khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
مقالات
هل أحب مصر؟

لماذا مصر؟
في الثانية عشرة من عمري، إنهار أول أحلامي، وهو أن أرى عبد الحليم حافظ حينما أكبر وأذهب للدراسة في مصر، أخفت أمي الراديو عني، وعندما انتهيت من سماع أغنية فاتت جنبنا في راديو الجيران، قالت المذيعة وهي تبكي: استمعنا إلى المطرب الراحل عبد الحليم حافظ، فشهقت كمصعوق وبقيت أبكي لثلاثة أيام.

كانت مصر دائما هي الحلم الذي يراودنا صغاراً، القاهرة، الإسكندرية، الغناء، الفن، ناديا الأهلي والزمالك، نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، جمال عبد الناصر الذي كنا نحبه من شدة حب أهلنا له، قبل أن نكبر ونحبه بدورنا، حرب 1973 والمرة الأولى التي نسمع فيها عن هزيمة الجيش الإسرائيلي، وكل تلك التفاصيل التي تتعلق بحياة لم نحظ بجزء منها في مخيمات غزة، فقد كانت مصر لهذا السبب بالذات هي الحلم الذي نظنه في متناول اليد.

في عام 1982 حسدنا أصدقاءنا الذين يسكنون في مخيم كندا في رفح، لأن السلك الشائك ضمهم إلى جهة مصر بعد تقسيمات كامب ديفيد، وبذلك كانوا عمليا داخل مصر، يقرأون الصحف المصرية والمجلات أيضاً، وربما يرون عادل إمام وأحمد زكي وحسين فهمي ونجلاء فتحي وميرفت أمين ونور الشريف في الطريق حين يسيرون في الشارع، وكانوا هم بدورهم يكذبون في رسائلهم لكي يشتد غيظنا نحن الذين لم نسافر.

منهجنا الدراسي أيضاً كان مصرياً، ندرس فيه جغرافيا مصر وتوزيع المياه فيها والسكان، ونتتبع النيل من منبعه إلى فرعي رشيد ودمياط، كنا نعرف كأي مصري عن الواحات الداخلة والخارجة والفرافرة وغيرها، وكنا ندرس المساحة وتوزيع السكان إلى أن سكنت مصر كجغرافيا في مخيلاتنا الصغيرة وكبرت معنا.

أيضاً كنا ندرس تاريخ مصر منذ الفراعنة إلى الديانات إلى الفتح الإسلامي والمماليك والعثمانيين، حتى أننا في فترة من الفترات لم نكن نعرف عن تاريخ فلسطين شيئاً بالمقارنة مع تاريخ مصر الطويل والعريق والذي لا يضاهى.

عندما زرت مصر لأول مرة، تفاجأ السائق بمعرفتي بالتفاصيل الصغيرة على الطريق وفي داخل العاصمة كمن عاش فيها، ولم يصدق أن كل هذا [معلومات]، إذ كيف يهتم شخص بمعلومات لا يعرفها أحيانا حتى المصريون أنفسهم، وأذكر أن سجالاً حدث مع صحفية مصرية فيما كنا في فندق المنصور في بغداد، وسألتُها هل تعرفين "كوم الشقافة" فضحكت وقالت: هل تؤلف لي أسماءً كي تثبت أنك تعرف مصر أكثر مني، فابتسم مصري عجوز كان يتابع الحوار وقال لها: كسفتينا، كوم الشقافة موجودة في مصر الله يكسفك.

لماذا نحب مصر؟
صدقاً، لم أفكر في هذا قبل الأحداث الأخيرة في مصر، حين وجدت نفسي جالسا طوال النهار أمام التليفزيون أتابع التفاصيل لحظة بلحظة، ويقفز قلبي تعاطفا مع المتظاهرين، وأحقد على رجال الأمن الذين يرشقونهم بالماء والغاز ويضربونهم بالهراوات، لم أعرف أنني أكن كل هذا الحب لمصر، رغم غيظي الشديد منها في زيارتي الأخيرة، من أسعارها، ودجل سائقيها وبائعيها، لكني اكتشفت أن غيظي كان يشبه غيظ أي مصري مما يحدث في بلده أيضاً.

أذكر مرة شجاراً بيني وبين أحد العرب في مطار من المطارات، حين قال إن المصريين كلهم حرامية، فلم أحتمل، لأنني مررت بتجربة أنا والشاعر خالد عبد الله حين لحقنا الرجل من ميدان العتبة لمسافة 2 كيلو متر كي يعيد لنا عشرة جنيهات أخطأ معنا فيها في الحساب، ورويت له الحكاية وأسكتته قائلاً: هناك لصوص في مصر، كما في أي بلد، ولكن لأن مصر تعدادها كبير فإن فيها لصوص بما يتناسب مع هذا التعداد، هذا كل ما في الأمر.

قلت كثيراً إنني لا أحب مصر، لكني أكتشف اليوم ما يجعلني أصحح ما قلته، لقد كنت طوال الوقت لا أحب ما يحدث في مصر، أما مصر، فعلى ما يبدو أنني طوال الوقت كنت أعشقها دون أن أمنح نفسي وقفة واحدة للسؤال عن السبب.

     
عدد التعليقات 0