khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
مقالات
في غزة نحنُ شعبٌ مِغناجْ
 

العنوانُ ليسَ خاطئاً، نعم، نحنُ في غزة شعبٌ مغناجْ، على رأي أمي "مدلعين"، مرفّهين، لذلك نضجُّ بالشكوى عندَ أقلِّ نكشةٍ هنا أو هناك، فرغم مساحة غزة الشاسعة [45 كيلومتر طولاً في 8 كيلومتر عرضاً في المعدل]، فإننا ندّعي أننا محاصَرون، فلا تكفينا هذه المساحة الهائلة لنروح ونجيء فيها على راحتنا ونحمد الله على نعمته، بل نريد بلاداً مثل أمريكا، فماذا سنفعل بها بالله عليكم؟ ولماذا يتفلسف البعض قائلاً أنه خلال عشرين عاماً لن يجد أهل غزة مكاناً ليدفنوا موتاهم، حسناً، يمكنكم أن تقوموا بحرق الجثث وقتها وإلقائها في أحد أنهار غزة الكثيرة التي تنبع من كل مكان وتصب في كل مكان، وهذا بالطبع سينشئ تجارة حرق الجثث بما سيتبعها من تجارة الجرار التي سيوضع فيها رماد الجثث ومنظمي طقوس إلقاء الرماد في الأنهار... إلخ، ففيم الشكوى؟

يشكو أهل غزة من الكهرباء والبرد، فما هذه الرقة وهذا الغنج غير المبرر، أنظروا إلى شعوب أفريقيا التي تعيش في الغابات دون ملابس تستر أجسادها، أنظروا إلى الصومال التي تموت من الجوع، ستعرفون وقتها أن الكهرباء ترف مبالغ فيه، أما فيما يخص البرد، فأنا أتفق معكم أن المولدات لا تستطيع تشغيل أجهزة التدفئة، ولكن هذا أصلاً تحصيل حاصل، فأنتم من الأساس لا تستطيعون إغلاق الشبابيك كي لا تكسرها طائرة مارّة بالصدفة فوق بيوتكم، وبالتالي عليكم أن تلجأوا لوسيلة أقل رفاهية، مثل الحطب على سبيل المثال، وقد يتبجح أحدكم بأنه يسكن في شقة مغلقة ولا يستطيع إشعال الحطب داخلها، وهذا في رأيي تجلي واضح للرفاهية التي يعيشها أهل غزة، فبإمكانك يا أخي أن تشعل النار في الشارع وتحضره إلى بيتك حين يصبح جمراً، ولكنك لا تريد أن تفكر وتبتدع حلولاً لأنك تريد حياة سهلة ومريحة، وقد يقول لي أحد الفلاسفة: وإذا حللنا مشكلة التدفئة فكيف سنحل مشكلة الغسالة مثلاً، والثلاجة وبقية الأجهزة، فأجيبه بكل ثقة بأن هذه تفاهة وقصر نظر، فعليك حين تختار زوجتك من الأساس أن لا تسألها عن مؤهلها العلمي ولا عن أخلاقها ولا عن آرائها في الحياة، بل عليك أن تسألها إذا كانت تستطيع أن تغسل بيدها لا بواسطة الغسالة التي استطاع الغرب أن ينشرها بيننا ليثبط همم نسائنا، أما موضوع الثلاجة، فعليك أن تشتري الأكل أولاً بأول، وبذلك فلن تضطر لاستخدام الثلاجة، فلماذا التبذير وتكويم الطعام والفواكه في الثلاجة من الأصل؟ لماذا سكتَّ أيها المرفه؟ طبعاً لا يمكنك الرّد.

سكان غزة المرفهون أيضاً، لا يعجبهم أن غزة فيها ثلاث أو أربع مستشفيات تخدم مليون وسبعمائة ألف مواطن، لماذا؟ هل تريدون مستشفى لكل مواطن؟ ماذا يعني أن عدد من الأطباء قد ارتكبوا عدداً من الأخطاء أدت إلى وفاة بعض الأشخاص هنا أو هناك؟ وماذا يعني أن يقوم طبيب بإزالة قدمك اليمنى فيما المطلوب إزالة اليسرى، هل هذا يعني أن نقول إن الطب في غزة لا يلبي حاجة المواطنين؟ لا طبعاً، فمن المسموح في كل العالم أن تكون هناك أخطاء طبية، خصوصاً عندما يكون هناك ضغط في العمل على الأطباء الذين لا يستطيعون التوقف لتدخين سيجارة، فإن لم تعذروهم، فمن سيعذرهم؟ ثم لماذا لم تعودوا تلجأون للوصفات القديمة مثل [لبخة مر البطارخ]، وشيوخ التعويذات ومجبري الكسور والدايات اللواتي يقمن بتوليد الأمهات، والحلاق الذي يقوم بتطهير الأطفال، لماذا تخليتم عن تراثكم وأصلكم، أصبحتم تركضون وراء الحضارة دون وعي، لذلك تستحقون ما يحدث لكم.

أنا متأكد أن شخصاً سيسألني، وإذا تجاوزنا كل ما سبق، فماذا سنفعل بالبنزين والسولار المفقودين من المحطات؟ طبعاً سأضحك ضحكة طويلة فيها نوع من الاستهزاء بسؤاله قبل أن أجيبه: ولماذا تحتاج السيارة أصلاً في الوقت الذي يفقد فيه الناس أقدامهم؟ لماذا نسيت الحصان والحمار والدراجة الهوائية التي لا تحتاج إلا إلى قدمين قويتين؟ إن هذا يخضع لنفس المقياس الذي تخضع له المستشفيات، ولكننا في غزة كما قلت شعب مغناج، لا يمكنه العيش في ظل ظروف ضيقة، ودعوني أذكركم بالحل الإبداعي الذي اخترعه عباقرة غزيون حين اختفى البنزين والسولار قبل سنوات حين استخدموا زيت القلي لتشغيل سياراتهم فأصبحت السيارات بفائدتين، تنقل المواطنين، وتنشر روائح الفلافل والبطاطا والسمك في شوارع غزة، فلماذا لا تفكرون في حل من هذا النوع، أم أن قريحتكم قد توقفت؟

أي شعب في العالم يجب أن تكون لديه الحلول البديلة حين يتعرض لمشكلة ما، وما قلته سابقاً ينطبق بالطبع على التعليم وعلى التموين وعلى الجامعات وعلى الشوارع وعلى المساجد وعلى الأسواق وعلى الحروب والقصف والصواريخ والطائرات، حتى أنكم تستطيعون تطبيقه على المطر والأشجار، فدعونا نتوقف عن "الدلع" ونبدأ بفهم الحياة كأي شعب متحضر، ولنتوقف عن الشكوى لأن هذا يظهرنا بمظهر غير لائق في عيون الشعوب التي تعتبرنا مثالاً للصمود والنضال.

العشرون من شباط 2012


     
عدد التعليقات 0