khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
أبحاث ودراسات
قصيدة النثر.. بدايات وأصول

محاولة لتأصيل تأريخي

 لم يتعرض جنس أدبي، في الثقافة العربية تحديداً، لهذا الهجوم الذي تعرضت له، وما تزال، قصيدة النثر، وهذا في رأيي راجع إلى عوامل عدة، منها عوامل عامة تختص بمحاربة القديم الراسخ للجديد المتغير، وربما أيضاً عدم وجود جنس أدبي جديد يحوّل قصيدة النثر إلى هامش التقليد، ومنها كذلك عوامل خاصة بقصيدة النثر في ذاتها مثل ابتعادها عن الوزن التقليدي واعتمادها الإيقاع الداخلي، وكذلك تغيير معالم اللغة ومحاولة خلق عالم جديد بلغة جديدة.. إلى آخر هذه الأسباب.
 وهنا، في هذه الورقة، لا أحاولُ مناقشة قصيدة النثر من حيث طبيعتها البنائية وتحولاتها عبر قرن ونصف من الزمن تقريباً، وإنما هي محاولة لتأصيل تأريخي لهذا الجنس الأدبي المُقلق، وحين أقول تأريخي، فإنني أقصد تحديداً عامل الزمن ولا شيء غير ذلك.
 بدايةً، ولكي نخرج من دائرة التعريفات المبهمة والمضللة، دعونا نتفق على أمر واحد على الأقل، أن المقصود بالنثر هنا هو الكلام غير الموزون، وحين يرد المصطلح بجوار كلمات أخرى فإنه سيتضح تلقائياً، كأن نقول: قصيدة نثر، نثر فني، شعر منثور.. الخ.
 بقي أن أشير إلى أن هذه الورقة لا تتعرض لجميع من كتبوا قصيدة النثر في الفترة التي أتحدث عنها، وهذا بديهي، وإنما الإشارة هنا إلى الشعراء المفصليين الذين ساهموا في تشكيل هذا الجنس الأدبي.
 
بداية.. ربما
 ربما أن الكتاب الوحيد الذي يمكن الإشارة إليه كعمل متكامل يؤرخ لقصيدة النثر تاريخياً ونقدياً ليس سوى كتاب "سوزان برنار" المعنون "قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن"، وإذا كان الكتاب قد أصدرته العراق عام 1993، وأعيد إصداره في مصر عام 1996، إلا أن كلا الطبعتين كانتا تعانيان من مشكلات كثيرة، ولم تتم الترجمة الكاملة لهذا الكتاب إلا عام 1998 للجزء الأول، وعام 2000 للجزء الثاني، وصدر عن دار شرقيات في القاهرة.
 ترجمت الكتاب "راوية صادق" وقدم له "رفعت سلام"، ويقع الجزءان في 1076 صفحة من القطع الكبير.
 ورغم أهمية هذا الكتاب وفردانيته، فإن "سوزان برنار" قد أرّخت فيه لقصيدة النثر في فرنسا الثقافية، وربما هذا ما جعلها، تتجاهل ديوان "أوراق العشب" للشاعر الأمريكي "والت ويتمان" الذي صدر عام 1855، بصفته أسس للكثير من المفاهيم التي قامت عليها قصيدة النثر، وهو الذي شهد له الشاعر "عزرا باوند": "إني أعقد معك حلفاً يا والت ويتمان، فقد كنت أنت الذي اقتحم الغابة الجديدة، فلدينا نحن الإثنين جذر واحد وعصارة واحدة".
 وما كان لقصيدة النثر أن تشق سبيلها الأوروبي لولا إسهامة ويتمان الكبرى، حيث أدخل ويتمان القصيدة إلى المحسوس والمعاش، إلى يوميات البحارة وأصدقائه الصيادين.
 وعودة إلى كتاب سوزان برنار التي تؤسس لقصيدة النثر دون أي تردد بالشاعر "لويس برتران" أو من عُرف بعد ذلك بـ"آلويزيوس الرومانتيكي" حيث أبدع هذا الشاعر قصيدة النثر في نهاية عام 1828، وقد مات عام 1831 عن 34 عاماً معزولاً بلا موارد ولا أصدقاء، وقد نشر مؤلفه "جاسبار الليلي" عام 1841، والذي سيظل حسب تعبير "شواب" مفصلاً أدبياً للتاريخ الأدبي.
  عام 1831، جاء لامنييه بقصيدة النثر التوراتية، تبعه موريس دي جيران بنثر الأسطورة عام 1834.
  وإذا كانت هذه الإرهاصات هنا وهناك قد أدت إلى تبلور تدريجي لمفهوم قصيدة النثر، فإن رأس الهرم كان جاهزاً ليحتله شارل بودلير بديوانه "أزهار الشر" الذي صدرت طبعته الأولى عام 1856 "لاحظوا أنه عام واحد بعد ويتمان". ولكن هذا كله فيما يبدو ما كان إلا تمهيداً لظهور شاعر سيؤثر في التاريخ الأدبي العالمي إلى يومنا هذا بعمره الذي لم يتجاوز 37 عاماً، آرثر رامبو، الذي لم يكتب غير ثلاثة دوواين صغيرة وبضعة رسائل، فصل في الجحيم، إشراقات، القارب الثمل، ورغم ذلك، فقد خلق لغة شعرية جديدة، وبلغة أخرى... أعاد خلق العالم في الشعر.
 وما بين بودلير ورامبو، جاء لوتريامون 1870، بـ"أناشيد مالدورو"، وجاء مالارميه ما بين عامي 1870-1887 حيث كون المذهب الجمالي، وأدخل اللغة إلى الميتافيزيقا، مستخدماً رموز العدم. وتواصلت القافلة إلى لافورج، بانفيل، ريشوبان، اندريه بريتون صاحب البيان السوريالي، أبولونير، رفريدي، جاكوب إلى أن ظهرت الدادائية في بدايات القرن العشرين ومن ثم بدأت أشكال التعبير تتفسخ بعد الحرب العالمية الثانية. لتأخذ منحىً أكثر إيغالاً في التجديد والتجريب.

عربياً:
 في ربيع 1960، في العدد 14 من مجلة شعر، وردت أول إشارة إلى كتاب سوزان برنار من قبل أدونيس، في مقال حمل عنوان "في قصيدة النثر" واستناداً إلى مقدمة الكتاب يقترح أدونيس التسمية/ المصطلح، ويطرح خصائص قصيدة النثر والتمايزات الأساسية بين النثر الشعري وقصيدة النثر. فيقول: "ليس للنثر الشعري شكل، هو استرسال واستسلام للشعور دون قاعدة فنية أو منهج شكلي بنائي، وسير في خط مستقيم ليس له نهاية، لذلك هو روائي وصْفي يتجه دائماً إلى التأمل الأخلاقي أو المناجاة الغنائية أو السرد الإنفعالي، ولذلك يمتلئ بالاستطرادات والتفاصيل، وتنفسح فيه وحدة التناغم والانسجام".
 "أما قصيدة النثر، فذات شكل قبل أي شيء، ذات وحدة مغلقة هي دائرة أو شبه دائرة، لا خط مستقيم، هي مجموعة علائق تنتظم في شبكة ذات تقنية محددة وبناء تركيبي موحد منتظم الأجزاء، متوازن، هي شعر خاص يستخدم النثر لغايات شعرية خالصة".
 وعرّف أدونيس خصائص قصيدة النثر:
1- يجب أن تكون صادرة عن إرادة بناء وتنظيم واعية، فالوحدة العضوية خاصية جوهرية في قصيدة النثر.
2- هي بناء فني متميز، فقصيدة النثر لا غاية لها خارج ذاتها، فهناك مجانية في القصيدة يمكن تحديدها بفكرة اللازمنية.
3- الوحدة والكثافة، فعلى قصيدة النثر أن تتجنب الاستطرادات والإيضاح والشرح وكل ما يقودها إلى الأنواع النثرية الأخرى.
 وفي محل آخر، يكتب أدونيس مقدمة الشعر العربي، وهو كتاب هدف فيه كما قال إلى إعادة النظر في الموروث الشعري العربي، وتثبيت أن التغيير هو تغيير في المفهوم قبل الشكل، وتجاوز الأنواع الأدبية وصهرها في الكتابة، ووضع الإبداع في صورة التجاوز الدائم، وهذه الأفكار كانت الركائز الأساسية لحركة الحداثة الشعرية بغض النظر عن تاريخ ومكان منشأها. ونذكر هنا أن أدونيس نوّه إلى جبران في هذا الكتاب.

دخول قصيدة النثر إلى المشهد الشعري العربي:
 تؤرخ، ربما دون قصد، نادرة السّراج في كتابها "أدباء الرابطة القلمية" لأول محاولات قصائد النثر، حين ذكرت أن الشاعر اللبناني المهجري رشيد أيوب قد أصدر ديوانه "الرشيديات" عام 1915 وهو ديوان شعر موزون احتوى على قصائد نثر.
 بينما يذكر توفيق صايغ في كتابه "أضواء جديدة على جبران" أن كتاب "الموسيقى" لجبران كان من إرهاصات قصيدة النثر الأولى.
 ورغم عدم اعترافه به كشعر، إلا أن ديوان الشاعر الفلسطيني حسن البحيري "أنفاس البحيرة" والذي صدر عام 1937 يعتبر من مقدمات قصائد النثر.
 وربما أن أول ما صدر كعمل له ميزة ديوان الشعر الذي يحوي قصائد النثر كان ديوان الشاعر الفلسطيني توفيق صايغ "ثلاثون قصيدة" وكان هذا عام 1954.
 كما أصدر ألبير أديب مجلة الأديب في الأربعينات، وقد كان هو وإلياس خليل زخريا من أبرز كتابها، وقد احتوت على شعر منثور. فيما كتب منير رمزي ديوان بريق الرماد في الأربعينات، وقام إدوارد الخراط بنشره منذ سنوات قليلة.
  ونأتي إلى الإنطلاقة الأهم في تاريخ قصيدة النثر عربياً، وأعني بها إصدار مجلة "شعر" التي صدرت عام 1956، بمبادرة ثلاثة ممن سيكون لهم الفضل في التأسيس النظري عربياً لقصيدة النثر، وهم يوسف الخال، أدونيس وأنسي الحاج.
 ومجلة "شعر" هي أول مجلة متخصصة في الشعر في العالم العربي، وقد فتح هؤلاء أبوابهم واسعةً على الحداثة بكافة أشكالها.
 وبالطبع لا يمكن أن ننسى الإسهامة المتميزة للفلسطيني جبرا ابراهيم جبرا في ديوانه "تموز في المدينة" الذي كتب له جبرا مقدمة اعتبرت من أهم البيانات التي أسست لقصيدة النثر وذلك عام 1956.
 وإذا كان رواد مجلة شعر قد بدأوا هذه الخطوة، فإن هناك ثلاثة شعراء قد حملوا لواء المسيرة متميزاً كل بأسلوبه، توفيق صايغ في ديوانه "ثلاثون قصيدة"، وتميز بنبرة صوت الكتاب المقدس واستخدام الأسطورة والسرد، أما أنسي الحاج وديوانه "لن" فقد اقترب من سوريالية بريتون، ومحمد الماغوط في ديوانه "حزن في ضوء القمر" الذي تميز بتداعي الصور. وهنا بالطبع لا بد أن نذكر الإسهامة الجريئة لأدونيس بقصيدة "وحده اليأس" الصادرة في ديوان "أوراق في الريح" عام 1958 وقصيدة "أرواد يا أميرة الوهم".
 ومع هذه الثلة من الشعراء كان هناك أيضاً شوقي أبي شقرا الذي بدأ بالشعر الموزون في ديوانيه "أكياس الفقراء" و"خطوات الملك"، لكنه في ديوان "ماء إلى حصان العائلة" ألغى القصيدة بمعنى أنه هتك اللغة.
 وفي أماكن أخرى من العالم العربي كتب لويس عوض في مصر ديوانه "بلوتو لاند وقصائد أخرى" عام 1947، وظهر كذلك في مصر إبراهيم شكرالله في الخمسينات. إلا أن ميل المصريين الفطري إلى الموسيقى وعودتهم الدائمة إلى الكلاسيكيات منعت هذا النوع من الانتشار والتطور في تلك الفترة في مصر على غرار ما حدث في بلاد الشام.
 وفي العراق كان جبرا ابراهيم جبرا الفلسطيني يؤسس لتوجه جديد ضمن المشهد العراقي.
 وبالطبع بعد الجدل العنيف الذي أحدثه هذا الجنس الأدبي الجديد والمغاير، فإن موجات الإبداع والتغيير أخذت تتسارع لتشمل العالم العربي كله تقريباً، وما زال هذا الجدل سارياً إلى لحظتنا هذه.

     
عدد التعليقات 4