khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
مقالات
برافو قناة الجزيرة

سأبدأ بحكاية شخصية صغيرة، لئلا يقول لي أحد أنها إشاعات مغرضة، فقد حدثت هذه الحكاية معي شخصياً، حيث كنت موجوداً في سوبر ماركت في غزة تواجد فيه في نفس اللحظة مراسل لقناة الجزيرة من إحدى البلدان ـ ليست غزة ـ وحدث هذا في عز أزمة الحصار على غزة، ووقف هذا المراسل وسط السوبر ماركت مذهولاً من كمية البضائع واضعاً يديه على خاصرتيه قائلاً: "يلعن... غزة، كل هذه بضائع؟ حتى في بلادِنا لا يوجد بضائع مثل هذه وبهذا الكم"، هذا ليس مهما بالطبع فالكلام حتى هذه اللحظة طبيعي وعادي، المشكلة أن هذا المراسل حين عاد إلى بلادِهِ وأعدَّ تقريره، قال في التقرير بالحرف الواحد: غزة تموت من الجوع.

كنت أعمل في مؤسسة إعلامية مع بداية الانتفاضة الثانية، وقررنا حينها تشكيل ما أسميناه [لجنة المتابعة الإعلامية]، وكان الغرض منها ساذجاً وبسيطاً، هو معرفة ترتيب الخبر الفلسطيني في الإعلام العربي، وبالتالي تمت مراقبة جميع القنوات العربية في التلفزيون لمدة ستة أشهر، ليلاً ونهاراً، يعمل الشباب عليها بشكل ورديات حتى حين يذهبون إلى منازلهم، وعند الانتهاء من هذه التقارير بعد ستة أشهر، فاجأتني النتيجة، فقد خرجنا باستنتاج أن 68% من برامج قناة الجزيرة وإعلاناتها تصب في الإتجاه الإسلامي الذي يحمل طابعاً محدداً، ولكن بسبب أن الإتجاه الإعلامي الذي كانت تتخذه الجزيرة كان منصباً باتجاه معاداة إسرائيل، فلم يكن مهما وقتها توجه القائمين على القناة على اعتبار أن أي جهد يوجه لفضح الممارسات الإسرائيلية كان جهداً مشكوراً لا يمكن الحديث عنه إلا بكل إيجابية.

مع بداية الخلافات الفلسطينية، كان لا بد للجزيرة من أن تتخذ موقفاً مع أحد الطرفين، وهنا كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، وحدث ما حدث، وكان هناك حدثان هامان كنت في وسطهما دون أن أضطر لسماع روايات من هنا وهناك، أولهما هو ما حدث بين فتح وحماس سواء ذلك الذي أدى إلى سيطرة حركة حماس على غزة أو الأحداث التي حدثت قبلها، والحدث الثاني هو الحرب، وفي هذين الحدثين، قامت قناة الجزيرة بالتغطية المنهجية للأحداث على أساس تبني وجهة نظر طرف على طرف، وحين أقول ذلك، أقوله كإعلامي لا علاقة له بفتح ولا بحماس، وكان ذلك جلياً من خلال استضافة سين وتجاهل صاد، وإعطاء سين المساحة الزمنية التي تتجاوز قوانين الجزيرة نفسها، وحرمان صاد من هذه المساحة وجعل سين يتحدث بعد صاد كي يفند ما يريد قوله، وأدى ذلك إلى كشف ما كانت تقوم به الجزيرة بوضوح.

في أحداث لاحقة، اشترت الجزيرة أفلاماً بمبالغ طائلة، كنت شاهد عيان على بعض الأحداث التي صورتها تلك الأفلام، لأفاجأ باختفاء هذا الفيلم إعلامياً وعدم ظهوره، وفي النهاية تصبح الحقيقة ومعياريتها الضيقة هي ما تسميه الجزيرة "مهنية"، المهنية التي تجعل باكستان وأفغانستان والعراق وأحمدي نجاد وجنوب لبنان وغزة هي الأماكن الوحيدة في العالم التي تجري فيها الأحداث، متبوعة بتفاصيل السودان وغيرها من البلدان المشابهة كالصومال، لتستقر الفكرة في النهاية في رأس حتى من لا رأس له.

في الواقع أنا لم أفهم حتى هذه اللحظة ما تعنيه كلمة مهنية التي تبثها الجزيرة بين لحظة وأخرى، ولكن إن كان هناك اعتباراً مهنيا يمتد ليشمل الأخلاق الصحفية التي هي في رأيي روح الفكرة الإعلامية، فإن هذا يضع قناة الجزيرة في موضع تساؤل قد لا تخرج منه القناة إلا ممزقة وغير قادرة على الإجابة على الأسئلة، حتى لو استعملت مهنيتين أخريين فوق مهنيتها الحالية.

وآتي إلى جزئيتي الأخيرة في هذه المقالة السريعة، وهي تخص الحملة التي أطلقتها الجزيرة منذ أيام، لتخوين القيادة الفلسطينية وإعدام أبو مازن سياسيا، واتهام بعض هذه القيادات بقتل مناضلين فلسطينيين، أقولُها بوضوح، إن مقالتي الصغيرة هذه لا تستهدف موقفاً سياسياً يؤيد أو يرفض موقفاً هنا أو هناك، لكن من خلال ما تعلمته من أبي الذي مات وهو يحلم بالرجوع إلى فلسطين، أن الكلمة التي تصلحُ واقعاً هي أفضل من الكلمة التي تهدمه، فالمشكلة لم تكن فقط في الوثائق التي تقول الجزيرة إنها حقيقية، وإنما تعدى ذلك إلى طريقة عرض هذه الوثائق، والاستنتاجات التي يخرج بها المحاورون، فهل من المعقول أن توجد منظومة إعلامية كاملة من العامل الذي يعد الشاي، إلى قمة الهرم، يتمتعون بنفس الرؤية ونفس الموقف من الأشياء؟ أظن أن الرسول والصحابة لم يكن لديهم إجماع مثل هذا على التفاصيل، ولكن الجزيرة تملك هذه الميزة في هذه التفاصيل، هذه التفاصيل التي تخوض فيها الجزيرة حتى العنق، وأتساءل، ألا تضع هذه الحملة قناة الجزيرة نفسها أمام التساؤل الأكثر أهمية، وهو الجهة التي تخدمها هذه الحملة، فإذا أجابتني الجزيرة أنها تخدم أحداً غير الإنقسام وإسرائيل، فلحظتها فقط سأفهم التعريف الحقيقي لكلمة مهنية.

     
عدد التعليقات 1