khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
مقالات
أبحث عن المدينة التي أعرفها

عندما كنت في الخامسة، كان لي بيت في مخيم الشابورة في رفح، أذكر رقمه وشكله وموقعه، أذكر مساحة الرمل في وسطه حيث كانت أختي تعلمني كيف أزرع الذرة، وغرفة جدي والحائط القصير الذي يفصلنا عن بيت عمي، جاء شارون بجرافاته عام 1971 وهدم مئات البيوت وصنع شارعاً عرضه 55 مترا وطوله 450 مترا، هذه المساحة كانت مليئة بالبيوت ولم يبق منها شيء، وبالتالي تفرق سكان الحارة بأولادهم الذين كنت قد بدأت بتكوين صداقاتي الصغيرة معهم.
مع الوقت بدأت معالم طفولتي بالاختفاء، محطة السكة الحديدية، شجرة الكينا الضخمة وأشياء من هذا القبيل، وظننت أن لا شيء يمكن أن يحدث في عمري الباقي سيحطم جزءاً من ذاكرتي كما فعل هدم بيتي وأنا في الخامسة.. حسناً، لقد كنت مخطئاً..
في عام 2004، وبعد العملية التي أسمتها إسرائيل قوس قزح، تغيرت معالم مدينة رفح مرة أخرى، فلم أعد أعرف الأمكنة والشوارع، كان حجم الدمار هائلا إلى درجة أنني وقد عملت مراقبا للأبنية في بلدية رفح لسبع سنوات، كنت أحفظ المدينة عن ظهر قلب، ورغم ذلك لم أستطع التعرف إلى المدينة التي أصبحت في أجزاء كبيرة منها عبارة عن آثار للدبابات والجرافات بعد أن زالت البيوت والمنشآت عن وجه الأرض بما فيها من ذكريات.
انتقلت للسكن في مدينة غزة عام 1997، وبدأت من جديد في التعرف على المدينة محاولا خلق صلة مع الجغرافيا، أحببت المدينة، كانت لي علاقة خاصة مع أماكن معينة فيها، وقد بدأت بالاعتياد على شوارعها وزواياها وأشجارها ومنشآتها ومقاهيها وباعة الفلافل والكباب في أسواقها القديمة وباعة التحف القديمة، وهنا ضربت إسرائيل الذاكرة مرة أخرى.
بعد "وقف إطلاق النار" خرجت لأمشي في الشوارع باحثاً عن المدينة التي أعرفها، وبمعنى آخر باحثاً عن جزء من ذاكرتي، لكني لم أجد غزة.
ربما لأن الشعر يركز دائما على الداخل أكثر مما يركز على الخارج، وجدت نفسي مدفوعاً لأن أكتب عن هذا النوع من الفقد الذي لم ينتبه إليه أحد وسط هذا الدم والدمار الهائلين.. فقد الذاكرة الجغرافية للمدن..
رأيت أشجار زيتون ميتة على الأرض، نخيل مقصوف، مآذن مكسورة، وبيوت لا يمكن استيضاح معالمها، أوراق من دفاتر أطفال، صور قديمة محترقة، أجزاء من ملابس كانت يوما لطفل أو لفتاة بألوان زاهية، رأيت سيارات بسُمك ورق اللعب بعد أن داست دبابة إسرائيلية عليها، رأيت نوافذ محترقة وشبابيك تطل على فراغ، رأيت عيوناً فارغة إلا من السؤال.. من سيعيد لنا ذكرياتنا؟
جميعنا لديه ذكريات مع الأمكنة، المدرسة الأولى، المكان الأول الذي قابلنا فيه فتاتنا الأولى، والشارع الذي حفرته أقدامنا مشياً لسبب ما، فماذا يحدث حين تختفي هذه الأماكن؟ ماذا يحدث لنا، وإذا أردت صياغة السؤال بشكل آخر: هل يختلف فقداننا لجزء من ذاكرتنا عن بتر عضو من أعضائنا؟
في المحصلة النهائية، يجب على الحياة أن تستمر، ولكن، بأي شكل يمكن للحياة أن تستمر بعد ما حدث في غزة؟
ربما أن هذه الحرب الوحيدة في التاريخ التي كان فيها شعب يذبح على مرأى من وسائل الإعلام، وبالنسبة للكثيرين ـ دون التطرق للأرقام ـ لم يعد مهما ما انتهت إليه الحرب بعد أن ماتوا، أو بعد أن فقدوا أطرافهم أو أصيبوا إصابات بالغة في أجسادهم أو في مشاعرهم بعد أن فقدوا أحبتهم جملة وتفصيلاً، ولا أعتقد أن فقد الأحبة يزيد عن فقد الأماكن التي كانت تجمعهم بأولئك الأحبة، وبالتالي فإن ما فقده الناس هنا في غزة يتعدى بكثير ما تناقلته شاشات الفضائيات لثلاثة أسابيع.
فهل ستشمل خطة إعادة إعمار غزة إعادة إعمار الذاكرة؟

19 كانون ثاني 2009

     
عدد التعليقات 0