khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
مقالات
عن أصدقائي الشهداء [4] نصر أبو شاور

كنتُ واضحاً في موقفي من أوسلو، كنت غاضباً وفجاً وأريد تحطيم العالم، فلم يكن عقلي يقبل بعد كل الآلام التي مر بها الفلسطينيون أن تنتهي الأمور على هذه الطريقة.

وسط هذه المشاعر، دق الشاعر باسم النبريص باب بيتنا في أحد أيام عام 1994، وحين فتحت فوجئت به مع اثنين يلبسان اللباس العسكري، ولاحظ باسم النظرة الغاضبة في وجهي، فعرفني عليهما متأملاً أن يغير التعريف نظرتي هذه، الشاعر نصر أبو شاور والكاتب عايد عمرو، وبالطبع أدخلتهما ليحتسيا القهوة ويذهبا، وعلقت بفظاظة: شاعر ويرتدي بدلة عسكرية، تناقض لا أفهمه، وبالطبع كانا يمثلان بالنسبة لي مجرد شخصين قادمين عن طريق أوسلو، ولم يكن يعنيني وقتها أي شيء.

أثار استقبالي الغاضب حنق عايد عمرو الذي وصفني لباسم بأنني شخص تافه، فيما صمت نصر وقال لعايد: بنشوف يا عايد.

نصر لم يتركني في حالي بالطبع، واظب على زيارتي، ومع الأيام أصبحت لا أتناول وجبة إلا ونصر وعايد معي، لقد اكتشفت فيهما رفضاً أكبر مما كنت أحمل، عدا عن الميزات الباقية في شخصياتهما، وإن كانت علاقتي بنصر قد أخذت تتطور بسرعة مذهلة، حتى أنه أحضر زوجته وأولاده الذين أصبحوا يشكلون عائلة ثانية نحسب حسابها في الأكل والحلويات حتى لو لم يكونوا موجودين، لقد صار نصر أبو شاور الأخ الثالث، وزوجته وأولاده زوجة وأولاد الأخ، بكل ما لهذا الوصف من استحقاقات.

كان يأتي باللباس العسكري فتراه أمي من بعيد، وتقول: هذا بيشبه الفدائية اللي كنا نغنيلهم، بينط عن الحيط بينزل واقف.

نصر كان ممن شاركوا في حرب بيروت، وكان موقعه عند السفارة الكويتية، ومن يعرف ما حدث في بيروت عام 1982 سيعرف أن السفارة الكويتية كانت خط المواجهة المباشر بين الجيش الإسرائيلي والمقاومين، بمعنى أنه لم يكن في بيروت ليسجل اسمه ويرحل كما فعل الكثيرون.

اكتشفت في نصر شاعرا رائعا وقارئا نهما، ومحبا للحياة لا يجارى، وكنا نلتقي بالشاعر الراحل محمد حسيب القاضي ونسطو على كتبه ثم نتقاتل فيما بعد من سيقرأه أولا، وما زلت احتفظ بعدد من الكتب تعود إلى مكتبة نصر أبو شاور، كتبه كانت دائما نادرة ومميزة، إضافة إلى ذلك كان لاعب زهر مجيدا، وكثيراً ما كنت أجبره على التوقيع على ورقة تفيد بأنني هزمته شر هزيمة.
 
حين قامت الانتفاضة الثانية عام 2000، كان نصر مسؤولا لمعسكر للأمن الوطني في رفح، زرته أكثر من مرة هناك، نصف المعسكر للجنود، ونصفه الآخر مزروع بالحبق والورد والنعناع، وكان تعليقه: أرأيت كيف يمكن للعسكري أن يكون شاعراً؟
 
هذا المعسكر كان من أوائل المعسكرات التي دمرتها الآليات الإسرائيلية في أحد الاجتياحات لمدينة رفح، أما نصر نفسه فقد خاض العديد من المواجهات مع قوات الجيش الإسرائيلي التي كانت تحاول اجتياح المنطقة التي تقع تحت مسؤوليته، اشتباكات حقيقية، كثيراً ما أجبرتهم على التراجع، وقد عرفت فيما بعد أن مسؤوله قدم 20 شكوى إلى الرئيس أبو عمار تتضمن تجاوزات نصر أبو شاور التي تمثلت في عدم الاستجابة لأوامر الإنسحاب من وجه الجيش الإسرائيلي.
 
أذكر مرة أن ضابط إسرائيلي أرسل له عبر القوات المشتركة آنذاك، أنهم سيدخلون إلى أطراف المدينة لمطاردة بعض المواطنين، وأن هذه المطاردة الساخنة مسموح بها للجيش الإسرائيلي حسب الاتفاقية الأمنية، فكان رد نصر أبو شاور من كلمتين قبل أن يدير ظهره ويمشي: على جثتي!!
 
رفض جميع العروض التي قدمت إليه لكي يخرج بعائلته من غزة إلى رام الله، إلى أمريكا، إلى روسيا، وظل في غزة لأنه أحبها كما لو كانت موطنه الأزلي.
 
أثناء الاقتتال الذي جرى بين حركتي فتح وحماس، كان نصر في مقر السرايا، وقبل أن يستشهد بساعات قليلة، أجريت معه اتصالاً لأطمئن عليه، تنهد طويلا عندما سألته ماذا ستفعل، قبل أن يجيب: الله لحالو بيعرف، بعدها توجه إلى المنتدى حيث المقر السابق للرئيس عرفات، وهناك حيث هربت معظم القيادات، مات نصر أبو شاور تحت روايات متعددة، منها أنه لم يحتمل الاستسلام فقتل نفسه، ومنها أن أحداً قام بتصفيته، بالإضافة طبعاً إلى روايات أخرى ما زالت معلقة إلى اليوم.
 
نصر لم يكن من النوع الذي يمكن أن أستوعب فجأة أنه لم يعد هناك، وأراهن أن عدد من اتصلوا بي لتعزيتي فيه يكاد يفوق عدد الذين اتصلوا بأقاربه الحقيقيين، ولم أكن أرد بغير كلمة واحدة، شكرا، فقد تحول ذهاب نصر أبو شاور إلى رمز لذهاب عصر وقيم وثقافات ليحل محله غيره، ولكني إن صدقت أو لم أصدق، نصر أبو شاور استشهد ولم يعد يتحداني في قراءة الكتب أو لعبة الزهر، ولم يعد يتلمظ وهو يأكل المقلوبة من يد أمي، ولم يعد يدخل إلى مكتبتي إذا لم أكن في البيت ويسرق كتابا ويضعه تحت معطفه العسكري ويخرج، ولم يعد يتصل بصوته الأجش المعهود: وينك يا زلمة زهقت من العسكر بدي حد أحكي معو في الثقافة.

عندما ذهبت إلى بيته وجلست على  الدرج الخارجي، لم أحتمل حين أحضروه أن ألقي عليه أكثر من نظرة واحدة، رصاصة واحدة مسارها بين مؤخرة رأسه وفمه.
 
عثر في جيبه على عشرين شيكلا حين استشهد، لكنه مات رجلا كما يموت الرجال، فالرجولة أن تموت وحيدا كما قيل.
 
في جنازته كنا عشرين شخصا، بمن فينا زوجته وبعض أبنائه، لم تكن جنازة تليق أبداً به، وهو الذي كان يرى فلسطين بالضبط كما كان يرى ابنته ماريان، نصر حالة فريدة تقع بين شاعر ومقاتل، وقد وقعت هنا في فخ، بين أن أرفق هذا المقال بقصيدتي التي كتبتها عنه "المساء مساءً" وبين اختيار مقاطع من قصيدته الطويلة "مزامير الفتى الناصري"، وتفوقت قصيدة نصر على قصيدتي، فحين قال في قصيدته "ليت لي قمرا ليضيء لي قبري" فقد أغلق الباب على كل دمعة يمكن أن تسيل من أجله، لأنه ببساطة كان فوق الدمع وحتى فوق تصديق فكرة أن رجلا مثله يمكن أن يموت.
 
مقاطع من مزامير الفتى الناصري للشاعر نصر أبو شاور [مجمل القصيدة 16 مزموراً]
 
المزمور الأول
لأبي إمام المنشدين
 
"طوبى لمن يرفع الصلوات ويحفظ حدود الوطن* طوبى لمن يرث النشيد ويجمع عاشقين في فيء لوزة* طوبى لمن يخلع الشوك من طريق الحفاة ويوزع الفرح على الأطفال* طوبى لمن يفتح نوافذ للطعام في هذا الزمان، لمن يفتح نوافذ للكلام في هذا الجدار* طوبى لمن يحمي الخراف بطش الذئاب* يا أيها الحامل وجع الكون* يا وارث الأرض وطارد اليابسة من الحقول* يا زارع الأمل على الشفاه* أول النهار أنت، وأنت أول من يجيء* يا صانع البرق وخصب الغيوم* إحفظ لي فرحي وحلمي* إستحب لي يا إمام المنشدين*
 
نشيد:
 
بإنتظاركَ
أجلس وحدي
أتصفح وجهك فرحاً عتيقاً
هو ذا
زمان التيه
كيف التقينا؟
سأطلق في فضاء الروح
هذا الدعاء:
"مبارك أنت باسم الرب يا حافظ الفرح في قلوب العاشقين"
 
المزمور الرابع:
رؤيا الفتى الناصري
 
"أرى الموت سيد الأشياء*هذي الحقول تنضح بالجراد*من يصدق أن العيون التي تنجب الفرح تصير مقبرة تأكل الأحلام* لأبي إمام المنشدين نكهة التاريخ* عد يا غريب* العشق دمع تشرد في الفضاء* يا ليت لي قمراً ليضيء لي قبري* لم تكن سوى بعض من حروف* لكن مشيئة بأن تصير مخلوقاً من الفرح* وكانت بلادي المكتظة بالعشق وكنت أنا التاريخ* الذي يحفظ وجهك منذ البدء* أفتح في الحزن طاقات الفرح* يا أيها الحلم الذي تطارده الذئاب* سوف تحيا وتنام ملء العين متوسداً قلبي وهذا النشيد"
 
نشيد:
شربتك يا بحار العشق
وما ارتويت
هذي بلادي كلها
أعرف شكل لوزها،
زيتونها، جميزها
وأحفظ طعم نباتها
وأجوبها في الحلم
بيتاً تلو بيت
هذا أنا
لقد إنتظرتك
يا ملاك الحب مليون عام
لكن فجأة
عدت اختفيت
 
المزمور الخامس:
ترانيم لحبيبتي فقط
 
"أيتها الحالمة بالوطن البسيط* أيتها الساكنة في براري الروح* يا صاحبي الجميل* إليك حبي واشتياقي* تعالي نفضح السر* ننبش الماضي وذكريات الروح* نغسل الحزن عن برك المجروح* هلمي إلي أيتها النقية كالشمس* نتعانق ونأكل حباً* نحيا كي لا نعطي ملاك الموت هذا فرصته ليسرق منا النشيد"
 
نشيد:
حملتك في القلب حباً
جعلت منك عروس الزمان
علمتك العشق حتى كبرت
وحين اكتملت
صوبوا عيونك
نحو قلبي كالسهام
 
المزمور السادس:
ليلة الميلاد على ذات النغم
 
"وجع يخمش أطراف القلب* وسماء لا تمطر غير الرعب* ونساء لا تلد سوى الحزن* نون.صاد.راء.* ينشق الكون* يجيء الفرح* تبتهج الأرض وتنشر شهوتها على شجر اللوز* تفتح باباً في العشق له* يدخله* يسكن في فيىء لوزه* يناديه الرب* أيها الفرح، يا منقذ الروح من هلع الحياة* أخرج* هذي الحشود كنملة تجر خلفها التاريخ* تمضي تفتش عن قمر يضيء الزمان* وبين الفجيعتين تصحو وترفع راية للدعاء* اخرج* ثمة عذارى على الشرفات يحلمن بفارس ينثر فوق رؤوسهن النشيد".
 
نشيد:
 
مرة أخرى
أدعوك سيد هذا الزمان
مرة أخرى
يفيض العشق في قلبي
فتشعله هذي الحشود
سحائباً من الدخان
 
المزمور الحادي عشر
لمن خبأ عشقه ذات يوم في خيمة
 
"هي المنافي* توحد الهموم* أجمل المنافي تلك التي تحمل ملامح الثورة* لم نكن نعرف النفط* كانت الأرض مصدر الدفء الوحيد* مازلت اذكر* كان الغزاة مدججين والعواصم في غرفة الإنعاش* هبت علينا ريح* فتساقط علينا الرطب الجميل* ورمت لي المجدلية قبلة* وصاح في المهد المسيح* وتدفق النفط وغطت الدشاديش المكان* خراب يسكن في القلوب* حزن يعشعش في العيون* من قال أنّا لا نحب الحياة* قد تفتح الشمس أهدابها من الغرب يوماً وتغمض في الشرق الجفون* لكن سنبقى هنا غيماً لا يعرف اليباس"
 
نشيد مصحوب بدعاء:
 
يا خالق الشهوات
من عسل القلوب
يا زارع الحلم الجميل في العيون
يا أيها الفرح المخبأ في الغيوم
إغسل عن هذي الجنود
غبار أحذية الجنود
واشعل
بالفرح هذي القلوب
 
المزمور الثاني عشر:
إنقلاب
 
"ضيقة سماء كوننا وحلما أوسع من هذا الفضاء/ والصبح وجه حبيبتي/ في أي بحر سنغسل عن هذي البلاد شبق الغزاة/ يا أيها الوطن المليء بالظلام / يا أيها الوطن الظامئ للحزن/ يا أيها الوطن الحالم بالجوع/ ستهب يوماً ريحنا محملة بالبذار ونطلق العنان للنشيد* نملأ الفضاء بالغناء*ننقذ الحياة من تكايا الأولياء* هو زمان العاشقين آت لا محال* فما زال فينا إله العشق يحمل راية الفداء"
 
تكوين:
 
في البدء كان
ثم قال:
فليكن نور. وكان نور
وليكن بحر
وليكن بر
فكانت الأرض
وكان الماء
ثم قال:
فليكن على هذه الأرض
عشق ولتكن حياة
فكنا أولياء العشق
وكانت فلسطين
ذاكرة الأنبياء
 
دعاء
 
"يا رب* يا منقذي من طوفان الخطيئة* يا من زرعت هذا الفرح في القلوب* يا حافظ العشاق من السقوط* هذا أنا * يا ملجأي الأخير* يا من بقدرتك العظيمة أنجبتني من العذاب* هذا عليّ . علاء. رشاد* هم حدودي الجميلة وامتدادي في الحياة* إحفظ اله الكون لي في هذه الحدود واقبل دعائي يا وارث الحياة".
 
جغرافيا على الوتر:
 
علي يحدني من الشمال
ومن الجنوب يحدني علاء
وفي الشرق امتداداي الجميل
هذا الشقي رشاد
ويحدني من الغرب
أولى القبلتين
مدينة العشق
عاصمتي
والقلب تحتله أنثاي

     
عدد التعليقات 0