواته في 583هـ من دمشق ليهاجم حصني الكرك والشوبك فاصطدم بجيشهم عند صفورية في موقعة سقط فيها معظم جيشهم بين قتلى وأسرى.
وحد الفرنجة صفوفهم وحشدوا قواتهم عند صفورية، لكن صلاح الدين هاجم صبريا وأحرقها وقد كانت من ممتلكاتهم، فزحفوا لتخليصها في ظروف قاسية، فتقدم صلاح الدين ليرابط عند قرية حطين وهي قرية غنية بالمرعي وفيرة الماء وفيه قبر النبي شعيب.
حدث ذلك في تموز 583هـ، وكان يوم شديد الحرارة، وصلاح الدين اختار مكانه بحيث يمنع الفرنجة عن الماء، فوقف الفرنجة على هضبة، فأمر صلاح الدين بإشعال الأعشاب التي حملت حر النار إليهم وهم عطش ومنهكون من السفر فيما صلاح الدين مرتاح ورجاله قرب الماء، وعندما أشرقت شمس اليوم التالي اكتشف الفرنجة أن صلاح الدين استغل الليل كي يحاصرهم كالدائرة، وبدأ الهجوم الشامل عليهم، وكان أن انتهت المعركة بوقوع الجيش كاملاً بين أسرى وقتلي، والناجي الوحيد مع قلة من رجاله كان ريموند أمير طرابلس، وقد سيق إلى صلاح الدين الملك لو سيناك وأرناط صاحب الحصن وجيرار مقدم الداوية، فأحسن صلاح الدين استقبالهم لكنه تلا على أرناط جرائمه وقتله.
في أعقاب معركة حطين غدت فلسطين في قبضة صلاح الدين فأخذ يفتح البلدان حتى حرر بيت المقدس في سنة 583هـ/ 1187ميلادية.

[5] معركة غزة الثانية:
بعد وفاة صلاح الدين كثر الخلاف بين ملوك الأيوبيين في مصر والشام والجزيرة، فبدأوا حينها بالاستعانة بقوة خارجية إسلامية أو غير إسلامية. وفي العقد الخامس من القرن 13م، استفحل العداء بين الملك الصالح أيوب في مصر، وعمه الصالح إسماعيل في دمشق، وساند الصالح إسماعيل الناصر داوود في الأردن والمنصور إبراهيم في حمص، وهؤلاء طلبوا مساعدة الفرنجة ضد الملك الصالح.
وحشد الثلاثة قواتهم عند غزة تمهيداً لغزو مصر بمساعدة الفرنجة، وعندها استعان الملم الصالح بالخوارزمية، فاندفع منهم عشرة آلاف ليدخلوا بلاد الشام واجتاحوا في طريقهم نابلس والقدس وطبريا حتى اجتمعوا بعسكر الصالح أيوب بقيادة بيبرس قرب غزة.
جرت المعركة في تشرين أول من عام 1244، وحلت بالفرنجة ومن ناصروهم هزيمة ساحقة حتى قدر عدد القتلى بثلاثين ألفاً وأخذ 800 أسير إلى مصر.
وكانت هذه أعظم هزيمة تحل بالصليبيين بعد حطين حتى أن بعضهم أطلق عليها "حطين الثانية".

[6] معركة عين جالوت:
عين جالوت بلدة شمال غرب بيسان، جوار عين ماء تحمل أسمها، وتذكر أحياناً باسم عين جالود، وحدثت فيها معركتان مهمتان، الأولى حين حررها صلاح الدين من الصليبيين عام 1183م، وكانوا قد غيروا أسمها إلى "توبعانية". أما المعركة الثانية فحدثت عام 1259م بين جيوش التتار والعرب.
استولى التتار على دمشق سنة 1259م، دمروها وفتكوا بأهلها، وأرسل هولاكو إلى قطز سلطان مصر كتاباً يهدده فيه ويطلب استسلامه، لكن قطز جمع الأمراء فاتفق الجميع على حرب التتار، ولما أعدت الحيوش المؤلفة من العرب والتركمان، سار السلطان لملاقاة التتار وعلى رأس جيشه الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، فسار إلى غزة وطرد التتار منها ولحقه السلطان ومالبث أن أخذ طريق الساحل إلى عكا. فاستقبله الفرنجه حاملين الهدايا، فأخذ عليهم العهود بعدم الغدر به أثناء حرب التتار.
سار بيبرس بقطعة من الجيش حتى لقي التتار بقيادة كتبغانوين، فأخذ بناوشهم إلى أن لحق به السلطان في عين جالوت.
في 25 رمضان 658هـ/ 1259م، التقى الجيشان، فهزم التتار وطاردتهم جيوش المسلمين إلى القرب من بيسان، وتلاشت أحلام هولاكو في الاستيلاء على مصر، وتعد هذه المعركة من المعارك الفاصلة في التاريخ البشري.
في آخر أيام رمضان نزل قطز قلعة دمشق وأرسل بيبرس لملاحقة التتار فطردهم إلى خارج بلاد الشام وأصبحت كلها من مصر إلى الفرات في حوزة السلطان المملوكي.

[7] معركة خانيونس:
احتل العثمانيون بلاد الشام بعد معركة مرج دابق الشهيرة وهزيمة دولة المماليك، 1516م. وجرت مفاوضات بين السلطان العثماني سليم الأول وطومان باي آخر المماليك في مصر، على أساس أن يبقى طومان باي حاكماً لمصر ويخضع لسلطان العثمانيين، رفض طومان باي ذلك، فقرر السلطان سليم محاربته.
قاد جيش العثمانيين الوزير سنان باشا، وقاد المماليك جانبردي الغزالي، والتقى الجيشان عند خان يونس، في 11/12/1516، فهزم الغزالي وتم أسره، لكن العثمانيين سهلوا له الفرار من الأسر لما ثبت بعد ذلك من تواطؤ معهم، ذلك أنه بادر إلى القتال قبل اجتماع جنوده جمعياً.
ويدل عدم وجود مقاومة للجيش العثماني في فلسطين على مدى نقمة الناس على حكم المماليك، كما أن الخوف من العثمانيين كان له أثره، حتى أن قلعة صفد أرسلت مفاتيحها إلى لسلطان سليم وهو في دمشق. وساعد بدو سيناء العثمانيين في معركة خانيونس وعلى رأسهم الشيخ ابن البريق، وكان ولاء البدو من أهم العوامل في نجاح هجوم العثمانيين.

[8] الحملة الفرنسية:
من المعروف أن الحملة الفرنسية استهدفت مصر أساساً عام 1798 واستمرت لغاية 1801، ولكن هنا نستعرض الجزء الخاص بالحملة في فلسطين.
يعتقد كثير من المؤرخين أن حملة نابليون على فلسطين كانت مبادرة ذاتية، وقد كتب إلى حكومته ولكن كتاب الحكومة الفرنسية وصل إليه بعد أسبوع من حصاره عكا [25/3/1799].
غادرت الحملة الفرنسية حدود مصر في 6/2/1799، وعدد جنودها 13 ألف جندي، وخرج نابوليون ليلتحق بها ويقود الحملة بنفسه في 20/2/1799. وبعد أيام دخل الفرنسيون غزة وقبلها خانيونس، وقد أنقذتهم المؤن في المدينتين بعد أن أكلوا لحوم الكلاب وشربوا الماء الموحل في الصحراء. بعد 4 أيام اتجه نابوليون إلى الشمال بعيداً عن الساحل ليحتل اللد والرملة، ودخل يافا بعد 4 أيام من الحصار والقتال العنيف وذلك في 7/3/1799، وفوجئ نابوليون بجنوده يحضرون 3 آلاف جندي أسير وجدوهم في أبراج المدينة، فخاف إن هو أطلقهم أن يلتحقوا بالجيش الذي يحاربه، وإن هو أبقاهم فليس لديه المؤن الكافية لإطعامهم. فأمر بإعدامهم، فعثر بعد المعركة على 2500 جثة عدا عن 2000 جثة سقطت في الدفاع عن المدينة، فكان من الطبيعي أن يسبب تفسخ الجثث مرض الطاعون بعد ذلك.
تابع نابليون زحفه باتجاه حيفا فاستسلمت له كما تسلم الناصرة، وفي 18/3/1799 كان نابوليون أمام أسوار عكا يبدأ الحصار وبناء المتاريس ورمي المدافع.
كلف الجزال كليبر أثناء الحصار بحماية جبهة مرج ابن عامر من هجوم محتمل من الشرق، وقد جاء الهجوم فعلاً من ثلاثين ألف رجل قدموا من دمشق، واستدرجوا كليبر إلى تل طابور وكان معه 1500 جندي، فأطبقوا عليه، لكن نابليون علم بالأمر فأرسل له نجدة سريعة ففر المهاجمون العثمانيون حدثت هذه المعركة التي عرفت بمعركة تل طابور في 16/4/1799.
بعد أكثر من شهرين من حصار عكا قرر نابوليون الانسحاب بعد أن فشل في اقتحام المدينة فانسحب في 20/5/1799، وقد فشل حصار عكا لعدة أسباب منها حصانة المدينة واستماتة المدافعين وعداء المنطقة كلها لنابوليون كما كان لتدخل الإنجليز بأسطولهم وخبرائهم دور، كما أن نابوليون خسر حوالي 3500 جندي دون أن يكون لديه إمكانية تعويضهم.
وصل نابوليون إلى يافا يوم 24/5/1799، فوجد مئات الجنود الفرنسيين وقد أصيبوا بالطاعون، فأمر الأطباء بقتلهم بالسم، ولما رفضوا حملهم على ألواح خشبية إلى مصر، وقام أثناء مغادرته بنسف التحصينات وإلقاء العتاد في البحر أو دفنه في الرمال، وغادر فلسطين ليصل العريش في 14/6/1799.
في الأحداث الجانبية لحملة نابوليون، فقد نشر في الجريدة الرسمية أثناء حصار عكا أن نابوليون يدعو اليهود لمؤازره فرنسا، وانتهاز فرصة وجوده في فلسطين لتحقيق أملهم بالتواجد بين عكا والإسكندرية، لكن هذا المشروع اختنق بعد فشل الحملة لتلتقطه بريطانيا فيما بعد.

[9] ثورة 1834:
لم تقم في فلسطين على امتداد تاريخها الطويل ثورة أعم وأشمل وأكثر تنظيماً من ثورة 1834م ضد حكم محمد علي باشا والي مصر، لذا فقد رأينا أنه من المهم استعراض الكثير من القضايا المتعلقة بمحمد علي وولايته على فلسطين وأسباب الثورة ونتائجها.
دخلت بلاد الشام ومن ضمنها فلسطين تحت حكم محمد علي باشا لمدة عشر سنوات بدأت في شهر 11/1831 وانتهت بنهاية عام 1840م، بعد حملة عسكرية قادها إبراهيم باشا ابن محمد علي اكتسح فيها قوى السلطان محمود الثاني وطاردها حتى مشارف الآستانة.
رأي محمد علي أنه يستطيع امتلاك عكا على الأقل لتأمين حدوده الشرقية، وكان يراقب بارتياح تردي الأمور بين الولاة في الشام، والولاة اقتتلوا حول دمشق ثم حاصروا عكا لمدة 9 أشهر سنة 1822 وثار الجنبلاطيون سنة 1925، وتناعت الزعامات النابلسية في قضايا الولاية والضرائب، واقتنعت القدس وبيت لحم عن دفع الضرائب، وقامت ثورة في فلسطين رغم دكتاتورية عبد الله باشا الجزار، فقد كان هم المتسلمين في غزة جمع المال بأي طريقة وكان الملتزمون للميري عبئاً ثقيلاً على أهل غزة، أما البدو في الأطراف فكانوا ينهبون من ثروة عزة ما يزيد عن 200 ألف ليرة ذهبية كل عام، لذا فعندما سمع الناس بقدوم محمد علي، شعروا بقرب الفرج. فطردوا وكيل الجمرك وأعلنوا العصيان، ولم يكن تهديد الجزار لهم يخيفهم لأن الجنود المصريون سبقوه إلى غزة.
أما القدس ونابلس فقد جرد عليهم الجزار حملة نكبت زعماءهم واضطر قسم منهم على الثورة واعتصموا بقلعة صانور فدمرها الجزار مما دفع من تبقى من الزعامات للتعاون مع محمد علي.
لم يدفع عبد الله الجزار لمحمد علي ديونه، وآوى مجموعة كبيرة من الفارين من الجذرية في مصر، فاتخذ محمد علي ذلك ذريعة لمهاجمة فلسطين ومحاربة والي عكا، وبسبب كثرة الحروب بين الولاة لم يكترث الباب العالي في البداية لهذه الحرب.
تحركت جيوش محمد علي براً وبحراً بقيادة إبراهيم باشا في 29/10/1731 ولم تجد صعوبة في احتلال العريش ورفح وغزة، وهربت قوى الجزار فتابع إبراهيم باشا مسيرة ووصل إلى يافا في 8/11/1831 ودخلها وتوجه إلى حيفا في 13/11 وفي 26/11 بدأ حصاره لعكا.
قدم زعماء المناطق الفلسطينية الولاء لإبراهيم باشا وهو في حيفا، وكانت كتائب من الجيش المصري قد احتلت بقية فلسطين، ورفعت الضرائب التعسفية عن غير المسلمين مما زاد في تأييد محمد علي باشا. بعد عدة أشهر من حصار عكا بدأ القلق يساور محمد علي، خصوصاً أن الباب العالي أعلن عصيان محمد علي في 23/4/1832، وأصدر ضده فتاوى دينية وجرده من الولاية مع ابنه وأباح دمهما.
لكن عكا سقطت في 27/5/1832 وأسر عبد الله باشا وأرسل إلى مصر. وثارت بعد ذلك أزمة دولية خطيرة انتهت بصلح كوتاهية في 6/5/1833 الذي أعطى محمد علي ولاية فلسطين.
حاول إبراهيم باشا بعد ذلك دعم الإنتاج الزراعي وأدخل إصلاحات على نظام التعليم، لكن مجموعة التدابير التي اتخذها جلبت النقمة عليه من قبل سكان فلسطين ومن أهم هذه التدابير:
1. مصادرة المؤن لتموين الجيش. 2.مصادرة حيوانات النقل. 3.إجبار الناس على إقامة التحصينات العسكرية بالسخرة. 4. نزع السلاح من الأهالي. 5. التجنيد الإجباري.
وعندما صدر أمر إبراهيم باشا بطلب 3000 مجند من كل قضاء فلسطين وذلك في 25/4/1834 جر ذلك إلى الصدام لامع عواطف الأهالي وحسب، بل مع سلاحهم.
في منتصف أيار هجم الفلاحون والبدو على القوات المصرية في الكرك، وذبحت حامية الخليل، وفي 25/5/1934 التهب طريق باب الواد وتحركت الفتية في بيت جالا وبيت لحم، والبيرة، وقام الناس بحصار القدس، واشتعلت نابلس فوصلت الثورة من صفد شمالاً إلى غزة جنوباً.
لم تكن الثورة مجرد انفجار شعبي عفوي، بل اتخذت الشكل التنظيمي حين تسلمت الزعامات قيادتها. فقد اجتمعوا وقرروا إعلان الثورة في 28/4/1834، وسيطر ثوار القدس على المدينة في 14/5 وكانت الخليل وغزة في يد الثوار والتحقت اللد وطبرية بالصورة أيضاً.
اتجه إبراهيم باشا إلى القدس يوم 6/6/1834، وبعد 3 أيام من المعارك الطاحنة دخلها في 8/6/1834، وتحصن في قلعة القدس بانتظار نجدة أبيه.
حاول ثوار نابلس اقتحام القدس فصدهم إبراهيم باشا 3 مرات، ولم يجد بدأ من مفاوضتهم كي يكسب الوقت، فأوقف التجنيد وألغى ضريبة الفردة وعين قاسم الأحمد وهو قائد ثوار نابلس حاكماً علي البلاد في 26/6/1834، فانتهى بذلك الحصار الذي استمر شهراً ونصف.
جاءت النجدات من مصر بعد أيام، ووصل محمد علي نفسه إلى يافا، وائل تموز، وكلف الأمير بشير الشهابي بإخماد ثورة صفد، وعاد إلى الإسكندرية، وكان ثوار نابلس وهم الأكثر عدداً والأخطر في هذه الثورة قد منعوا القمح المفروضة عن إبراهيم باشا، فسار إليهم في 10/7/1834، ووعد بالإعفاء من التجنيد والتسامح في الميري، وأخذ يستحيل آل أبو غوش، فلما استجابوا له مقابل إطلاق زعيمهم إبراهيم أبو غوش، قطع مفاوضاته مع قاسم الأحمد وسار إلى جبال نابلس وسحق في طريقه بلدة الطيبة وقاقون وهزم الثوار عند زيتا، ولاقاهم عند دير الغصون في طولكرم يوم 16/7/1834، وتمكن من هزيمتهم هزيمة نهائية عاد بعدها إلى نابلس، وخرج أهلها يطلبون الأمان، فقتل من وقع في يده من الثوار وجرى تجريد السكان من السلاح، أما بقية الزعماء فقد أخذوا عائلاتهم من نابلس وهربوا إلى الخليل.
في نفس الوقت سار الأمير بشير حسب أوامر محمد علي إلى صفد، فلاقاه شيخها صالح الترشيحي معلناً الطاعة، فدخلها الأمير، وخضعت المناطق المجاورة وتلقى الأمير طاعة طبريا وقرى الجليل والساحل حتى عكا، وانتهى من ذلك في 25/7/1834.
دخل إبراهيم باشا القدس فقدم أهلها الطاعة، وأرسل ثوار الخليل يطلبون الأمان ليدخلوا في الطاعة، لكن إبراهيم باشا اشترط عليهم تسليم زعماء الثورة أحياء، فرفض الثوار مطلبه، فتحرك إليهم بقواته في 5/8 وهزمهم عند بيت جالا، وأصرت الخليل على المقاومة، فهاجمها واحتلها بعد بضع ساعات من المقاومة وأباحها للنهب والقتل والأسر، وخسرت الخليل مالا يحصى من الأموال، واعتقل علماءها ودراويشها وأبعدهم إلى مصر، وأما مشايخ نابلس فقد فروا إلى الكرك شرقي الأردن، ولما هاجمها إبراهيم باشا فر النابلسيون إلى غزة لكنهم وقعوا في الأسر لملاحقة إبراهيم باشا إياهم، وقتل قاسم الأحمد والبرقاوي وقطع رؤوس أولادهما.
وإن كانت الثورة في فلسطين قد خمدت فإنها كلفت النظام المصري الكثير من الضحايا والجهد كما أنها جرأت عليه المناطق الأخرى وتركت الكثير من الأحقاد في فلسطين ستنفجر في وقت لاحق.
كما كانت هذه الثورة من أهم أسباب إجهاض مشروع محمد عي في إقامة مملكة عربية موحدة في مواجهة العثمانيين مما فرص علي محمد علي الانسحاب من بلاد الشام. وقد ترك آخر جنود محمد علي غزة في اتجاه مصر في 19/2/1841.

[10] ثورة 1929:
حين قامت الحرب العالمية الأولى، أسهم العرب في هذه الحرب إلى جانب قوات الحلفاء الذين قدموا للعرب وعوداً باستقلال بلادهم الواقعة تحت الحكم العثماني.
بمجرد أن بدت بشائر النصر للحلفاء نكثوا بوعودهم وقاموا بتقسيم هذه الدول فيما بينهم، وأعطي وعد بلفور ووقعت اتفاقية سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا لاقتسام هذه الدول، وفتح باب الهجرة لليهود إلى أرض فلسطين، مما جعل العرب هنا يدركون خطورة الأمر، فحدث أول تحرك شعبي واسع للتعبير عن الإحباط وخيبة الأمل وعرف هذا التحرك الشعبي تاريخياً باسم "ثورة 1920".
كان هناك أكثر من سبب لهذا السخط الشعبي، منها تشكيل اللجنة الصهيونية برئاسة حاييم وايزمن (1918) للمساعدة في تطبيق وعد بلفور، فأخذت هذه اللجنة تدلي بكثير من التصريحات الاستفزازية مما كشف الأطماع الصهيونية في فلسطين، وكان من ضمن الأسباب أيضاً محاباة البريطانيين للصهاينة على حساب العرب، وذلك في كافة المجالات مثل جعل العبرية لغة رسمية في فلسطين. كان هناك أسباب اجتماعية أيضاً لهذه الثورة، من ضمنها وضع الفلاحين الفلسطينيين تحت وطأة الضرائب، "كان على الفلاح أن يدفع 6 جنيهات في السنة من دخلة الذي يبلغ 26 جنيهاً" وفي نفس الوقت وقع الفلاح فريسة للمرابين لرفض الحكومة البريطانية إنشاء مصرف زراعي لإقراض الفلاحين العرب، وكذلك تقلد البريطانيون والصهاينة الوظائف الكبرى في البلاد، وتركوا الوظائف الدنيا للعرب، وعارضن العرب كذلك سياسة التعليم البريطانية.
ومن الأسباب الأخرى منع السلطات البريطانية عقد المؤتمر الفلسطيني، ونمو الحركة الثورية في مصر والسودان وسوريا ولبنان والعراق والمغرب.
بعد وقوع عدد من المظاهرات في جميع أنحاء فلسطين أصدرت سلطات الانتداب أمراً في 11/3/1920 يقضى بمنع المظاهرات بمختلف أشكالها.
في 4/4/1920 وقع صدام بعد أن منعت الشرطة أهل الخليل من دخول القدس للاحتفال بموسم النبي موسى، وكان أهل القدس وأهل نابلس قد خرجوا لاستقبالهم، وشارك المسيحيون في الاستقبال حسب العادة المتبعة، فاقتحم أبناء الخليل باب الخليل في القدس بالقوة وعلى شرفة النادي العربي بدأ الخطباء بإلقاء الكلمات الحماسية ومنهم موسى كاظم الحسيني وخليل بيدس وعارف العارف والحاج أمين الحسيني مما أثار الشعور القومي.
تسلل صهيوني أسمه "كريمربن مندل" وحاول خطف العلم وتمزيقه، فانقض الناس عليه وقتلوه، ثم صهيوني آخر مع عدد من الجنود لخطف العلم لكن رجلاً من الحشد قتلة بسيفه.
بعد ذلك اجتمع الشبان اليهود والجنود الإنجليز وهاجموا العرب المحتفلين بالموسم فنشبت معركة حامية سقط فيها 9 قتلى و 122 جريحاً من الطرفين، وهذه المعركة فجرت الصراع الذي استمر حتى يوم 8/4/1920 حيث حاصرت القوات البريطانية القدس، وقد ذكر بلاغ بريطاني أن حصيلة هذه الأيام كانت مقتل 4 من العرب و9 من اليهود و2500 جريحاً من الطرفين.
ورغم إعلان الأحكام العرفية وحظر التجول إلا أن المقاومة استمرت حتى 10/4 أصدرت سلطات الانتداب أحكاماً بالسجن ضد 23 شخصاً من بينهم عارف العارف وأمين الحسيني الذين تمكنا من الفرار إلى شرقي الأردن. كما أقالت موسى كاظم الحسيني من رئاسة بلدية القدس وعينت راغب النشاشيبي مكانه.
بعد ذلك تم تكليف لجنة (بالين) بالتحقيق الذي كانت نيتجته "أن الهجوم كان كله ضد اليهود" لكن اللجنة أقرت بأن "المواطنين يشعرون بالظلم".
واتصف ثورة 1920 بما يلي: ـ كانت أول تجربة للمقاومة ضد الاستعمار والصهيونية التي اتخذت شكلاً جماهيرياً. ـ  مثلت انتقال الوعي إلى المقاومة. ـ القوى التي قامت بالثورة لم تكن منظمة. ـ لهذه الأسباب وصفت مرة بأنها ثورة ومرة بأنها انتفاضة.

[11] ثورة يافا:
تنامي الشعور القومي لدى الفلسطينيين بعد ثورة القدس في 4/4/1920، وعقد المؤتمر الفلسطيني الأول ثم الثاني، وكان الثالث في حيفا في آذار 1921 الذي رفض الانتداب وطالب بوقف الهجرة اليهودية وطالب كذلك بإنشاء حكومة وطنية في فلسطين.
بعد المؤتمر شرع الصهاينة يرفعون سقف مطالبهم لتحويل فلسطين كلها إلى وطن قومي لليهود، وشنت صحفهم حملات ضد العرب مطالبة إياهم بالرحيل عن فلسطين.
تمسكت بريطانيا بالانتداب ووعد بلفور، وتمادت في السماح بهجرة اليهود، وأخذ الصهاينة يقومون بمظاهرات تحدياً للعرب وبصورة خاصة في مدينة يافا، حتى أنهم كانوا يستقبلون المهاجرين عبر ميناء يافا في احتفالات ومظاهرات قبل أن ينقلوا على تل أبيب، وقد كان العلم الصهيوني يرفع في هذه المظاهرات، وقام سكان المستعمرات المحيطة بتل أبيب بأعمال استفزازية ضد سكان يافا.
احتج العرب عن طريق الجمعية الإسلامية المسيحية وطالبوا بوقف الهجرة، وهددوا بمنع إنزال المهاجرين اليهود إلى البر مهما كلف الثمن، وقرر بحارة ميناء يافا مقاطعة البواخر التي تنقل مهاجري اليهود، وأيدت اللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني الموقف فتوترت الحالة وهاجت الخواطر.
أعلنت الحكومة اعتبار اللغة العبرية لغة رسمية في البلاد إلى جوار العربية والإنجليزية، ورفض موسى كاظم الحسيني رئيس بلدية القدس تطبيق هذا القرار، فوقع اصطدام بين السلطة البريطانية وبينة انتهى بإقالته وكان هذا سبباً إضافياً لحالة الاحتقان التي عمت البلاد. ولكن الشرارة انطلقت من يافا لكونها تتلقى سيل الهجرة عبر مينائها.
في عيد العمل 1/5/1921، قام الصهاينة بمظاهرات كبرى في تل أبيب، أطلقوا فيها شعارات معادية للعرب وطالبوا بالثأر لدماء اليهود في ثورة القدس، وقد واكبت المظاهرة فئة من الجنود البريطانيين وقوة من الشرطة اليهودية، لكن المتظاهرين اتجهوا إلى حي المنشية في يافا وأخذوا يستفزون السكان، فهب أهل يافا لرد المتظاهرين فوقع اصطدام دموي سقط خلاله قتلى وجرحى وانتهى برد المتظاهرين اليهود.
عاود الصهاينة مهاجمة يافا صباح اليوم التالي، وكان بينهم مسلحون، فنشبت معركة عنيفة مع العرب أسفرت عن وقوع إصابات كثير بين المهاجمين.
وهاجم الصهاينة في نفس اليوم قرية العباسية المجاورة ليافا وقتلوا عدداً من نسائها وأطفالها فثار العرب وهاجموا الصهاينة في تل أبيب وقامت القرى المجاورة ليافا بمهاجمة المستعمرات، كما اشتبك أبناء عشيرة أبو كشك مع القوات البريطانية التي كانت تمنع وصول الإمدادات.
تواصلت أعمال العنف يوم 3/5/1921 ووقعت حوادث قتل وحلت أضرار جسيمة بمحلات اليهود التجارية، ولم تلبث هذه الاصطدامات مع الصهاينة والإنجليز أن امتدت إلى قلقيلية وطولكرم والرملة واللد، وقامت مظاهرات صاخبة وقرر كثير من الشباب حمل السلاح والتوجه إلى يافا.
سمع الفلاحون ورجال القبائل في المناطق المجاورة بتعرض العرب للقتل في يافا، فتجمع في 5/5 نحو 3000 عرب شمال مستوطنة بتاح تكفا وعدة مئات جنوبها، غير أن من تولى الدفاع عن هذه المستعمرة لم يكن غير البريطانيين الذين أطلقوا النار على الحشود فسقط 60 شهيداً وعدد من الجرحى.
لجأت الحكومة إلى الرؤساء الدينيين بعد أن فشلت في إخماد الثورة، وطلبت منهم المساعدة في وقفها، تحت وعد إعادة النظر في سياستها تجاه العرب، وتبين أن البريطانيين كانوا في انتظار قوة آتية من السويس وقبرص، وما أن وصلت هذه القوة حتى انقض رجال الجيش والشرطة على العرب في يافا وسائر المناطق المحيطة بها فوقعت صدامات دامية استطاعت بعدها الحكومة إخماد الثورة التي استمرت 15 يوماً.
في هذه الثورة قتل 47 صهيونياً وجرح 146، أما لعرب فقد استشهد منهم 157 وجرح 700، وقد سقط أكثرهم برصاص البريطانيين.
شكلت حكومة الانتداب محاكم عسكرية وحكمت على عدد من المجاهدين بالسجن، وقررت بعدها تشكيل لجنة تحقيق (لجنة هيكرافت) توصلت إلى أن سبب الثورة يتعلق بخطتها القاضية بإنشاء وطن قومي لليهود وإلى تذمر العرب من محاباة بريطانيا لليهود ووقوفها دون حكم العرب لأنفسهم.

[12] ثورة 1929:
ثورة البراق
بسبب من ضعف القيادة الفلسطينية وترددها، كان العمل بين عامي 1922ـ1929 على الصعيد الوطني راكداً ماعدا بعض المظاهرات الجماهيرية.
يضاف إلى ذلك شراسة الاستعمار البريطاني وبطشه وتشكيل الوحدات الصهيونية الإرهابية مما أدى إلى عدم وجود تكافؤ في القوى.
مع بداية عام 1929 ازداد الوضع سوءاً خصوصاً بعد سلسلة من الكوارث الطبيعية كالجراد والزلزال والوباء (1927)، وكذلك بداية الأزمة الاقتصادية العالمية (1932-1929). في هذا الوقت سنت حكومة الانتداب مجموعة من القرارات سهلت من تدفق اليهود إلى فلسطين مما اقترن بانتزاع رقعة أوسع من الأراضي من يد الفلاحين الفلسطينيين، وأضيف إلى ذلك احتكار المؤسسة الصهيونية للصناعة.
وسط هذه الأجواء نظم الصهاينة في 14/8/1929 في تل أبيب مظاهرة ضخمة بمناسبة ذكرى "تدمير هيكل سليمان"، في اليوم التالي تلتها مظاهرة في القدس وصلت إلى حائط البراق ورفعوا العلم الصهيوني وأخذوا يرددون "هاتكفا" وهو النشيد القومي الصهيوني، ومن ثم أخذوا يطالبون باستعادة حائط البراق (المبكي) بزعم أنه الجدار الباقي من الهيكل.
يوم الجمعة 16/8 كانت ذكرى المولد النبوي الشريف، فتوجه أهالي القدس والقرى المحيطة إلى المسجد الأقصى للاحتفال كعادتهم كل سنة، وقد شكلوا مظاهرة ضخمة بعد صلاة الظهر اتجهت إلى حائط البراق حيث حطموا طاولة وضعها اليهود على الرصيف جوار الحائط وقاموا بإحراق أوراق فيها بعض نصوص الصلاة اليهودية الموضوعية في ثقوب حائط المبكي.
في اليوم التالي حدث اشتباك أدى إلى جرح 11 شخصاً من الجانبين ووفاة أحد الصهاينة فقامت القوات البريطانية باعتقال عدد كبير من العرب وبعض اليهود.
جاءت الأخبار بنية اليهود شن هجوم على حائط البراق واحتلاله، فتدفق أهالي القرى إلى القدس بأعداد ضخمة يوم 23/8/1929، وهم مسلحون بالعصي والهراوات، وخرج المصلون من الأقصى ليجدوا تجمعاً صهيونياً فاشتبك الطرفان، مما كان سبباً لدخول الدبابات البريطانية إلى القدس عصر ذلك اليوم، وصل أبناء القدس إلى الخليل ونابلس، فانطلقت الجماهير في مظاهرات عنيفة، وهاجم أهل الخليل الحي اليهودي فقتل أكثر من 60 يهودياً وجرح أكثر من 50 آخرين، في الوقت الذي حاول فيه أهل نابلس انتزاع الأسلحة من أحد مراكز الشرطة وقامت مواجهات عنيفة كذلك في يافا وبيسان والحي القديم في حيفا التي قتل فيها إمام أحد المساجد وستة من العرب نتيجة إطلاق النار عليهم من قبل الشرطة البريطانية. يوم 26/8 هاجم اليهود مسجد عكاشة وخربوه.
شاع الخبر في صفد أن اليهود اعتدوا على الحرم الشريف وهدموه وأحرقوه، فهرع الناس مساء 29/8/1929 إلى حارة اليهود وخلعوا أبواب المحلات التجارية وأشعلوا فيها النار. وحدث أن ألقى مجهولون قنبلة قتلت 4 من اليهود و3 من خيول الشرطة فجاءت يوم 30/8 القوات البريطانية من المناطق المجاورة وأطلقت النار على كل عربي وجدته في حارة اليهود مما أدى إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى.
القي القبص على حوالي 400 عربي وتم نقل بعضهم إلى سجن عكا، وأعدم في تلك القضية يوم 17/6/1930 الشهداء الثلاثة فؤاد حجازي في صفد، ومحمد جمجموم وعطا الزير من الخليل. بعدها شكل عدد من شباب صفد جماعة تحصنت في الجبال لمقاومة الإنجليز والصهاينة، وكان من نتائج المعركة التي جرت في صفد أن اليهود أخذوا يخلون المدينة تدريجياً.
في النهاية كانت حصيلة هذه الثورة وقوع 133 قتيلاً من اليهود وجرح 239 منهم، فيما قدم العرب 116 شهيداً و232 جريحاً وقدم إلى المحاكمة ما يزيد عن ألف شخص أكثر من 900 منهم من العرب، وصدر الحكم بالإعدام على 25 شخص منهم يهودي واحد.

[13] ثورة 1935:
مع ازدياد الوعي السياسي في بداية الثلاثينات بدأت الدعوة إلى أتباع نوع آخر من النضال يختلف عن التمرد السلبي، إذ أخذت الدعوات تزداد إلى الكفاح المسلح، وقد شكل أحد أبناء شمال سورية وهو الشيخ عز الدين القسام جماعات سرية مدربة، وبذا يكون القسام هو رائد الكفاح المسلح في الحركة الوطنية الفلسطينية.
أحيط تشكيل هذه المنظمة السرية بإطار كثيف من الكتمان، ولذا فإنه من الصعب تقديم المعلومات وفيرة عن هذه المنظمة.
ولد عز الدين القسام في قرية جبلة السورية بجوار اللاذقية عام 1871م، تلقى العلم على يد الإمام محمد عبده في الأزهر، ثم عاد إلى سوريا مدرساً، حكم عليه الديوان العرفي في اللاذقية بالإعدام لاشتراكه في مقاومة الفرنسيين فاضطر للجوء إلى حيفا عام 1922 في شهر شباط، وتولى التدريس في جامع النصر بالمدينة، كما عمل مدرساً في المدرسة الإسلامية بحيفا، وعينة المجلس الإسلامي الأعلى خطيباً لجامع الاستقلال ومأذوناً شرعياً، مما وفر له صيغة للاتصال بالجماهير. أصبح رئيساً لجمعية الشبان المسلمين، وأنشأ بعد عدة سنوات عصبة سرية لها شرطان: أن يقتني العضو السلاح على حسابه الخاص، وأن يتبرع للعصبة بما يستطيع .
بمرور الزمن أخذت نواة الحركة الثورية تتوسع فشكل القسام من أفراد المنظمة حلقات صغيرة كل منها رقيب وخمسة أفراد، ولم تكن أي حلقة تعرف شيئاً عن الحلقات الأخرى، وشكل أيضاً مجموعات أخرى للتدريب ولجباية الأموال والاتصال السياسي والشعبي وشراء السلاح وأخرى للتجسس، واستطاع القسام أن يوجد تشكيلات سرية مسلحة في مناطق خارج حيفا أيضاً.
تحت ضغط مجموعة من العوامل من ضمنها تدفق الهجرة اليهودية وتسلح الصهاينة من قبل بريطانيا واستفحال خطر تسرب الأراضي، بدأ القسام عمله العسكري، الذي تمثل بادئ الأمر في الضربات الخاطفة ومن ثم تطور الأمر إلى العمل العسكري ضد المستعمرات الصهيونية والدوريات البريطانية مما أشاع الذعر في الأوساط الصهيونية والإنجليزية لعدم معرفتهم أصحاب هذه الأعمال.
وما لبث القسام وجماعته أن قرروا القيام بالثورة علناً، لرفع معنويات الجماهير وإبراز أهداف الثورة وإحباط الدعاية المضادة، فعقد اجتماع في بيت محمود سالم المخزومي في 12/11/1935، وعلى إثره توجه الثوار إلى الجبال وأحراج يعبد وتسلل عدد كبير منهم إلى حيفا لمساندة الهجوم من هناك، علم الإنجليز بوجود القساميين في أحراج يعبد فأرسلوا قوات كبيرة وحاصروا الأحراج وحدثت عدة صدامات بين طلائع الرصد القسامية وطلائع القوات البريطانية قتل خلالها جندي بريطاني وبعض رجال الشرطة، فأمر المسؤولون البريطانيون بمهاجمة الأحراج.
استمرت المناوشات حوالي خمسة أيام ثم اكتشف الإنجليز أن القسام نفسه موجود في المنطقة وكانوا قبل ذلك يظنون أنه في حيفا، فشنوا هجوماً مركزاً صده القساميون، ويوم 20/11/1935 وقعت المعركة الكبرى، واستمرت 4 ساعات قتل فيها عدد كبير من رجال القوات البريطانية واستشهد ثلاثة من قواد القسام وجرح عدد آخر.
استؤنف القتال بعد ظهر ذلك اليوم، فاستشهد الشيخ عز الدين القسام واستطاع من تبقى اختراق الحاصر ووصلوا إلى الشمال الفلسطيني وهم يحملون جثة قائدهم الشهيد إلى حيفا، وقد وقع عدد صغير من المجاهدين أسرى في يد الإنجليز فنقلوهم على سجن نابلس.
نعي الشيخ وأصحابه من مآذن المساجد وعلى رأسها المسجد الأقصى، وصلى الناس عليهم في كل مكان صلاة الغائب، وسار كوكب الجنازة مجللاً بالأعلام السورية والمصرية والعراقية واليمنية والسعودية، ودفن القسام في مقبرة الياجور قرب بلد الشيخ التي تبعد عن حيفا 7 كم.
وعكس ما توقع الإنجليز لم يكن استشهاد القسام غير منعطف في تاريخ الحركة الوطنية وقد أسست ومهدت للحركة الثورية التي ستسود فلسطين بعد عدة أشهر من استشهاد الشيخ ورفاقه.

[14] ثورة 1936-1939
إذا استثنينا ثورة الجزائر، فإن ثورة 1936-1939 تعتبر أطول وأكبر ثورة قام بها أي شعب عربي ضد أعدائه.
لقد ولدت الثورة في نيسان 1936، حينما أعلن الإضراب العام، واتخذ شكلاً مسلحاً وعنيفاً في مطلع أيار 1936، وقد كان متفقاً عليه أن يبقى الإضراب مستمرا وتؤجل الثورة المسلحة، لكن التطور السريع للظروف جعلت أنه لا مفر من إعلان الثورة.
فرغم اشتداد الإضراب رفضت الحكومة البريطانية المطالب العربية بوقف الهجرة اليهودية ثم تحدث الإرادة العربية علناً بإصدار شهادة هجرة جديدة قدمتها للوكالة اليهودية.
وبعد سلسلة من الاجتماعات السرية قرر المسؤولون الفلسطينيون إعلان الثورة، تبعه إعلان الجهاد المقدس في مطلع أيار 1936، وأذاع جيش الجهاد المقدس بياناً ضمنه أهداف الثورة التي هي نفسها التي اشتمل عليها الميثاق الوطني الفلسطيني.
خرج الحسيني فور صدور البيان مع فصائل جيش الجهاد إلى الجبال في القدس وشرعوا في مهاجمة ثكنات الجيش والشرطة والمستعمرات ويقطعون طرق المواصلات، وقد اقتصرت الأعمال في الأيام الأولى على لواء القدس وحده بقيادة عبد القادر الحسيني.
اتسع نطاق الثورة بعد الانتصارات المتفرقة التي حققها المجاهدون، حتى عمت جميع أرجاء فلسطين بعد شهر من بدايتها.
تدفق المتطوعون من الأردن وسوريا ولبنان، ودخل فوزي القاوقجي وقواته إلى فلسطين، مما زاد الحماسة لدى الفلسطينيين فأخذوا يتبرعون بالمال والسلاح والرجال، وفي الشهر الثالث للثورة تحولت إلى معارك مكشوفة مع قوات الاحتلال البريطاني والصهاينة.
بعد أن تبين للإنجليز أن المسألة تعدت الفورة الآنية، أخذوا يرتكبون المذابح وأعمال الإرهاب ضد العرب إضافة إلى تدمير البيوت واعتقال المئات، فيما تطور أداء المجاهدين إلى مهاجمة المدن الكبيرة لمحاولة لاحتلالها، واغتيال موظفين كبار في سلطة الانتداب والجواسيس وباعة الأراضي والسماسرة، ووقعت صدامات دامية بين النساء الفلسطينيات والجيش البريطاني، مما اضطر بريطانيا لإعلان حالة الحرب في فلسطين ووضعت قوانين الطوارئ موضع التنفيذ .
وعندما شعرت بريطانيا بأن الأمر أصبح خارج السيطرة رغم تدابيرها الوحشية، لجأت إلى أسلوب آخر، فقد أعلنت أنها ستوفد لجنة ملكية للتحقيق في قضية فلسطين، كما حاولت توسيط بعض الزعماء العرب لإيقاف الثورة، لكن هذا أيضاً لم يجد نفعاً.
أقالت الحكومة البريطانية القائد العام للقوات البريطانية في فلسطين وعينت مكانه الجنرال ديل الذي أحضر قوات عسكرية ضخمة بحراً وبراً وجواً من قبرص وقناة السويس والحبانية في العراق، حتى بلغ عدد القوات البريطانية في آب 1936 أكثر من 70 ألف جندي. هذا عدا عن 40 ألف شرطي، كما وضع الصهاينة قواتهم كذلك في خدمة الجيش البريطاني.
رغم ذلك صمد العرب بل وحققوا مزيدا من الانتصارات، فسحبت بريطانيا الجنرال ديل وولت مكانه الجنرال ويفل فمني بالفشل نفسه، فاستبدل بالجنرال رتشي ولكن دون جدوى فاستبدلته بالجنرال ماكميلان لكن الثورة ظلت مشتعلة.
وبعد توسط عد من الزعماء العرب تحت وعود بريطانيا بإنصاف عرب فلسطين، توقف الإضراب والثورة في 13/10/1936 بعد أن استمر 176 يوماً.
صدر النداء الذي توقف على أثره الإضراب والثورة عن عاهل السعودية عبد العزيز آل سعود، والملك غازي عاهل العراق والإمام يحيى والأمير عبد الله في 8ـ9/10/1936.
عادت الحياة إلى طبيعتها في فلسطين وعاد القاوقجي والمتطوعون العرب إلى بلادهم، وعاد المجاهدون إلى قراهم بعد أن قاموا بإخفاء الأسلحة. واتخذ قرار بلجوء كبار قادة الثورة إلى سورية ولبنان والعراق، وكان منهم عبد القادر الحسيني وحسن سلامة وحنا خلف وعبد الحليم الجيلاني وعبد الرحيم الحاج محمد وغيرهم.
في نهاية كانون الثاني 1937، أنهت لجنة بيل الملكية أعمالها وعكفت على إعداد تقريرها في لندن، وأفادت الأنباء بأن اللجنة ستوصي بتقسيم فلسطين فأذاعت اللجنة العربية العليا بياناً رفضت فيه التقسيم فعمت المظاهرات البلاد من جديد.
نشر تقرير اللجنة في 7/7/1937 وأوصي بإنشاء دولة لليهود على أقسام من فلسطين وجعل القدس وحيفا تحت الانتداب، وأعلنت الحكومة البريطانية تبنيها للتقسيم واستعدادها لتنفيذه.
أذاعت اللجنة العربية العليا بياناً برفض التقسيم، فاشتد حنق بريطانيا على المفتي أمين الحسيني فقررت اعتقاله وإبعاده إلى جزيرة موريشيوس في المحيط الهندي، لكنه أفلت من الاعتقال ولجأ إلى المسجد الأقصى، وبعدها تطورت الأوضاع بشكل سريع، فاشتدت المقاومة الشعبية للتقسيم واتسعت الهجمات العربية على ثكنات الجيش والمستوطنات. ولكن بريطانيا عنيت لويس أندروز حاكماً للواء الخليل وأطلقت يده للعمل على مشروع التقسيم وهو من غلاة الاستعماريين، فاغتاله المجاهدون في الناصرة يوم 26/9/1937 مع مرافقة، مما دعا بريطانيا لتصعيد عدوانها فأعلنت مجدداً حالة الطوارئ، وأذاعت الحكومة البريطانية بياناً يتهم اللجنة والمفتى بأنهما وراء الأحداث في فلسطين واعتبرت أن اللجنة العربية العليا واللجان القومية الأخرى غير مشروعة. وعزلت المفتي من رئاسة المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى وعينت لإدارة المجلس لجنة ثلاثية برئاسة البريطاني كيرك برايد.
اعتقلت الحكومة البريطانية 819 شخصاً من رجال الدين والأطباء والتجار والمحامين والصحفيين، ومعظم أعضاء اللجان القومية، ونفت بعض الزعماء الوطنيين إلى جزر سيشل، واستطاع بقية أعضاء اللجنة العربية العليا اللجوء سراً إلى لبنان.
رغم كل تلك التدابير، اشتدت المقاومة، واستطاع المفتي الهرب إلى لبنان وهناك ورغم الرقابة التي فرضها الفرنسيون عليه إلا أنه أصدر بياناً أعلن فيه تمسكه بالحقوق المشروعة ورفضه قرار التقسيم، فاعتبر الفلسطينيون هذا البيان دعوة لمواصلة الثورة.
في هذه المرحلة أصبحت بيروت هي المركز الرئيس للقيادة الوطنية الفلسطينية نتيجة وجود الحاج أمين والكثير من قيادات الثورة هناك، واختيرت دمشق كمصدر للتموين.
لم تدخل قوات شعبية إلى فلسطين في هذه المرحلة من الثورة، بل اعتمدت على الفلسطينيين بقيادة عبد القادر الحسيني رغم دخول بعض المتطوعين من الأردن والعراق وسوريا ولبنان.
كانت المعارك أشد عنفاً وتركيزاً واتساعاً، وخصوصاً داخل المدن، وتوالت أعمال اغتيال موظفي الحكومة الإنجليز والمتعاونين معهم وباعة الأراضي والسماسرة، ولكن هذه المرحلة لم يرافقها إضراب، مما سهل العمل نسبياً.
وقعت معارك عسكرية ضخمة كان بعضها يستمر عدة أيام، واستطاع المجاهدون احتلال بعض المدن ورفع العلم العربي مكان العلم البريطاني، فقد احتلوا عكا وبئر السبع والخليل وبيت لحم وبيت ساحور والمجدل والفالوجة، ولم يخرجوا منها إلا بعد معارك ضارية مع البريطانيين كما اتسعت الهجمات على المستوطنات.
من أهم المعارك التي دارت في أثناء الثورة نورشمس، الجاعونة، بلعة، اليامون، بير السبع، طبرية، القدس.
في عام 1939 توقفت الثورة في الأراضي الفلسطينية نتيجة لمجموعة من الأسباب كان أهمها على الإطلاق بوادر نشوب الحرب العالمية الثانية.

[15] معركة جدين:
بتاريخ 22/1/1948، تلقى أديب الشيشكلي قائد فوج اليرموك الأول، برقية من قائد جيش الإنقاذ، يطلب منه فيها مهاجمة مستعمرة صهيونية في الخليل للتغطية على عبور فوج اليرموك الثاني لنهر الأردن، بالإضافة للحصول على معلومات حول تحصينات المستوطنات.
قام الشيشكلي باختيار مستعمرة "جدين" هدفاً للهجوم، وتم الهجوم وقاتل الصهاينة بعناد دفاعاً عن المستوطنة، لكن المهاجمين استطاعوا احتلال المراكز الأمامية، ولم تنجح قوافل الإمداد الصهيونية في فك الحصار عن المستوطنة، إلى أن وصلت قوة بريطانية لنجدتهم يوم 23/1/1948 فتراجعت قوات اليرموك بتاء على التعليمات. تجنبا للصدام مع البريطانيين.
كانت خسائر فوج اليرموك 18 شهيداً هم أول شهداء جيش الإنقاذ، ولكن المعركة قدمت المطلوب منها، إذ استطاع جيش اليرموك الثاني عبور النهر بقيادة محمد صفا، كما قدمت المعركة معلومات وافرة عن المستوطنات وتحصيناتها.

[16] معارك باب الواد:
باب الواد عبارة عن ممر يربط السهل الساحلي بجبال القدس، وتتشعب منه طرق كثيرة مثل القدس والرملة وبيت جبرين وعرطوف وغزة ورام الله. وتطل عليه قرى مثل عمواس واللطرون وتل الجزر وأبو شوشة وبيت نوبا ويالو.
ولأنه مفتاح القدس، فإن له أهمية عسكرية عظيمة، ودارت فوقه معارك عظيمة عبر القرون، فعنده قام صلاح الدين بصد هجوم ريكاردوس قلب الأسد، (ق12م)، وفي موقعه وقف المقدسيون في وجه إبراهيم باشا سنة 1834م، ودارت فوقه معارك دامية في الحرب العالمية الأولى بين الأتراك والإنجليز 1917.
عمل العرب على قطع الطريق على الصهاينة الذين أرادوا احتلال باب الواد بعد قرار التقسيم، فتجمع المقاتلون من القرى المجاورة لباب الواد، وكانوا في البداية 300 مقاتل على رأسهم الشيخ هارون بن جازي أحد شيوخ قبيلة الحويطات شرقي الأردن، وقد انضموا على لواي قوات جيش الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسيني.
قامت القوات العربية بتخريب الطريق وإتلاف أنابيب المياه التي توصل الماء للأحياء اليهودية، ثم أخذوا يتصدون للقوافل اليهودية المحروسة التي تمر كل أسبوع بباب الواد.
فقد هاجموا القافلة يوم 1/3/1948 وقتلوا 4 من رجالها، وفجروا الألغام تحت السيارات الصهيونية يومي 12،13/3، وقتلوا 5 من ركابها، وفي 19/3 قتلوا 15 رجلاً بعد أن هاجموا القافلة، مع اشتداد وطأة الهجمات استنجد يهود القدس بسلطان الانتداب التي وضعتن في عرطوف قوة بريطانية من 200 جندي لحماية القوافل الصهيونية.
حاولت القوات الصهيونية ليلة 31/3، احتلال التلال المشرفة على باب الواد، لكن العرب اشتبكوا مع القافلة قرب مستعمرة خلدة مما خلف قتلي كثيرين في الجانبين، ولكن الأهم أن العرب استطاعوا دحر الصهاينة وإعادتهم إلى خلدة وغنموا بعض السيارات.
في 16 نيسان هاجم العرب بقيادة أحمد زونا والشيخ هارون بن جازي قافلة من 250 سيارة عسكرية عند دير أيوب، استمرت المعركة حتى الساعة الرابعة عصرا وانتهت بتدمير 60 سيارة والاستيلاء على 15 سيارة أخرى وكمية من الأسلحة.
يوم 10 أيار حدثت معركة كبيرة أيضاً يوم 13 أيار بمقتل 300 صهيوني، وتمسك العرب بالموقع حتى تسلم الجيش الأردني الموقع في15/5/1948.

[17] معركة بيت سوريك
تقع بيت سوريك شمال غرب القدس، وتشرف على الطريق بين السهل الساحلي والقدس. وقام عبد القادر الحسيني ببث العيون لجمع المعلومات عن الأنشطة العسكرية للصهاينة، فكان من ضمن الأبناء التي تلقاها أن الصهاينة سيرسلون إلى القدس قافلة من السيارات تحمل التموين يوم 19/1/1948، وأفادت المعلومات أن القافلة سيحرسها الصهاينة والبريطانيون.
عقد عبد القادر الحسيني اجتماعاً مع قادة قطاعات قرى ساريس والقسطل وقالونيا وصوبا، وكان في الاجتماع كامل عريقات وإبراهيم أبودية، وتم في هذا الاجتماع وضع خطة لتدمير القافلة والقوات التي تتولي حراستها على أن يقود الهجوم بنفسه.
تغيرت الخطة لأن القافلة غيرت مسارها إلى بيت سوريك فانتقل المقاتلون العرب إلى تلك القرية، وعند الظهر وصلت القافلة إلى الكمين الجديد، فانقض عليها المهاجمون العرب من كل الجهات، وقاموا بتفجير الألغام تحت العربات، فأخذ الصهاينة يتركون العربات ويفرون باتجاه مستعمرة الخمس، فانتهت المعركة بتدمير القافلة وقتل عدد كبير من الصهاينة والإنجليز وفرار الأحياء منهم.
أصدر الحسيني أمراً لقواته بعدها بالتراجع، وقد كانت خسائر الجانب العربي في هذه المعركة سبعة شهداء لكنهم غنموا كمية كبيرة من الذخيرة والبنادق والرشاشات.

[18] معركة بئر السبع
تشكلت في بئر السبع حامية من الشرطة والهجانة قوامها 60 رجلاً بعد إعلان بريطانيا عن نيتها في الانسحاب من فلسطين، وأضيف إلى هذه الحامية عدد من المتطوعين من أبناء البدو، وتولي قيادتهم عبد الله أبو ستة.
لجأ الصهاينة بمجرد انسحاب بريطانيا من منطقة بئر السبع في 14/5/1948 إلى بسط سيطرتهم على الطرق الهامة من الناحية العسكرية، فيما قام العرب بدعم الحامية بعدد من المتطوعين المصريين والليبيين، وفي 18/5 دخلت كتيبة مشاة مصرية بقيادة أحمد عبد العزيز إلى قطاع بئر السبع، وما لبثت القيادة المصرية أن سحبت معظم هذه الوحدة بسبب أن الوضع العام يتطلب ذلك حسب قولها. وبذلك أصبح الدفاع عن المدينة ضعيفاً.
في 18/10/1948 شن الجيش الإسرائيلي هجومه على بئر السبع، فطلب قائد الحامية النجدة من الحكومة المصرية فلم تنجده، في الوقت الذي كان فيه الجيش الإسرائيلي يملك الطائرات ويهاجم المدينة بخمسة آلاف مقاتل مزودين بالمدافع والمصفحات والرشاشات الثقيلة.
بدأت المعركة بقصف جوي بدأ يوم 18/10 إلى يوم 21/10، نجم عنه تدمير عشرة منازل وقتل 7 أشخاص عدا عن الذعر الذي خلفه في المدينة.
يوم 20/10/1948، مهدت المدفعية للهجوم البري من الشمال والشمال الغربي لتدخلها يوم 21/10/1948 وتقضي على ما تبقي من مقاومة داخلها لتسيطر عليها تماماً.

[19] معركة بيسان
ضمن إطار خطة "دال" التي تقضي باحتلال أكبر عدد من المدن والقرى العربية قبل الانسحاب بريطانيا، قامت الهاغاناة بشن هجوم على بيسان فجر 1/5/1948.
تسلل 300 مقاتل من الهاغاناة إلى تل الحصن واحتلوه ومن هذا الموقع بدأوا بقصف بيسان تمهيداً للهجوم عليها.
بدأ الهجوم على بيسان فجر 12/5/1948، ولم يكن في حانية بيسان غير 175 رجلاً أردنيين وفلسطينيين، ومع تمكنهم من صد الهجوم الأول كثف الصهاينة من الهجوم الثاني فدخلوا البلدة وقاموا بجمع أسلحة المناضلين.
ابلغ قائد الهجوم السكان بأن بإمكانهم البقاء في منازلهم على ألا يبدوا أي مقاومة، فبقي سكانها جمعياً، وبعد شهر طلب من الجميع مغادرة البلدة فنزح بعض السكان عنها، أما من أصر على البقاء فقد وضعته السلطات الصهيونية في عربات بقوة السلاح إلى الحدود السورية.

[20] معارك حيفا:
إن وجود مصفاة للنفط في حيفا عام 1947 جعلها من أكبر الموانئ في البحر المتوسط بعد الإسكندرية، هذا طبعاً عدا عن وقوعها على عقده طرق حديدية وبرية. فكان هذا سبباً لتكون حيفا محل اهتمام السلطات البريطانية، فخططت لإجلاء قواتها عبر ميناء حيفا.
بالنسبة للصهاينة لم تكن المدينة تفل أهمية، لكونها تربط خطوط مستعمراتهم، ولأنهم يطعمون في جلب المهاجرين عبر مينائها.
أما العرب فكانوا ببساطة يعتبرون حيفا جزءاً من وطنهم التاريخي له أهميته الاقتصادية كان في حيفا قوة عسكرية مدربة من الهاغاناة والأرغون تبلغ 5000 رجل، ضمن تشكيلات نظامية مجهزة ومسلحة لها قيادات، فيما افتقر العرب إلى السلاح والعتاد، أضف إلى ذلك أن العرب كانوا يقطنون أسفل سفح الكرمل فيما الصهاينة يقطنون أعلاه "هادار الكرمل" وكذلك يطوقون الأحياء العربية بعدد من المستعمرات.
تألفت لجنة وطنية مرجعها السياسي الهيئة العربية العليا، بعد تلقها وعود بالدعم من اللجنة العسكرية في دمشق، ترأس اللجنة رشيد الحاج إبراهيم، وكلف الملازم محمد حمد الحنيطي بقيادة الحرس الوطني وتنظيم الدفاع عن المدينة.
بدأت الاشتباكات فور صدور قرار التقسيم، وازداد توتر الموقف بعد أن فجر الصهاينة قنبلة في الجانب الغربي من المدينة في 30/12/1947، فقتل 6 عمال عرب وجرح 41، وهم من عمال مصفاة النفط، فانقض العمال العرب في المصفاة على الصهاينة العاملين فيها فقتلوا 41 منهم. فجر العرب عربة بريد في القطاع الصهيوني بتاريخ 14/1/1948 فأصيب 45 صهيونياً، ولكن المعارك التي دارت بعد ذلك أدت إلى استشهاد الملازم محمد الحنيطي في كمين صهيوني وهو عائد بالسلاح من لبنان في 18/3/1948. وتولي أمين عز الدين القيادة مكانه.
في أواخر آذار 1948 قضي العرب على قافلة صهيونية بالكامل. وفي 21/4/1948 أبلغ الحاكم البريطاني المسؤولين العرب قراره إخلاء حيفا، وكان قد أبلغ الصهاينة بذلك يوم 17/4، وكان هذا إشارة للصهاينة لبدء خطتهم للاستيلاء على حيفا والمعروفة باسم "سباراييم" "المقص".
فجر يوم 22/4 اندفعت سرية صهيونية واستولت على بيت النجادة الذي يشرف على وادي رشمية، لكن العرب حاصروها طوال اليوم وقتلوا كثيرا من أفرادها، ولم تستطع التعزيزات الصهيونية أن تفك الحصار عنها لكن هذه العملية جذبت الكثير من المناضلين نحوها مما أدى إلى تسهيل عمل لواءين آخرين من الصهاينة، فما أن جاء 23/4 حتى كان الحي العربي مقسم إلى 3 أقسام حسب الخطة الإسرائيلية.
طلب الجنرال البريطاني ستوكويل من الطرفين عقد هدنة، ونقل للعرب عشرة مطالب صهيونية من ضمنها أن يسلموا أسلحتهم خلال 3 ساعات ويزيلوا الحواجز عن الطرق ويسلموا  إدارة المدينة للصهاينة لتقوم بمنع التجول والتفتيش بحثاً عن أسلحة.
بالطبع قرر العرب رفض الشروط، لاقتناعهم بأنهم سيتعرضون للذبح إذا قاموا بتسليم أسلحتهم. وفي نفس الوقت قام الصهاينة بقلب المساجد التي استولوا عليها إلى اسطبلات ونزعوا شواهد القبور الرخامية لاستعمالها في البناء، وكي يشيعوا الرعب في المدينة ألقو جثث الشهداء على الأرصفة، مما أدى إلى مغادرة حوالي 70 ألف عربي للمدينة. فكانت خسارة حيفا وسقوط في أيدي الصهاينة لها أكبر الأثر في سير الحرب بكاملها.

     
عدد التعليقات 1