khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
مقالات
عن أصدقائي الشهداء [3] محمد العاجز

لا أدري إذا كان يحق لي أن أسمي محمد العاجز صديقي، فقد استشهد وأنا في الخامسة أو أزيد بضعة شهور، لكني ما زلتُ أذكره مثلما أذكرُ بيتي الذي هدمه شارون، والذي كان محمد العاجز يأتي لزيارتنا فيه، وأذكر المكان الذي كان يجلسُ فيه وماذا كان يقول وكيف كان يبتسم بأناة فيها مرارة العالم كلّه.

وقتها، كان صديقاً لأخي الكبير، أبوه كان سباكاً في وكالة الغوث، بيدين ماهرتين، ودراجة هوائية مميزة، وصوت لا يُنسى، ومحمد الذي كان في السابعة عشرة، كان يحضر لي الحلوى كلما أتى، ويعطيني [بريزة] وهي عشرة أضعاف القرش الذي كان الأهلُ يمنّون على أولادهم به، كان يحضر لي صفارات على شكل مركب في آخرها قطعة لبان مغلفة بالحلوى، وأي سعادة يطلبها طفل في الخامسة أكثر من حلوى ولبان، تنتهي بصفارة تزعج المخيم بأكمله ولكنها تسعده.

عندما كانت أمي تتحدث عن الفدائيين، كان محمد العاجز يقول: دعينا من هذا الحديث يا عمتي الحجة خلينا نعيش، شو بدنا في الفدائية، ورغم موقفه هذا إلا أنهم ذات ليلة لا تنسى، دخلوا بيته، ووضعوا الرشاش في عينه وضغطوا عليه، وعندما صرخ من الألم قائلاً: عيني، قال له ضابط المخابرات المصحوب بعميل ملثم ومليون جندي في الخارج، هي عينك هذه التي نريدها.

أخذوه إلى الشارع الخلفي المحاذي لبيته، أطلقوا عليه مليار رصاصة لم تبق جزءاً من جسده بدون ثقب، ومات محمد العاجز، وبكيت أنا وأمي وأخي وأختي بكاءً ما تزال مرارته تتردد في حلقي إلى اليوم، وكان عقلي الصغير يسأل دون أن تقنعه أية إجابة: ليش قتلوه؟

لم تنفع معي إجابات أبي وأمي وأخي، بأن محمد الآن في الجنة، وأنه سعيد، وأن الملائكة تحيط به، فلم أفهم كيف يمكن أن تكون سعيدا بألف رصاصة في جسدك!

محمّد العاجز الذي لم يكن يطيق سيرة الفدائيين كما كان يدَّعي، كان صاحب أكبر عملية فدائية جرت في سبعينيات القرن العشرين في رفح، لقد اغتال الحاكم العسكري للمدينة، ولكن كيف اغتاله محمد العاجز؟ هذه هي الحكاية التي تستحق أن تروى.

كان للحاكم العسكري طريق ضيق يمر به يومياً بالجيب الصغير الذي كنا نطلق عليه اسم "الصرصور" وفي الضفة يقولون عنه "الخنفسة"، فقام محمد العاجز بوضع عبوة في وسط الطريق ظاهرة للعيان، فرآها بالطبع الحاكم العسكري وهو يمر بالجيب مسرعاً، فحاد عن العبوة بسرعته المغرورة، فيما كان محمد قد زرع لغما في المنطقة التي مر منها الجيب مبتعدا عن العبوة الظاهرة، أقسم لي بعض البدو الذين يقطنون في تلك المنطقة أنهم رأوا الجيب فوق الدخان الناتج عن الانفجار، لم يعثروا على أي بقايا للحاكم العسكري، تبخَّر، ذابْ، لم يعد موجوداً لا أثراً ولا خبراً.

محمد العاجز دفن مع مناضلين آخرين قتلوا في نفس الليلة، عرفت منهم صبحي أبو ضاحي، وكثيرين لم أعرفهم، لكن محمد العاجز بارتباطي به، بطوله وسمرته وشعره الخشن وهدوئه المخيف، لم يغب عن مخيلتي إلى اليوم.

محمد يا جرحي الدائم، أعذرني حين زرت قبرك مرة وحيدة بعد أعوام طويلة، لأنني بكيت ولم أحتمل حتى أن أبقى لكي أقرأ لك الفاتحة، أحسست بكل طفولتي وقتها تعود في لحظة، لكنها عادت مصحوبة بخبر مقتلك، وكأن هذا الجزء من عقلي يرفض أن يكبر ليستوعب أنك شهيد ضمن آلاف الشهداء، لا، بقيت أنت وحدك في زاوية عميقة في الذاكرة لا ولن يشاركك فيها أحد.

     
عدد التعليقات 0