khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
مقالات
من ذا يمكنه أن يعدَّ الحنين؟
 
يومها، كنتُ في الثلاثين، للمرة الأولى، أرى الغيمَ تحتي لا فوقي، والطائرةُ تخمشُ الهواءَ قطعةً قطعةً، وتبدو كأنّها وحشٌ بطيء لا يسير، الغيمُ متشابهٌ وأنا منفعِلٌ كطفلٍ يذهبُ إلى الغابةِ التي سمعَ عنها في الحكايات، هذه أوروبا، أمستردام، وستندورب، أوترخت، روتردام، ماسترخت، خاودا [بلدة تنتج الجبن ويسميها أهل غزة جودة]، دان هاخ [لاهاي] آخن، كولون، هامبورغ، يا الله، كل هذا الجمال يختبئ في محفظة العالم، ونحن في غزة نرى البحر مزركشاً بالجنودِ وألوانِهِم الغامقة، كل شيء هنا سهل وجميل، وفي غزة الرّملةُ تأخذُ إذناً كي تتحركَ مع الريح، والموجُ يستأذن ليعلو، في غزة كل شيء بإذن، أما هنا، فكل شيء سهل وكل شيء جميل.

بعد أسبوع، فقدت المباني دهشتها، والأنهار كذلك، وفقدتُ دهشتي نكايةً بها، وصارت الأشجار مجردَ أشجارٍ، وشاهدتُ ما يكفي من المتاحفِ لأقارنها بصور الصور التي رأيتها من قبل، وأخذت أوروبا تذهبُ إلى العادي في عينيَّ، وذهَبَتْ مضيفتي إلى مقابلة عمل فبقيت وحدي يوماً كاملاً، مشيتُ إلى أن لم تعد بقدميّ طاقةٌ على خطوة واحدة أخرى، فجلستُ على مقهى يقع مثل كل مقاهي أمستردام على فرع نهرٍ جوار جسر صغير، وبدأت غزة تهطل على الهواء كفيلم سينما ثلاثي الأبعاد.

شجرة الكينا التي حفظتُها غيباً قبل أن يقصّوها من الحكاية، حضرتْ بهيةً خضراء، ومعبّأةً بالذكرياتِ حدَّ التخمةِ، حضرَ أبي وهو يزرعُ الحبقَ في مترٍ مربّعٍ أمامَ البيت، أمي وهي تصنعُ المفتولَ لأن ابن عمي قادم من عمان، طقوسُ زواج إحدى أخواتي، المخيّمُ بما عليه وما عليه، شارعُ [الهدد]، كما كنا نسميه، بيتنا الذي أزالتهُ إسرائيلُ من المكان ولم تنجح في محاولة إزالته من الذاكرة، أصدقائي الجميليون، الموتى والأحياء، كلُّهم حضروا في سنتمترٍ مربَّعٍ واحدٍ من الهواء الْمُنَقَّى بتقنيّةٍ عالية، وأحسستُ بالحنين، هذا الحنينُ الذي يأكلُ قلبَنا دون أن نعرفَ لماذا يحدث، ومن أين يأتي، وكيف يرفعُ حرارتنا، الحنين ابن كلبٍ لئيم، يعوي فينا، يعوي علينا، فنقلِّدُهُ ونعوي، لكنّ عواءنا لا يشبه عواءهُ، فهوَ سيّدٌ ونحنُ نأتمرُ بما يرى، وقتما يرى.

ذهبتُ إلى مكانٍ لبيع الشموع، كانت المرة الأولى في حياتي التي أرى مكاناً يبيع شموعاً وحدها، اشتريت كل ما تمكنت من حمله من الشموع، الشموع فكرةٌ ماكرة، ففي كل البلاد، الشمع هو الشمع، قديماً وحديثاً، الشمع هو الشمع، لا يعرف الطبقات، ولا الثقافات، الشمع هو الشمع، وعندما لاحظ الضابط في مطار القاهرة كمية الشمع في حقيبتي المتواضعة، علَّقَ بالمصرية: إيه يا عم، إنت حتنوَّر غزة كلها؟ وفي الحقيقة، أن الشمع كان الشيء الوحيد الذي رأيته في هولندا لا يختلف عن شبيهه في غزة.

خطوتُ خطوةً واحدةً خارجَ المعبر في اتجاه رفح، وبكيت دمعةً واحدةً لا غير، نزلت رغماً عن كل مزاعمي، وكأنني غائب لألف سنة، رأيت كل شيء من جديد، تأملتُ امرأةً عجوزاً بثوبٍ فلسطيني قديم، كدتُ أعدّ الغرزات واحدةً واحدة، لولا أن نهاية كُمّ الثوبِ اختلطت بتطريزاتها مع عروقِ يدِ السيدة الفلسطينية بامتياز، فالتبس الأمر عليّ فأوقفت العد، فغزة لا تُعدُّ، يختلطُ فيها التطريزُ بالعروق، كما البحرُ لا يُعدُّ، لا شيء في غزة يمكنُ عدّه، كما الحنين، فمن ذا يمكنه أن يعدَّ الحنين؟

لم يكن عشق المدينةِ يوماً خياراً، أعرفُ أن االكثيرين [يظنون] أنهم يكرهونها، لا أحد يكره غزة عدا إسرائيل، نحن نكره ما يحدث في غزة، فلا أحد يحب الظلم وانقطاع الكهرباء والمحروقات، لا أحد يحب نظاماً تعليمياً جامداً ولا شوارع لا تعرف كيف تستقبل الشتاء، لا أحد يحب مستشفىً لا يمكنه احتواء مرضاه، لكن هذا ما يحدث في غزة، وليست غزة، غزة أبعد من مدينة، وأكثر علواً من فكرةِ مظلومٍ يقاومُ ظلماً، غزة أوسع من مساحتها بمليون سنةٍ من ضوء، غزة التي لا تعطي لعشاقها خياراً ثانياً، ما زالت أمام البحر، قلبها دافئ، حزنها هادئ، تكزُّ على أسنانها كما نكزُّ على أسناننا، وتنتظر.

الثالث من آذار 2012
     
عدد التعليقات 0