khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
قراءة في كتاب
وجه قبيح في المرآة

انعكاس النزاع العربي- اليهودي على الأدب العبري للأطفال
اسم الكتاب: وجه قبيح في المرآة
المؤلف: البروفيسور أدير كوهين
المترجم: غازي السعدي
الناشر: دار الجليل ـ عمان. الطبعة الأولى 1988
حجم الكتاب بالعربية: 196 من القطع المتوسط.
 
مدخل:
لا يمكن للفراغ أن ينتج شيئاً، وحين نلحظ مغالاةً في لحظةٍ تاريخيةٍ محددة، فلا يعني ذلك أنها وليدة تلك اللحظة، بل تكون امتداداً لسنوات طويلة من التداخلات التربوية التي تتعلق بالدين وعلم الاجتماع والاقتصاد والممارسات اليومية.. إلخ.
وفكرة إسرائيل عندما قامت، استندت إلى مجموعة من المفاهيم المحددة، لكنها صبت في نهاية الأمر في اتجاهين، الأول يرسخ للفكرة الصهيونية العنصرية، والثاني يحاول هدم التراث الإنساني الذي حققه الفلسطينيون عبر تاريخهم الطويل.
وتعدى الأمر هؤلاء الفلسطينيين ليشمل كل ما هو عربي، ابتداءً من القرآن، وانتهاءً بأخر طفل يولد في أية بقعة عربية.
ولأن إسرائيل تعمل دائماً من خلال منظومة مفاهيم استراتيجية، فإن الطفل هو أولى دعامات هذه المنظومة، وبالتالي فإن القيم التي يتم زرعها فيه، هي التي ستحدد طبيعة تعامله مع أعدائه ـ العرب ـ حينما يصل إلى سن يؤهله لدخول الجيش ثم السياسة بعد ذلك.
وهذا الكتاب يلقي نظرةً على إسرائيل من هذه الزاوية، فما الذي تقدمه إسرائيل لأطفالها..؟
وربما أن هناك أهمية إضافية لهذا الكتاب تتجاوز ما يطرحه في هذا الشأن، وتكمن هذه الأهمية في أن كاتبه إسرائيلي، مما يجعل الأمر ـ موضوعياً ـ لايدخل في باب التجني على إسرائيل كما اعتادت أن تقول كلما افتضحت لها ممارسة ما.
ملاحظة: لا يعني استعراض هذا الكتاب أن ما فيه صحيح بنسبة 100%، ولكن ما يهمنا هنا هو الجانب المعرفي البحت.

وجهات نظر معكوسة
في مقدمته لكتاب وجه قبيح في المرآة يقول كوهين: كتب الشاعر الأمريكي أرتشيبالد ماك ليش في إحدى قصائده الأبيات التالية التي رافقتنا طيلة الفترة التي قمنا خلالها ببحثنا حول الإنسان العربي ومكانته في أدب الأطفال الإسرائيلي:
"إن الجنود الذين قضوا وهم في ربيع الشباب، لا يستطيعون الكلام، وعلى الرغم من ذلك فهم يسمعون في البيوت الهادئة من الذي لم يسمعهم‍! أفواههم صامتة، لكنها تتحدث نيابةً عنهم في ساعات الليل وعند بزوغ الفجر.. إنهم يقولون: لقد كنا شباباً ومتنا، نرجو أن تتذكرونا.. إنهم يقولون: لقد ضحينا بحياتنا، ولكن أحداً لا يعلم ما هي الفائدة من حياتنا التي ضحينا بها. إنهم يقولون: إن حوادث موتنا لا تهمنا، بل تهمكم أنتم ، ومغزاها وكأنها من فعل أيديكم.. إنهم يقولون: إذا كانت حياتنا ووفاتنا قد حدثت من أجل السلام ومن أجل الحياة الجديدة، وإذا كانت حياتنا قد انقضت سدى، فنحن لا نستطيع قول ذلك.. وواجبكم يحتم عليكم أن تقولوا ذلك. إنهم يقولون : إننا نترك لكم حوادث موتنا، فامنحوها المعنى الذي تستحقه..
بهذه القصيدة يبدأ كوهين كتابه ليطرح التساؤل الكبير: هل سنستطيع منح المعنى لموت الآلاف الذين سقطوا هنا في "أرض إسرائيل" منذ بدء الاستيطان اليهودي؟ وهل كانت حياتهم ووفاتهم من أجل السلام ومن أجل الحياة الجديدة، من أجل إقامة علاقات من التآخي والتعاون وحسن الجوار، أم أن حياتهم راحت سدى وأن الكراهية ستستمر والعداء سيسود، وأن الموت في الحروب التي لا نهاية لها سيظل إلى مالا نهاية ؟
ويقول كوهين إن بحثه هذا جعله يطلع على 1700 كتاب للأطفال صدرت في إسرائيل في أعقاب حرب حزيران 1967، وقد وجد من بينها 520 كتاباً تضمنت إشارات إلى شخصية العربي، وقد قام بدراسة هذه الكتب بدقة متناهية من ناحيتي الكم والنوع. إلا أنه يعترف أن هذا البحث ليس محايداً بالرغم من سعيه لذلك، غير أن هدف البحث المؤكد هو التطرق لمغزى المعطيات وتحليلها ومحاولة إيجاد إمكانيات المعالجة التربوية، ويختتم كوهين مقدمته: "ولو نجح هذا البحث في فتح عيوننا وفي الكشف عن زوايا الرؤية المضللة والمشوهة التي ارتسمت في الأذهان من خلال وصف العلاقات بين اليهود والعرب، فإننا نكون قد أدينا رسالتنا".
 
من الواقع إلى الأدب
بعد استكمال البحث الذي يدور حوله الكتاب "العربي في أدب الأطفال الإسرائيلي" قام كوهين باستطلاع مرافق للبحث للتعرف على نظرة الأولاد في المدرسة الابتدائية نحو العربي، لمعرفة ما إذا كان لأدب الأطفال الذي قرأوه تأثير على نظرتهم للعرب وعلى فهم جوهر النزاع معهم ومدى استعداد التلاميذ للعيش مع العرب في حياة سلام وصداقة، اشترك في الاستطلاع 250 تلميذاً من الصف الرابع والخامس والسادس في مدرسة الكرمل بحيفا، وقد أثارت نتائج الاستطلاع سلسلة من الحقائق التي تستحق الاهتمام والدراسة:
1 ـ أن مستوى الخوف من العربي في أوساط التلاميذ كبير للغاية، فقد وصف 75% من التلاميذ العربي على أنه الشخص مختطف الأطفال والقاتل والمخرب والمجرم وما شابه ذلك.
2 ـ كان وصف العربي مشابهاً لما اعتادت كتب الأطفال على وصفة، فقد قال 80% من الأطفال إن العربي شخص يعيش في الصحراء ويرتدي الكوفية ويرعى الأغنام وله وجه مخيف وقذر وله ندوب في وجهه.. إلخ.
3 ـ 15% كان لهم موقفاً متوازناً وصادقاً نتيجة علاقتهم المباشرة بالعرب.
4 ـ النظرة الإيجابية للعرب لم تتعد 20% وكانت محكومة بالفائدة التي نحققها من علاقاتنا مع العرب، فيما انطلقت بعض المواقف الإيجابية من موقع التسامح المتعالي ولم تعتمد على تفهم أو صداقة شخصية، فقط 10% من المواقف عبرت عن نظرة مباشرة تعتبر العربي إنساناً دون التعاطف معه من خلال موقف متعال.
5 ـ رفض 90% منهم حق العرب في "البلاد"، أو التعايش المبني على المساواة.
6 ـ الأولاد القادمون من خارج إسرائيل في السنوات الأخيرة عبروا عن تفهم وانفتاح أكثر للمساواة والتعايش.
7 ـ عبر بعض الأولاد عن أسباب النزاع بعبارات مثل: إنهم يريدون قتلنا وطردنا من "البلاد" واحتلال مدننا ورمينا في البحر.
8 ـ عبر 45% من الأولاد عن رغبتهم في السلام مع العرب ، لكن 32% فقط عبروا عن قناعتهم بإمكانية تحقيق ذلك، ولكن معظم الراغبين في السلام يعرّفون السلام أنه يتمثل في تسليم العرب بالوجود اليهودي في "البلاد" وتحقيق السيادة على كافة أرجاء "البلاد".
9 ـ تطرق 58% من الأولاد إلى أن كتب الأطفال أثرت عليهم في رسم صورة الإنسان العربي، ومعظم هؤلاء ذكروا أن التأثير كان على المستوى السلبي للأحداث والشخصية، وقليل منهم تطرق إلى كتاب جعلهم يغيرون من نظرتهم للعربي ويشعرون بالاطمئنان عند القرب منه.
 
الغربة، النزاعات وحالات النزاع
إن حالة الحرب أو التهديد المتواصل بشن الحرب هي من العناصر الرئيسة للزعزعة التامة للقيم لدى الإنسان، ومن المهم التعرف على العلاقة الخاصة القائمة بين الحرب والقيم في إسرائيل بالذات التي لم تتوقف عن ممارسة الحروب مع جيرانها العرب منذ إقامتها.
ويستشهد كوهين هنا بتعليق كتبه عكيبا آرنست سيمون: "إن الإسرائيليين يبذلون كل ما في وسعهم لإعداد الطلاب اليهود وتهيئتهم ليوم غد الذي قد تنشب فيه الحرب ، بينما لا يبذلون أي جهد لتهيئة الطلاب اليهود لبعد غد الذي قد يجلب السلام في منطقتنا، على الأقل التي نتحمل نحوها مسؤولية مباشرة".
ويقول تسفي لام "إن الحرب تفرض نفسها على وعي الإنسان وتوجه معظم تصرفاته". إن إلقاء نظرة على كتب الأطفال في إسرائيل منذ إقامة الدولة، يظهر لنا بأن هذه الكتب تنظر إلى العربي بمنظار الظروف الحربية، وبالتالي لا تهيئ القارئ اليهودي لإقامة علاقات من حسن الجوار والتعاون مع العرب، وحين وصف إيزنشتدت في كتابه "الاجتماع السياسي" أصناف الأعداء وأصناف الحروب، فقد كان أكثر هذه الأصناف تطرفاً هو العدو الذي تكون الحرب بالنسبة له ليست هدفاً للتوصل إلى سلام بل للقضاء على العدو، وهذا النوع يشكل نموذجاً يمثل الغربة والإجرام والتهديد والخطر على وجود المجتمع، والنوع الثاني من الحروب هي التي تكون وسيلة لتحقيق إنجازات.
غير أن كوهين يقول إنه من الصعب إدراج الحرب بين العرب واليهود ضمن هاتين النظريتين، إذ تحدث العرب عام 1948 عن حرب إبادة، وتحدث اليهود عن حرب دفاعية، وقد تبين من تحليل كتب الأطفال بأن تلك الكتب قد صورت العدو باللاإنسانية والانحطاط والوحشية وشككت في إمكانية إقامة علاقات من السلام أو الثقة المتبادلة معه، فليس من العبث قول الرئيس المصري أنور السادات: إن 70% من النزاع العربي ـ الإسرائيلي هو في المجال النفسي.
وعندما يصور العدو على أنه يسعى للقضاء على جميع الإسرائيليين الذين ولدوا في إسرائيل أو هاجروا إليها، وإغلاق أبواب البلاد في وجه الهجرة اليهودية، فهل هناك مجال للتفاهم معه؟ وعندما يكون الخوف من تعذيب الفدائيين مصدراً لاستعادة ذكريات العهد النازي وتعذيبه لليهود فهل يمكن البدء بحوار والسعي لبناء جسور من التفاهم؟
وحتى لو بذلت جهود جبارة فإنه لا أمل في التوصل إلى نتيجة طالما أن الكراهية مغروسة في القلوب والرغبة في الفتك والقتل والدمار مسيطرة على عقلية الأطفال اليهود المتأثرين بالوصف الذي تضمنته الكتب للإنسان العربي.
لكن كوهين يستدرك هنا أهمية معرفة ما يجري في العالم العربي والأدب العربي، إن هزيمة العرب في حرب 1948 قد أوجدت شخصية أدبية لليهودي السافل الذي نجح بمكائده في استغلال طيبة قلب العربي وسلبه جزءاً كبيراً من أرضه وحوله إلى لاجئ يعيش في الخيام تحت رحمة الأمم المتحدة، ولكن هنا أيضاً لم يتحول الوجود الإسرائيلي إلى كابوس يلاحق العرب مثل كابوس واقعهم الجديد كلاجئين، وحنينهم للوطن والرغبة في استعادته. لهذا فإن شخصية الإسرائيلي كانت هامشية بالمقارنة مع معاناة اللاجئ العربي ورغبته في الانتقام. وبعد حرب حزيران 1967 وظهور منظمة فتح ونشاطاتها "الإرهابية" حاول الأديب العربي فهم شخصية اليهودي في ضوء عقائديات "فتح" وأصبح الإسرائيلي كابوساً يجب التخلص منه والقضاء عليه.
إن الأدب العربي حافل بالكراهية نحو اليهودي ويدعو إلى الفتك به "هنا يسوق كوهين بعض الأمثلة مستقاة من تحليلات لكتاب يهود وإسرائيليين"، ويؤكد الأدب العربي على استغلال الكارثة التي تعرض لها اليهود وتنفيذهم لوسائل النازية ضد العرب، كما يؤكد أن اليهود ضللوا من قبل الصهيونية والتوراة وأنهم يحاولون إقامة وطن لهم على أرض سليبة وليس لهم أخلاق أو مبادئ أو أرض أو لغة خاصة بهم، وأن الإسرائيليين يشكلون امتداداً للاستعمار الأوروبي وأساليب الفتك بالشعوب.
هناك كتب أطفال عديدة تتمسك بنظرية "لا يوجد عدو طيب" وتعمل باستمرار على تلطيخ سمعة العربي بأسلوب التباهي الأعمى وإغلاق جميع أقنية الاتصال، وإن خطر مثل هذه الكتب يزداد حدة بسبب العزلة القائمة بين الشعبين والجهل التام وأسوار الآراء القديمة وطبقات متراكمة من الكراهية وانعدام الحوار.
إن التحليلات العلمية للأدب القومي لدى الشعوب التي تعيش حالات من النزاع تكشف بأن مثل هذه الأوضاع تؤدي حتماً إلى تشويه رؤية أطراف النزاع لبعضهم البعض، ولا ينفرد بها أدب الأطفال الإسرائيلي وحده.
ويقول علماء النفس إن النزاع بين الشعوب هو حرب ظلال، وكل طرف يناضل ضد شخصية العدو كما هي مترسخة لديه. وقد ساهم العالمان النفسيان بتلهايم وجانوفيتش في مناقشة تشويه شخصية الطرف للطرف الآخر الذي يعيش معه حالة صراع وأوضحا بأن التشويه هو نتيجة لصراع داخلي ودافع يحاول المرء بوساطته حل النزاعات مع نفسه بأن ينسب صفاته للآخر.
لقد تحدث عاموس إيالون مع المصرية سناء حسن حول الصفة الثابتة لدى الإسرائيليين نحو العرب وأكد: إننا لا نعتبركم أبناء الشيطان أو نازيين متوحشين، بل نميل إلى اعتباركم مخلوقات عديمة القيمة والإنسانية، وإننا نصف أي عمل سيء وغير ناجع بالعمل العربي، وعندما نريد أن نقول لشخص ما "لا تكن غبياً" فإننا نقول له "لا تكن عربياً".
إن هذه العبارات المألوفة التي تحفل بها كتب الأطفال والكتب التي لا تتطرق للعرب بشكل مباشر، تنطوي على خطر كبير وتؤثر كثيراً على القناعات وتحتل مكاناً دائماً في النفس.
من بين الحالات المتطرفة التي تتجلى فيها سيطرة الرأي السائد حول العربي هي الحالة التي تفقد فيها الشخصية العربية اسمها ولا يطلق عليها اسم، بل توصف بالرحل "ذي الندبة" و"الأعور"، و"ذي الوجه القبيح"، وهنا يفقد ا لعربي كل هوية شخصية وتسيطر النظرية السائدة ولا تبذل أي محاولة لمنحه أية صفة إنسانية.
إن كثيراً من الباحثين الذين حللوا نشأة المعتقدات السائدة، يكثرون من الحديث حول الغربة وانعدام الاتصال كعنصرين رئيسين، وأشار الباحث ريتر أن هناك شعوراً خفياً بالخوف من كل ما هو غريب، وينتج عنه شعور بالكراهية والعداء بشكل تلقائي، إن هذه العبارة تتفق تماماً مع نتائج بحثنا الذي شمل 520 كتاباً من أصل 1700 كتاب تمت دراستها، ووجدنا فيها تطرقاً للعربي، وسيطرت عليها النزعة العدائية والنظرة القومية والشعور بالتفوق على العربي والشك والعداء نحو العرب عامة.
إن كتب الأطفال يمكن أن تكون إحدى وسائل اللقاء كمصدر للمعلومات التي تبلور الصورة العامة وتفتح الحوار مع الإنسان وتخلق التعايش، ولكنها يمكن أيضاً أن تؤدي دوراً عكسياً.
لقد بحث هذا الوضع المعقد في أعمال أوستروفيل وغرينباوم اللذين حاولا دراسة موقف اليهود الإسرائيليين إزاء العرب بأساليب باحثة وقالا: إن حقيقة اعتبار العرب الذين يعيشون في الدول العربية أعداء "لدولة إسرائيل" وفي نفس الوقت تعيش في "الدولة" أقلية عربية، فإن ذلك يشكل مشكلة صعبة بالنسبة للغالبية اليهودية التي كانت في يوم من الأيام أقلية، وأضافا بأن اليهودي في طبعه يعارض القناعات القديمة كما يعارض التمييز، ولكنه، من جهة أخرى ، مضطر بسبب الظروف التي يعيشها للنظر إلى الأشخاص حسب إنتمائهم القومي.
إن الخطوة الأولى نحو القضاء على القناعات القديمة وبناء نظرة صادقة ومباشرة ومنفتحة، تحتم علينا أن نتعلم العربي، ونتعرف عليه حتى لو وقف أمامنا الآن (كعدو) يجب أن نعترف بأن الطرف الآخر هو إنساني ونحاول إجراء حوار معه لا تسيطر عليه الرغبة في إخضاعه، بل لإجراء حوار إنساني تام معه.
في تحليلنا للقناعات الثابتة التي تصور شخصية العربي في كتب الأطفال في إسرائيل قد استعنا بالبحث الذي وضعه إدغار روزنبرغ بعنوان : "من شيلوك وحتى سوانغالي"، وقد تضمن هذا البحث تحليلاً للشخصيات البارزة في الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر، وتوقف قليلاً عند الشخصيات اليهودية الرئيسة في الرواية الإنجليزية، كما راقب جذور القوالب الجاهزة بالنسبة لليهود في الأدب الإنجليزي منذ بداية انطلاقته.
إن خرافة الشخصية اليهودية السلبية هي ذات جذور قديمة للغاية تبدأ بهورودس قاتل الأطفال ويهودا القريوتي واليهود قتلة المسيح وما إلى ذلك.
 
إن القناعات الثابتة هي ذات مغزى سلبي بالنسبة لشعب معين، ويمكن أن تكون أرضاً خصبة للعداء والكراهية، ونستطيع القول أنه لولا الوهم الذي أقنعنا به أنفسنا حول القوالب الثابتة إزاء العرب، ولو لم نعتبرهم في قناعاتنا كبدائيين ومتخلفين وغير موهوبين ومقاتلين سيئين وفارين من ميدان المعركة ويمكن دحرهم بسهولة، لما أفقنا فجأة في حرب أكتوبر وكأننا في كابوس مرعب أصابنا ونحن غير مستعدين ومتوهمين بأننا نستطيع خلال أسبوع دحر جميع الجيوش العربية وتدمير قواعدهم الجوية وطردهم حفاة الأقدام في رمال الصحراء.
إن كتب التاريخ والأدب تؤدي دائماً إلى تأليف كتب الأطفال وخاصة الكتب التي تحكي قصصاً تاريخية وبيوغرافية، إن كتب التاريخ التي يتداولها الطلاب تحكي عن تاريخ لا يستطيع عامة الشعب التفاعل معه، وإنه يجب تمكين الطلاب بمساعدة معلميهم من كتابة التاريخ بشكل آخر وعلى أساس مصادر ووثائق تاريخية مستمدة من الشعب، من تاريخ الشعب الذي هو الأساس في الكيان القومي، من هنا ننتقل إلى الأدب وأدب الأطفال، وهنا نجد أيضاً كتباً تتحدث عن الزعماء وتصف الحروب والانتصارات وتلطيخ سمعة الأعداء حسب قناعات ثابتة وحسب النظريات العرقية التي تعمي الأعين حول الشعوب الأخرى.
وقد اكتشفنا من خلال بحثنا بأن الصفوف التي تضمن طلاباً يكتبون أعمالاً أدبية تنظر إلى العرب نظرة معتدلة بعكس الصفوف الأخرى المتأثرة بالقناعات الثابتة والآراء القديمة والنظرة السلبية والمتعالية نحو شعب آخر أو أقليات عرقية.
لقد كانت القناعات الثابتة لدى اليهود إزاء الشخصية العربية قائمة قبل قيام "دولة إسرائيل" وتجلت في كتاب أليعازر شموئيلي الذي ألف عام 1933 وتضمن وصفاً سلبياً للشخص العربي، وكان لهذا الوصف أثره الكبير على القراء اليهود.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ألا يوجد عربي واحد ليست له ندبة في وجهه أو ليس له شاربان أو ليس بعين واحدة؟
           
طبيعة العرب وطباعهم
إن الأعين التي تزرع الرعب، ومواصفات العربي في جزء كبير من الكتب اليهودية تعتمد جميعها على القناعات الثابتة، ولكن هذه القناعات تسيطر أيضاً على وصف السلوك العربي والعلاقات الإنسانية والمواصفات والمقاييس واللباس والمهن والثقافة والمكانة الاجتماعية والإطلاع على مجريات الأمور في عصرنا.
ومن دراسة 520 كتاباً للأطفال، يستنتج كوهين بأن الصفات الجيدة للعربي في هذه الكتب لم تتعد 23.8% والباقي صفات سلبية، ويقول: وجدنا في تلك الكتب أوصافاً للعرب من بينها: لصوص، مخربون، رجال عصابات، وجواسيس، معتدون على المقابر اليهودية، قناصة، مختطفو طائرات، عملاء دول أجنبية وما إلى ذلك. ويعرض كوهين بعد ذلك نماذج من العبارات التي وردت في تلك الكتب.
ويقول كوهين في نهاية العرض: إن إجمال هذه الأوصاف قد قدم لنا صورة كاملة للقناعات الثابتة السلبية التي تحفل بها كتب الأطفال الإسرائيلية وهي صورة تشوه الشخصية الحقيقية للعربي وتعمق الهاوية التي تفصل بيننا وبين جيراننا.
إن إحدى الصفات المميزة للقناعات الثابتة في بلورة الشخصيات هي الإنجراف السريع والسهل للتعبير عن الاستهزاء. وإن الكتابة التي تتخذ مواقف متطرفة من الشخصيات كالأسود مقابل الأبيض، سرعان ما تقف ضد جانب واحد، تهاجمه وتسخر منه. وقد كان تسفي لام على حق عندما أكد بأن انتفاء صفة الإنسانية عن العدو هي محاولة للقضاء عليه بمخيلتك قبل المعركة وذلك بسلب صفته الإنسانية أو التقليل من إنسانيته لكي لا يمنعك ضميرك ومشاعرك من القضاء عليه فعلاً في المعركة.
إن من بين الادعاءات التي تتردد ضد القناعات الثابتة في كتب الأطفال هو أن المؤلف لم يقصد أبداً خلق شخصيات سلبية أو تلقين الأطفال قيماً معنية، لكن هناك سلسلة طويلة من الإجابات على هذا الإدعاء الرائج نذكر بعضها:
1 ـ إن البلورة القناعية متوفرة ليس للأطفال الصغار فقط بل ولكافة الأعمار.
2 ـ وجدنا القناعات الثابتة المبلورة في جميع الأعمال الأدبية، ليس في القصص فقط.
3 ـ يجب عدم تجاهل التأثير الكبير الذي تتمتع به كتب المغامرات.
4 ـ أتضح أن الأدباء أنفسهم يعترفون بوجود نوايا تربوية في كتبهم.
إن استخدام العبارات المهنية والأوصاف البذيئة هو أحد الوسائل الرائجة في نفي الصفة الإنسانية، واستخدام هذه العبارات تردد كثيراً في كتب الأطفال الإسرائيلية، ومن بين هذه العبارات إطلاق أوصاف الحيوانات على العرب، وقد وردت في كتب الأطفال شتائم شبه أدبية "مغتصبون وطماعون" والحق يقال إن بعض هذه الشتائم لم توجه للعرب كافة ولكن كثرة ترددها يخلق الشعور بالاستخفاف المهين بهم.
لقد وضع مؤلفو الكتب في إسرائيل عبارات في أفواه أبطال قصصهم تنم عن الحقد والكراهية نحو العرب، كما وضعوا عبارات في أفواههم تنم عن الاستخفاف والاستهزاء بالعرب. وقد تحدثت قصص الأطفال الإسرائيلية عن العرب ووصفتهم بالبدائيين الذين يؤمنون بالخرافات والشياطين والأرواح ويرتعدون خوفاً من أرواح الأموات، وعندما تتحدث هذه الكتب عن تعرض العرب واليهود للأشباح فهي تظهر العرب بأنهم جبناء وترتعد فرائصهم من الخوف من الأرواح بينما تظهر اليهود بأنهم لا مبالين ولا يؤمنون بالخرافات.

الواقع وعناده اللانهائي:
إن أدب الأطفال الإسرائيلي الذي يصف الاستيطان في "البلاد"، وتهريب اليهود إلى "البلاد" براً وبحراً، يمكن اعتباره أدباً قصصياً تاريخياً يعيد أحداث فترة ويحيي شخصيات تاريخية ويحكيها بمقاييس القصة التاريخية والقصة الشخصية.
هناك أهمية بالغة لدراسة الأسلوب الذي اتبعته كتب الأطفال في إسرائيل في سرد التاريخ اليهودي عبر القرن الماضي الذي تخلله نضال من أجل بناء "الدولة".
لقد أكد يهوشفاط هركابي بأن العرب يصبون جام غضبهم على الصهيونية التي وصفت من قبلهم بأنها حركة لا أخلاقية لأنها تسعى للاستيلاء على أراضي الغير، ويؤكد الناطقون العرب بأن إقامة "دولة إسرائيل" كانت جريمة دولية منقطعة النظير وإذا كان قد حدث في السابق أن هزم شعب فإن قوميته ظلت قائمة على أرضه أما في فلسطين فقد محيت القومية العربية الفلسطينية. لقد وجهت أصابع الانتقاد للصهيونية لأنها خططت منذ البداية لتنفيذ هذه الجريمة ولكنها أخفت نواياها تحت ستار من الشعارات الإيجابية مثل: إيجاد حل لمشكلة اليهود ومنحهم ملجأً معترفاً به بموجب الأنظمة والقوانين الدولية وإقامة وطن قومي ولكن الصهيونية تعمدت تجاهل المغزى السلبي لهذه الشعارات وهو أن تهويد "البلاد" يعني إزالة طابعها العربي وأن حل مشكلة اليهود يعني خلق مشكلة عربية. وفي الواقع فإن مطالب الصهيونية بحقوق تاريخية هي مطالب غير أخلاقية وتستحق الإدانة إذ لو أن هذا المبدأ حظي بالاعتراف لأصبح العالم في فوضى ولطالب السويديون بحقوقهم في صقلية وطالب العرب بأسبانيا ولكن الصهيونية فضلت مصالح اليهود وضحت في سبيلها بمصالح العرب وعاملت العرب على أنهم قوم متخلفون ولا قيمة لهم ولهذا فإن الصهيونية هي حركة عنصرية. وقد تمثلت عنصريتها بإبراز تفوق اليهود على سائر سكان "البلاد" والترويج لعبارة "عمل عربي" والاستخفاف بالفلاح العربي والاستهانة بمكانته الاجتماعية ومن هنا فإن الصهيونية هي الدنس بذاته ونعتها بأقذع أنواع النعوت.
إن من غير الممكن تجاهل عظم الكراهية والألم والعنف والغضب التي تحفل بها الكتب العربية والكتب الدراسية والنشرات التعليمية العربية، ولكن ما كان يجب تقليد تلك الكتب وتبني أساليبها في كتب الأطفال اليهودية، وليس هناك ما يبرر العمل الذي تقوم به كتب الأطفال اليهودية في تشويه الشخصية العربية ورفض اللقاء مع العرب.
لقد توصلنا إلى نتيجة مفادها أن كتب الأطفال الإسرائيلية تفتقر إلى العمق التاريخي، وقد لمسنا ذلك على وجه الخصوص في كتب الأطفال التي صدرت بين السنوات 1967، 1987. لقد تردد في كتب الأطفال العبرية وصف العرب بالدمامة وغيرها من الصفات السلبية كما تضمنت تلك ا لكتب وصفاً مسهباً للاعتداءات العربية على المستوطنين اليهود وإدخال قطعان ماشيتهم إلى حقول اليهود ومعارضتهم لتجفيف المستنقعات واعتدائهم على المزروعات، كما صدرت كتب عديدة خصصت لوصف الأحداث التي وقعت في سنوات العشرين والثلاثين ، وتحدثت تلك الكتب بإسهاب حول العصابات العربية التي اعتدت على المستعمرات اليهودية والسيارات وعابري السبيل، وأكدت بأن تلك الفترة كانت في غاية الصعوبة، ولكنها أسفرت عن إقامة المستوطنات، وكانت جميعها قصصاً تتحدث عن البطولة والجرأة والشجاعة التي يتحلى بها السوبرمان اليهودي.
إن خطورة تلك الفترة وكثرة الاعتداءات والهجمات لم تمكن المؤلفين من وصف الواقع بتجرد ونزاهة، وقد نجد لهم العذر في ذلك بسبب الخوف والعداء الذي يشوه الرؤية أحياناً ويجعل اللقاء مع العرب لقاء مواجهة، لكن المؤلف ميلو أوهل حاول إنصاف العرب لكنه لم يستطع الخروج عن الإجماع اليهودي فيما يتعلق بالنظرة نحو العربي، وهي نظرة نحو عدو وقاتل ومخرب ومعتدٍِ على المستعمرات.
لقد كانت نقطة الضعف في العديد من كتب الأطفال الإسرائيلية تكمن في نظرتها الثابتة نحو العربي، وفي شموليتها التي لا تعتمد على أدلة دامغة ووصفها الذي يتكرر باستمرار.

كيف نخوض الحرب
إن عشرات كتب الأطفال التي صدرت في إسرائيل منذ حرب حزيران 1967 قد خصصت فصولاً عديدة لوصف أحداث تلك الحرب وأحداث الحروب الأخرى التي خاضتها إسرائيل في السنوات التي أعقبت قيامها، والسؤال: هل كانت هذه الكتب أمينة في سرد الحقائق التاريخية لتنسج منها قصصاً روائية؟ وهل كانت الحروب حتمية الوقوع وستسفر عن إحلال السلام المنشود وإقامة علاقات من حسن الجوار أم كانت حروباً سببها الكراهية المبنية على الاستخفاف بالعدو ووصفه باللاإنسانية والشعور بأن الحرب مستمرة إلى الأبد؟ [هنا يستعرض كوهين كتاب من جزئين عن موشيه ديان للمؤلفة غليلا رون بيدر كمثال على ما سبق].
إن وجود كتب تطرح الأسئلة للبحث عن الطريق والتفكير وخلق الشعور بحيوية الحرب وحتمية وقوعها يحول دون تراكم التأثيرات السلبية التي تخلقها الكتب التي لا تطرح الأسئلة وتحول دون التفكير، وكثير من كتب الأطفال أكدت على وحشية العدو، وفعلت ذلك في خلق صور متطرفة للغاية للعدو.
إن المشكلة لا تكمن في طرح الحادث العابر بل في الحوادث المتراكمة، وفي الكتب يعتمد الطرح على القناعات الثابتة في وصف وحشية العرب وتعطشهم للدم ورغبتهم في اكتساب الغنائم، وأصبحت هذه الصفات من العلاقات المميزة للعرب عامة.
إن معظم كتب الأطفال التي تتحدث عن الحرب هي كتب سطحية للغاية وتهدف إلى تلطيخ سمعة العرب والسخرية من جبنهم ومن أسلوبهم في القتال والإكثار من وصف وحشيتهم والإشادة بالمقاتلين اليهود وبطولتهم وجرأتهم وحيلهم وسرعة بديهة الأطفال الإسرائيليين. "يستعرض كذلك هنا بعض الروايات التي تؤكد ما ذهب إليه".
عندما تصمت المدافع وتهدأ المعركة، يبدأ في التغلغل في النفس شعور يمقت الحرب ويفكر ببناء الجسور بدلاً من نسفها، ويعود الشعور بالإنسان، لكن مؤلفي كتب الأطفال في إسرائيل لم يولوا أهمية واهتماماً بهذا الشعور نحو الإنسان.
لقد اتخذت كتب الأطفال الإسرائيلية موقف الاستعلاء اليهودي والتخلف العربي، فقد جاء في العديد من كتب الأطفال بأن العربي كعدو يجب محاربته، وأحياناً بدون سبب وبدون اسم وبدون هوية شخصية، بل كعدو فحسب، فالعربي هو عدو ولا يوجد فرق بين عربي وعربي.
لقد وجد الكثير من المؤلفين متعةً في وصف مباهاة الضباط العرب التي سرعان ما تتحول إلى خوف وخنوع عندما يواجهون الاختبار، وسوف لن نجد المجال الكافي لعرض عشرات الأمثلة للولد الإسرائيلي الخارق القوة الذي يهزم جميع الجيوش العربية والمجموعات السرية والشجعان والبحارة الذين يتمتعون بقوة خارقة وذكاء لا مثيل له، ويظهرون عجز القيادات العربية. لقد أكدت كتب الأطفال الإسرائيلية بأن المقاتل الإسرائيلي أفضل من المقاتل العربي، وأن الدبابة الإسرائيلية أفضل من عشر دبابات عربية، لقد ادعت هذه الكتب بأن العرب يتصرفون بوحشية، ليس نحو بني البشر فحسب، بل ونحو الحيوانات أيضاً، وصورت العرب بكل ما هو أسود ومروع وفظيع وعنيف، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: ألم تكن لحالة الحرب التي عاشها العرب تأثير على عنفهم ووحشيتهم؟ وهل تطرفهم تطرف نظري يفتقر إلى الحقائق؟ وهل كان من الضروري والممكن والمستحب إخفاء جميع الأعمال المروعة التي وقعت وحوادث الاغتيال والقتل والحروب المدمرة؟
إن التفاصيل المؤلمة والمريرة جديرة بالكتابة، والحقائق يجب أن تجد طريقها إلى القراء، ولكن يجب الامتناع عن إظهار العرب بالمتخلفين وبأنهم شخصيات من الكرتون صنعتها الكراهية وأوجدها الحقد..
من بين 520 كتاباً تمت دراستها وعثرنا فيها على وصف للعلاقات بين اليهود والعرب وجدنا 26 كتاباً تحفل بحنين إلى الماضي البعيد، وتحدثت عن علاقات صداقة بين جيل الآباء أو الأجداد وعن جلوس الجد فريدمان مع أبو صالح والتحدث عن الحرب السيئة، ولكن عندما أنتهي الحنين، خاض الأبناء والأحفاد حروباً جديدة.
إن أقوى رسالة للسلام لا تتحقق بالشعارات المفتعلة ولا تأتي كثمرة لوضع إيجابي أو صورة إيجابية نستهويها، بل تتحقق بالرسالة التعليمية التي تخترق حواجز الأوضاع المريرة، إن تحطيم القوالب الجاهزة والقناعات الثابتة لا يتأتى عن طريق خلق صورة كرتونية مضادة بل ربما بقوة تلك الكلمات المعدودة "إنني لا أكرههم".
لقد حاول بعض المؤلفين تخفيف حدة الخوف والمخاوف من اللقاء بين اليهود والعرب، وساروا في الطريق السهل المتضمن وصف الأعمال الخيرة التي يقوم بها العربي، وكثيرون منهم وصفوا الأولاد التائهين في الطريق الذي يصادفون فيه مضرب خيام بدوي أو قرية عربية ويحصلون على معاملة ممتازة رغم المخاوف التي تتملكهم من الاتصال بالعرب، ولو أن كتب الأطفال الإسرائيلية اكتفت بعرض وصف حقيقي للواقع وإبراز اللقاءات الإنسانية وبلورة قصة لا يكون فيها اللقاء مغتصباً أو يحمل صفة الإيجابي والسلبي لما كان هناك مجال لإزدهار القناعات الثابتة.
إننا لا نطالب بما هو إيجابي، بل بما هو إنساني، ولو تجرأنا على السؤال: لماذا جاء القالب الجاهز الإيجابي، بأي ثمن؟ هل هي ضريبة شفهية وكتعويض عن ضمير سيئ وتهدئة المخاوف ورغبة دفينة ورسالة تعليمية وآمال تتغلغل في القلوب؟ إنها كلها مجتمعة ولكن في هذه اللحظة لا نصادف الإنسان بل المخلوقات التي صنعها خيالنا ومخاوفنا أو رغباتنا الدفينة.
 
شجرة المعرفة.. جيدة وسيئة!
إن مجموعة كبيرة من قصص الأطفال قد أظهرت نظرةً إنسانية وإيجابية نحو العرب، وحاولت إظهار علاقات حسن الجوار في الماضي والحاضر وتحطيم الحدود الوطنية والنظر نحو العربي كإنسان وليس كعدو مهدد ومخيف، وإظهار الرغبة في السلام والكراهية نحو الحرب، ولكن كتباً قليلةً منها حاولت تجاوز العلاقة الإيجابية واللقاء الودي والعلاقات الموضوعية والإيجابية والغربة في التعايش جنباً إلى جنب،  وليس مع بعض، إلى محاولة فهم العربي ومواجهة عالمه ومشاعره ومشاكله فيما يتعلق "بالبلاد"، وليس النظر فقط إلى مظهره الخارجي وضيافته ومساعدته في الشدة.
إن من بين 520 كتاباً خضعت للدراسة وتضمنت وصفاً للعلاقات بين اليهود والعرب عثرنا على 40 كتاباً فقط تضمن محاولة لوصف واقعي ومنطقي يتجاوز الوصف الذي يعتمد على القناعات الثابتة والمعادية، أما البقية الباقية من الكتب فقد أبرزت التفوق اليهودي والتسامح اليهودي المتعالي نحو العرب.
إن المواد التي كتبها أولاد تشكل حافزاً هاماً للغاية للكتابة الأدبية لدى الأولاد الذين يقرأون هذه المواد لأن هذا الإنتاج قد كتبه أولاد مثلهم. وعندما حللنا كتب الأطفال التي وصفت الحروب التي خاضتها إسرائيل، أردنا أن نقرأ التوسل للسلام في أعين القادة، وصية السلام التي كتبها القتلى، والرغبة في السلام من أفواه مشوهي الحروب، ولكن قصص الحروب ونشوة الانتصارات والإنجازات غطت على الصوت الإنساني وتغلبت عليه. إن تحليل الكثير من قصائد السلام قد أظهر بأن قصائد قليلة فقط تطرقت بشكل مباشر إلى النزاع اليهودي ـ العربي وحروب إسرائيل ضد جيرانها، وقصائد قليلة فقط تطرقت لذكر العرب عامة، وبدلاً من ذلك ، فقد بدا السلام من خلال تلك القصائد كشيء منشود ومأمول.
 وينهي كوهين كتابه قائلاً: "إن من بين الأخطاء الرئيسة، أو نقاط الضعف التي ارتكبتها كتب الأطفال الإسرائيلية هي التركيز على عروبة العرب، وليس على إنسانيتهم، على إعتبار أنها تمثل "القضية العربية"، وفعلت ذلك في أغلب الأحيان بشكل متطرف، ومشوه للحقائق، لقد كان وصف العربي في كتب الأطفال الإسرائيلية وصفاً لشخصيات بدائية وغريبة وبعيدة عن العلم والمعرفة تستحق الإهانة والرفض، ولكنها في الواقع شخصيات إنسانية ومتسامحة تستحق التضامن معها وتتفهم قضايا الآخرين وتمد يداً إنسانية للمساعدة.
في قلب الصورة الجماعية للعرب التي ترسمها لنا كتب الأطفال الإسرائيلية تترعرع أزهار جميلة، ولكن أشواكها كثيرة وكثيرة جداً، بينما الأزهار قابعة وسط الأشواك التي تطوقها حتى عنقها".

     
عدد التعليقات 2