khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
مقالات
محمود سليم... هذا هو أبي

هل كان يدورُ في خِلدِ أبي حينَ غادَرَ قريةَ [حتَّا] قبلَ اثنين وستين عاماً أنَّه سيموتُ ويُدفَن في مدينةِ رفحْ عام 2000 وهو بعدُ لم يعُدْ إلى بيتِهِ؟

بالتأكيدِ لم يخطُر له ذلك ولو لثانية واحدة، بدليل أن المال الذي خرجَ به من القرية كان كافياً لشراء مدينة رفح كاملةً وجزءاً من مدينةِ خانيونس حسبَ أسعارِ الأراضي في تلك الفترة [ثمانون قرشاً فلسطينياً للدونم الواحد].

أبي لم يكُنْ يملكُ بيارةً، كانت لديه أرضٌ لا يزرعُها مع جدي، لم تكن الأرضُ كبيرةً، لكنَّ هذا لم يكُن السببَ في عدم زراعتِه الأرض، فقد كان يعملُ في صناعة أحجار البناء في معسكرات البريطانيين وهو المسؤول عن توريد العمال إلى هذه المهنة، وقد وفَّرَ له هذا إلى جوار المال ثقافةً مختلفةً عمن حوله، فقد كان يذهبُ إلى السينما بشكل دائم، وبنى بيتاً صغيراً من الحجر وشبابيكُهُ أباجورات من الخشب لم تكن معروفة في ذلك الحين، كان "غاوياً" على حدِّ تعبير أمي التي أخذت منه الكثير من العادات، فقد كانت القرية وبشهادة الشهود تؤجِّلُ أعراسَها إذا كانَ أبي مشغولاً، فقد كان أبي "لوّيحاً" من الطراز الأول، ويقول الشعر الشعبي "على الواقف" وحين يكون عمي هو عازف الأرغول، فإن انسجامهما في العرس يخلق مشهداً لا يُضاهى.

خبرةُ أبي الرئيسة في حياته كانت في البرتقال، كان يدخل إلى البيارة ويمشي بين الشجر، وبسهولة يقول الرقم الذي ستنتجه هذه البيارة، وقد أخذت منه هذا الرقم مرة في بداية الموسم، وبقيت أراقب حساباته اليومية طوال شهور العمل، وأجمعها في دفتر صغير، وفي نهاية العمل اكتشفت أن الرقم الذي قاله أبي لم يزد إلا 150 كيلوجرام عن الرقم الذي حققته البيارة.

ليس هذا فقط، فقد كانت يده ميزاناً لا يخطئ، وهنا أنا لا أتحدث عن تخمينات، فعلى سبيل المثال، في عيد الأضحى كنا نحضر ميزان جارنا صاحب البقالة لنزن اللحم الذي سنوزعه على الأقارب، وكان أبي يقطع اللحم ويضعه في كيس ويقوم بربط الكيس، فأقول له: انتظر قليلا حتى أقوم بالوزن، فيقول مبتسماً: وزِّن انت وملكش دعوة، فأزن الأكياس من ورائه، كلها دون استثناء كانت كيلو أو كيلو ونصف لا تزيد ولا تنقص، كان هذا دأب أبي في كل ما يشتريه.

محمود سليم، وهو الاسم الذي اشتهر به أبي، علّمنا جميعاً، أنا وأخواتي الخمس وأخويَّ، لم يتردد أو يشكو فيما يقوم أخي في مصر بصرف ستة أضعاف ما يصرفه أقرانه سنوياً، بل إنه سمح لأختي بالسفر للدراسة في مصر عام 1971 في الوقت الذي كان الكثيرون يحجمون عن إرسال بناتهم إلى المدارس.

محمود سليم كان ديمقراطياً بالفطرة، ولن أنسى في حياتي كلمته بعد أن تزوجت وقررت أن أترك مدينة رفح للسكن في مدينة غزة، قال بهدوء: أنا لا يعجبني أن تتركنا لتسكن في غزة، لكن الله يسهل عليك... وأذكر أننا حين كنا صغاراً كنت شخصياً أتعرض لتوبيخٍ مرعب إذا أسأتُ إلى أختي الصغيرة: "إنت في إيش أحسن منها؟"

أبي كان مزارعاً لا يشق له غبار أيضاً، فقد زرع في متر مربع واحد أمام منزلنا، عنباً وفلفلاً وباذنجاناً وبقدونس وجرجير... إلخ، ولم تذبل تحت يده شتلة واحدة، فهو على حد تعبير خالي: "إيدو خضرا".

أما عن القهوة التي أجَّلتُ الحديث عنها عن قصد، فلا أظن أن التاريخ الفلسطيني كله شهد أو سيشهد من يصنع القهوة مثل محمود سليم، فقد كان يستهلك أكثر من 5 كيلو جرام منها في شهر رمضان لأن ثلاثة أرباع مخيم الشابورة في رفح [حوالي 50 ألف نسمة] كانوا يمرون مساءً ليتناولوا القهوة من يده، فقد كانت علاقته بأصدقائي مستقلة عن علاقتهم بي، كانوا يحبونه بشكل لم أفهمه إلا متأخراً، وذات مرة حاولت أن أجعله يعلمني كيف يصنع القهوة، فضحك وقال: "بعمل قهوة من سنة 1936 وعمري في حياتي ما فكرت قديش بحط قهوة، بعاير بايدي وعيني وبحط وبسيبها تغلي من غير زمن محدد لما أحس انها استوت بنزلها". أذكر يومها أني ذهلت، وأنه لم يفهم سبب ذهولي فيما اعتبره طبيعياً، فقد كنا نترك الدجاج المشوي لنتشاكل حول قطعة خبز يحمصها أبي على النار التي تعود أن يشعلها كل يوم إلى حين وفاته صيفاً وشتاء دون أن يستعمل أي حطب غير حطب البرتقال، فهو كما يقول نظيف وجمرته طويلة الروح.

من العبارات الأكثر حكمة التي قالها لي يوماً وهو يشرح لي ونحن في السوق ـ كنت في الثامنة ـ ما هو اللحم الجيد وكيف أنتقي خياراً وطماطم و... إلخ: "إسمع يابا، الغالي رخيص والرخيص غالي" وطبعاً لم أفهمه يومها، إلا أن هذه الحكمة ستأخذ طريقها في حياتي بعد ذلك إلى اليوم، فالشيء الغالي [حذاء مثلاً] تدفع فيه ثمناً غاليا ولكنه على المدى الطويل يكون رخيصاً لأنه قبل أن يهترئ تكون عشرة أحذية رخيصة قد اهترأت وبهذا يصبح الغالي رخيصاً والرخيص غالياً.

كان يقول لي، أريد أن أموت قبل أن يمد إليَّ أحدٌ يدَهُ، وفعلاً، في أواخر حزيران من عام 2000 عاد من السوق وأخذ يزرع الريحان [الحبق] على باب بيتنا، فأحس بألمٍ في رأسِهِ، ودخل في غيبوبةٍ لمدة ثلاث ساعات فقط، ليموت ويدفن حيث عاش لأكثر من نصف قرن وهو يتحدث عن [حتَّا] ويحلمُ بها، ويحلم دائماً بأخوته الشهداء الثلاثة الموزعين على الزمن الفلسطيني كأنهم رمز المأساة الشخصية التي تتحول إلى رمز عام رغم فردانيتها.

ربما يكون محمود سليم مجرد رجل يشبه رجالاً كثيرين، لكنه أبي، عرفته عن قرب، قرأتُ أحلامَه وعشتُ قضية التهجير من خلال حسرتِه التي كان يخرجُها مع نَفَسِ التمباك الذي يعدُّهُ بيدِهِ، محمود سليم في الذكرى الثانية والستين للنكبة وفي ذكرى رحيلِه العاشرة، ربما ما زال يحلمُ بـ[حتَّا] حتى الآن، فمن يستطيع أن يجزمْ قطعاً بأن الموتى لا يحلمون!!!

18 أيار 2010

     
عدد التعليقات 0