khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
مقالات
عن أصدقائي الشهداء [6ـ7] [هشام أبو حرب ـ فوزي عيسى]

دائماً ما تساءلتُ عن الموت، كيفَ يموت الشهداء؟ وهل يختارون ذهابهم إلى الموت؟ هل يكونون في وعيهم عندما يتلقون الرصاصة القاتلة؟ ماذا يشعرون؟ وكيف يتصرفون في اللحظة التي تسبق السقوط مباشرة؟

مع هذين الشهيدين عرفتُ الإجابةَ عبرَ نفسي لا عبرهما، ولذا، فسأضطر إلى تفاصيل دقيقة في رواية استشهادهما، حيث أنني سأتوقف بعدها عن الكتابة عن الشهداء، لأنني اكتشفت أن هذه الكتابة مؤلمة أكثر مما كنت أعتقد، لي على الأقل.

في الواحدة والنصف من يوم 29/12/1991، كانت أختي قد طلبت مني أنا وابن أختي [إبن أخت غيرها] أن نعيد غرضاً تالفاً كانت اشترته من أحد الحوانيت في المخيم، وذهبنا بالفعل أنا و[ن] لنعيده إلى الحانوت الذي يقع في زواريب المخيم، وعند عودتنا، شاهدنا اثنين من الشباب قد أنهوا عملية اللثام، ويتجهزون للخروج، لم تكن لدينا أنا و[ن] أية فكرة عما يخططان له، ولكن بما أن موعد انطلاقة حركة فتح قد اقترب، فقد توقعنا أنهما سيكتبان تحية لحركة فتح بهذه المناسبة.

عدنا إلى البيت، وقالت أختي إن الغداء جاهز، فقلنا لها: سنرى فقط ماذا سيكتب الملثمون ونعود، وجلسنا على باب البيت، ورغم أنه أحد أيام كانون الأول، إلا أن الجو كان حاراً بصورة غير طبيعية لدرجة أن الشارع كان خالياً من المارة تماماً في تلك الساعة.

بعد ثلاث دقائق من جلوسنا، سمعنا إطلاق نار بكثافة ماء على زيت يغلي، وبسرعة مذهلة، حددنا المصدر ورحنا نجري ونجري باتجاه الصوت، كان الصوت آتياً من منطقة المطافي التي يؤدي شارعها إلى السوق، وحين وصلنا أول الشارع، حيث تقع محطة البنزين ومدخل سوق المخيم، خرج أحد الملثمين الذين رأيناهما يجري بسرعة مذهلة، وبدل أن يدور إلى اليمين ليلقي بنفسه في أحضاننا لنهربه داخل المخيم، جاءته رصاصة من خلفه جعلته يسقط على الأرض ويتلوى من الألم ولكنه كان حياً ما زال، وبالطبع لم نعرفه ساعتها لأن اللثام كان ما يزال على وجهه، وسقط على الجهة اليسرى من الشارع أي عكس اتجاهنا تماما، وحين بدأنا بالجري باتجاهه، وإذا بإثنين من أفراد الوحدة الخاصة يتبعانه، واحد بمسدسين في يديه، والآخر وراءه بمدفع 500، وهو رشاش مخصص للدبابات وليس للأفراد، وركع الرجل الذي يحمل المسدسين جوار الملثم، وصار يطلق النار عليه أمام أعيننا، فأعطوني عقولكم في تلك اللحظة.

ما سأرويه الآن عن نفسي، لا أذكر عنه شيئاً مطلقاً، بل رواه لي شاب رآني في تلك الحالة.

قال لي: كنتُ أنظرُ إليك من بعيد، وأنت تتجه إلى حامل المسدسات، وكأنك مخدر، وهو يطلق النار باتجاهك، والآخر يطلق الرصاص تحت قدميك، وأنت تمشي كالنائم [كنا أنا و[ن] في نفس الحالة تقريبا]، وفي لحظة ما، ألقيت بنفسي تحت قدميك في الوقت الذي كان يصوب رصاصةً باتجاه رأسك فوقعت على الأرض وتجنبت الرصاصة، عند هذه اللحظة استعدت وعيي، وكان الجيش قد حضر بكثافة نتيجة اتصال الوحدات الخاصة به، أخذوا جثمان الشهيد ومضوا به.

بالطبع في الأيام التالية ذهبت إلى المكان، ووقفت جوار مدخل الرصاصة في بوابة أحد المحلات، ارتفاعها بالضبط كان يوازي وسط جبيني.

كان الشابان هما هشام أبو حرب وفوزي عيسى "الإثنان من أبناء حارتنا" قد ذهبا في ذلك الاتجاه كي يشتريا علبتي دهان ليكتبا بها على الجدران، وهناك توقفت فجأة سيارة بيجو 504 لينزل منها أربعة أشخاص مسلحين، وبسرعة اصطادوا فوزي أولاً لأنه كان الأقر ب إليهم، أما الشهيد الثاني الذي رأيتهم يطلقون الرصاص عليه، فكان هشام أبو حرب الذي جرى مسافة تقرب من المئة وخمسين متراً مخترقاً السوق وهم يطلقون النار عليه من الخلف.

فوزي سعيد عيسى ولد في حي الشابورة عام1972 ، وكذلك هشام الذي كان ولداً وحيداً على سبع بنات.

بالطبع، مخيم الشابورة لم يكن يقبل أن يقوم الجيش الإسرائيلي بدفن شهدائه، لذا فقد حاول المخيم تخليص أبنائه من يد الجيش، وهاجموا مركز الجيش نفسه، الذي كان ثكنة لا يمكن مهاجتمها حتى من قبل جيش مدرب، لكن الغضب العارم والعاطفة الجياشة لم تكن تعطي الفرصة للشباب للتفكير، الشباب الذين سمعوا بالحدث، فلكم أن تتخيلوا شعور من رأى رأي العين، وكانت نتيجة ذلك اليوم الدامي، سقوط ثلاثة شهداء آخرين وأكثر من 550 مصاباً و700 قنبلة مولوتوف ألقيت على الجيش قبل أن تبلغ الساعة السابعة ليلاً ويفرض منع التجوال على المخيم بواسطة نصف الجيش الإسرائيلي، فقد تحولت الأرض يومها إلى اللون الأخضر من كثافة الجيش.

يومها عرفت كيف يموت الشهداء، فلو قُتِلْتُ يومَها لما أحسستْ، لأن مشهدَ مناضل يتلقى الرصاص ويتلوى تحت كل رصاصة، لم يكن مشهداً يمكِّنُ أي شخص مهما بلغت بلادته أن يقف متفرجاً، فيما كان بإمكان رجل الوحدات الخاصة أن يعتقله بكل بساطة بعد أن أصابه في قدمه أول الأمر، أفقدني ذلك كل شعور إنساني، وتحولت إلى مجرد آلة تتقدم باتجاه القاتل دون تفكير، دون وعي، دون حسابات، وأظن أن هذه هي حال الكثير من الذين يستشهدون، إذ تمر عليهم لحظة من الغضب والثورة تفقدهم إحساسهم باللحظة.

حين أعيد جثماني الشهيدين إلى أهلهما ليلا أثناء حظر التجول، قالت لي أم أحدهما إن عينيه كانتا مخاطتين، وبطنه كذلك، وبعدها بسنوات ستتفجر قضية سرقة أعضاء الشهداء من قبل الجيش الإسرائيلي، إلا أن تلك مأساة أخرى.

هشام وفوزي، كلاهما كان في التاسعة عشرة عندما استشهدا، وحين تذهب إلى مخيم الشابورة في رفح، فستجد أطفالاً إلى اليوم يقولون، هشام وفوزي، ولست مضطراً أن تكمل أسماءهما ليعرف الناس عمن تتكلم، هشام وفوزي، أصبحا توأماً في إسميهما كما كانا توأماً في استشهادهما، وشكل الإثنان جرحاً عميقاً في ذاكرتي، هشام على الأخص لأني رأيت جسده ينتفض أمامي ولم أتمكن من إنقاذه أو الموت معه، ربما هذا ما جعلني أؤجل الكتابة عنهما إلى الآخر، فصدقوا أو لا تصدقوا، أنني لم أعد أحتمل الكتابة عن الموت، وسأتوقف بعد هذه المقالة عن الكتابة عن أصدقائي الشهداء.


     
عدد التعليقات 0